فتح “تواضروس الثاني” بابا الإسكندرية، بطريرك الكرازة المرقسية، ملف تعداد الأقباط مجددا، مدعيا أن عدد رعايا الكنيسة بلغ 15 مليونا بالداخل إضافة إلى مليونين من المهاجرين في أكثر من 60 دولة بالعالم؛ ما يفتح الباب واسعا أمام أسباب فتح هذه الملف في هذا التوقيت والأهداف والرسائل التي يسعى البابا لإيصالها إلى الجهات المختلفة بالداخل والخارج.

5 رسائل كنسية
وفي حوار أجراه الصحفي السعودي، فيصل عباس، رئيس تحرير «Arabnews»، مع تواضروس خلال زيارته الأخيرة للقاهرة، بعث البابا بعدة رسائل أهمها:
أولا: الزعم بأن تعداد الأقباط في مصر يبلغ نحو 15 مليونا، علاوة على مليونين خارجها فى نحو 60 دولة حول العالم، وذلك بحسب ما أحصته الكنيسة، وفق “العضوية الكنسية”، سواء شهادات المعمودية أو الوفاة.مشددا على أن تفريغ منطقة الشرق الأوسط من المسيحيين ينطوي على خطورة شديدة على الاستقرار والسلام فى هذه البلاد.
ثانيا: أشاد بما أسماه بالتماسك المصري أو الوحدة الوطنية وقال إنها غير متوفرة في العالم كله. واعتبر الاعتداءات على المنشآت الكنسية «ضريبة الحفاظ على الوطن»، مضيفا أنه بالرغم من أن المسيحيين هم المقصودون بهذه الاعتداءات ولكن هناك هدفا أبعد من ذلك وهو ضرب الوحدة المصرية ووحدة الوطن، مستشهدا بأن هذه الاعتداءات طالت القوات المسلحة والشرطة والمسلمين كما حدث منذ عام بأحد مساجد ضواحي العريش. في إشارة إلى مذبحة مسجد الروضة”.
ثالثا: أعرب عن انحيازه للتطبيع مع الصهاينة بالقول إن منع الأقباط من زيارة القدس لم يكن أمرا جيدا، لافتاً إلى أن الكنيسة لها مطران وكنائس وأديرة هناك من قرون طويلة، وسواء كانت العلاقة مقطوعة أو غير مقطوعة فالتواجد القبطي مستمر.
رابعا: نفى وجود أي تيارات ضده فى الكنيسة، كما نفى وجود خلافات مذهبية داخل الكنيسة بين تيار البابا الراحل شنودة الثالث وتيار القمص الراحل متى المسكين، معتبرا جريمة قتل الأنبا إبيفانيوس، رئيس دير الأنبا مقار، نتيجة ضعف إنسانى، مبررا ذلك بأنهبين تلاميذ المسيح كان هناك «يهوذا»، الذى باع نفسه للشيطان، ولفت إلى أن الكنيسة تنتظر ما ستسفر عنه القضية.
خامسا: شدد على أن الكنيسة لا تسمح بالطلاق إلا لعلة الزنى، سواء فعلي أو حكمي أو روحي، ويوجد لديها 6 مجالس للتحقيق.
5 لا 15 مليونا
ويفجر إعلان الكنيسة عن تعداد الأقباط جدلا واسعا؛ ذلك أن التعداد الأخير الذي أجراه الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في سنة 2017م، تجاهل تعداد الأقباط في مصر ما أثار تساؤلات كثيرة، حول أسباب عدم إعلان حكومة الانقلاب عن أعدادهم الحقيقية، بل لماذا لا تعلن أصلا عن إحصاء لأعداد أصحاب الديانات المختلفة؟
من جانبه برر الدكتور حسين عبد العزيز، المشرف العام على التعداد بالجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ذلك التجاهل بأن نتائج التعداد السكانى لم تشمل عدد المسلمين والأقباط فى مصر، مرجعًا السبب إلى أن خانة الديانة في استمارة التعداد السكانى تكون الإجابة عنها اختيارية لا إجبارية، وبالتالى لم يتم وضع حصر كامل لعدد المسيحيين والمسلمين فى مصر. وحول أسباب جعلها اختيارية أرجع ذلك إلى إعلان الأمم المتحدة والذى يمنع الإحصاء على أساس دينى!
لكن نجيب جبرائيل، محامي الكنيسة، اتهم الجهاز بعدم المصارحة بالنسبة الحقيقية للمسيحيين في مصر، لافتا إ لى أن توصية الأمم المتحدة عام 91 بعدم التعداد على أساس طائفي، ليست ملزمة.

الحق في ذلك أن القرار سياسي بامتياز.. لماذا؟
لأن التعبئة والإحصاء” كان قد أجرى تعدادا سنة 2012 قبل انقلاب 03 يوليو 2013م، أي بعد توصية الأمم المتحدة أيضا؛ حيث كانت أجواء الحرية وسيادة القانون هي المهيمن الفعلي في البلاد؛ كشف فيه الجندي عن أول إحصائية رسمية لعدد المسيحيين بمصر، عندما أعلن أن عدد الأقباط 5 ملايين و130 ألفا،وأكد الجندي أن الاقباط هم “الأعلى اجتماعيا في مصر والأكثر هجرة والأقل في الإنجاب”، موضحا أن هذه الإحصاءات “موثقة ولا يستطيع أحد إنكارها”.
وواصل رئيس الجهاز حديثه آنذاك: “أنه ليس هناك ضغوط على الجهاز لإخفاء أي أرقام، وأنه يتم إعلان الأرقام وفقا لاحتياجات الدولة أو لطلب الجهات الرسمية، وهناك أرقام تكون سرية لوقت معين ويتم إعلانها وفقا للظروف”. وهو ما أغضب جهات قبطية تصر على المبالغة بدون دليل في نسبة تعداد الأقباط في مصر لاعتبارات سياسية لا علاقة لها بالحقيقة.
لماذا تفجير الملف في هذا التوقيت؟
ويأتي تفجير هذا الملف من جانب البابا في هذا التوقيت ليحمل عدة دلالات خطيرة:
أولا: تأكيد على أن الكنيسة «دولة داخل الدولة»؛ ذلك أن إجراء مثل التعداد السكاني هو من أعمال السلطة لا دور العبادة لكن إعلان الكنيسة يعني أنها تملك مؤسسات موازية لمؤسسات الدولة! وهي رسالة خطيرة للغاية وشديدة الوضوح؛ لكن الاكثر دهشة أن النظام يغض الطرف عن هذا الإعلان الذي يمثل خروجا عن الدولة وعدم اعتراف بإجراء قام به أعلى جهاز إحصائي في البلاد! فماذا لو قامت أي جهة أخرى بمثل هذا التعداد للمسلمين في مصر؟ وهل كان النظام سيسكت كما سكت مع البابا والكنيسة؟
ثانيا:.تستهدف الكنيسة بإعلان تعدادها الخاص في هذا التوقيت والمبالغة في نسبة تعداد الأقباط توجيه رسالة واضحة للنظام الذي يستعد لتمرير تعديلات دستورية مشبوهة من شأنها أن تفضي إلى بقاء الجنرال في الحكم مدى الحياة وهو توجه تدعمه الكنيسة استنادا إلى أكذوبة تقول إن “الجنرال هو من يحمي الأقباط”، وتستهدف الكنيسة رسالة للنظام أنه مع تآكل شعبيته إلى الحضيض فإن الكنيسة مستعدة أن تقوم بما يلزم في إطار الصفقات السرية التي يبرمها نظام العسكر مع قيادة الكنيسة. فإعلان الكنيسة عن تعداد الأقباط والمبالغة في نسبتهم بما يخالف الحقيقة هو في حد ذاته تمهيد لصفقة التعديلات الدستورية بما يحقق للكنيسة مكاسب على حساب الأغلبية وعلى حساب الوطن وقد عدد البابا هذه المكاسب خلال زيارته الأخيرة للولايات المتحدة لإقناع رعايا الكنيسة بالحشد دعما للجنرال في سبتمبر 2018 خلال مشاركته في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 63. حيث تباهي بأن عدد النواب الأقباط في البرلمان وصل إلى 39 نائبا وعدد المحافظين وصل إلى 3 بينهم امرأة.
ثالثا: المبالغة في التعداد أيضا ، هو رسالة للنظام بأن الكنيسة تستهدف على الأقل الحصول على 15% من نسبة المناصب العليا في البلاد كما أنه يستهدف الضغط على النظام من أجل تقنين مزيد من الكنائيس ودور العبادة الخاصة بالأقباط استنادا إلى هذا التعداد الوهمي المبالغ فيه من جانب الكنيسة.
رابعا: تعداد الكنيسة الموازي للدولة هو رسالة للغرب من أجل دعم “الأقلية المسيحية” وهو بيزنس كبير يدر عشرات المليارات على الباباوية والكنيسة من أجل دعم وجود الأقباط في مصر خاصة والمنطقة العربية عموما في ظل تقارير تؤكد تراجع نسبة “النصاري” في المنطقة وهو ما يهدد المصالح الغربية على المدى البعيد.