«الأرقام الرسمية» تعصف بأكاذيب إعلام العسكر حول تحسُّن الوضع الاقتصادي

- ‎فيتقارير

يُصر إعلام العسكر من فضائيات وصحف على ترويج شائعات حول تحسَّن الأوضاع الاقتصادية، ونجاح ما يسمى ببرنامج الإصلاح الاقتصادي استنادًا إلى بعض الشهادات الأجنبية، وعادة ما تكون من مؤسسات دولية مقرضة مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

لكن هذه الصحف تتجاهل أمرين في غاية الأهمية: الأول هو الانعكاس السلبي لهذا البرنامج الاقتصادي على مستويات معيشة المواطنين، ما أدى إلى هبوط عشرات الملايين من المصريين تحت خط الفقر، حيث قدَّر جهاز الإحصاء الرسمي نسبة الفقر بـ32,50%، بينما قدرها البنك الدولي بحوالي 60%. الأمر الثاني هو تجاهل أرقام وبيانات رسمية تعصف بكل هذه الأكاذيب وتكشف حجم الكارثة التي حلت بالاقتصاد المصري مع قرارات تعويم الجنيه ورفع أسعار الوقود وجميع السلع والخدمات.

وفي مقاله “تراجع الموارد الأجنبية لمصر رغم تعويم الجنيه”، والمنشور مساء السبت 5 أكتوبر 2019م بموقع الجزيرة مباشر، يُدلل الخبير الاقتصادي ممدوح الولي على صحة ذلك، مفندًا أكاذيب إعلام العسكر قائلا: “تكشف بيانات البنك المركزي المصري نفسه الخاصة بميزان المدفوعات خلال العام المالي الأخير 2018/2019، أي خلال الفترة من بداية يوليو/تموز 2018 إلى نهاية يونيو/حزيران من العام الحالي، عن حقيقة الأوضاع الصعبة التى يمر بها الاقتصاد المصري حتى الآن، رغم ادعاءات الرسميين من وزراء المجموعة الاقتصادية ومحافظ البنك المركزي عن تحسن الأوضاع”.

ويعلق الولي على ذلك، مضيفًا «بيانات البنك المركزى تشير إلى تراجع إيرادات العملات الأجنبية من كافة الموارد: التصدير والسياحة والاستثمار الأجنبى والتحويلات والمعونات والقروض والخدمات المتنوعة، لتصل إلى أقل من مائة مليار دولار، مقابل 110 مليارات دولار بالعام المالي الأسبق، رغم تضمن موارد العام المالى الأخير أكثر من عشرة مليارات من الدولارات من القروض والودائع الخارجية، و5 مليارات دولار أخرى من القروض في صورة سندات خارجية».

ويضيف الولي «والبيانات التفصيلية لموارد العملات الأجنبية، تكشف عن تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر بنحو 1.8 مليار دولار، وانخفاض الاستثمار الأجنبي غير المباشر فى صورة مشتريات أدوات دين وملكية مصرية بنحو 8 مليارات دولار رغم الفوائد العالية لتلك الديون وضمان وزارة المالية لها، وهو ما يكشف عن حقيقة وضع المناخ الاستثماري غير الجاذب».

وفي بُعد ثالث للأزمة يوضح الولي أن نقص تحويلات المصريين العاملين بالخارج وصلت إلى نحو 1.5 مليار دولار، وامتد الانخفاض إلى الصادرات السلعية غير البترولية وإلى خدمات النقل التى يتم تقديمها بالموانئ المصرية.

عجز الميزان التجاري

وبحسب الولي “كانت النتيجة حدوث عجز بالميزان الكلى للمدفوعات، بقيمة 102.5 مليون دولار، وهو رقم لا يعبر عن الحقيقة بشكل كامل، حيث يتم احتساب حصيلة بعض الموارد غير المتعلقة بأداء الاقتصاد المصري، مثل القروض البالغة 10.4 مليار دولار ومبيعات السندات الخارجية البالغة أكثر من 5 مليارات دولار، ليصل العجز الحقيقي بتجنّبها إلى 15.6 مليار دولار في عام مالي واحد”. وهو العجز الذي يتم تعويضه من خلال المزيد من الاقتراض الخارجي، رغم بلوغ قيمة القروض الخارجية 106 مليارات دولار في مارس/ آذار الماضي، وهو الرقم الذي ازداد في الوقت الحالي، لكن سياسة الإفصاح غير الشفافة للبنك المركزى المصري تتأخر فى الإعلان عن مؤشرات الدين الخارجى لشهور عديدة، بينما أعلنت قيمة الاحتياطى من العملات الأجنبية لشهر سبتمبر/أيلول الماضي، فى اليوم الأول من شهر أكتوبر/ تشرين الأول الحالي!.

وينتقد المقال عدم شفافية البنك المركزي في بعض الأحيان، حيث يتم الإعلان في بعض الشهور عن زيادات ملموسة فى قيمة تحويلات المصريين بالخارج لإعطاء انطباع عن اتجاهها إلى النمو، بينما كشفت بيانات العام المالى الأخير عن تراجعها بنحو 1.5 مليار دولار، وكما تفادى البنك المركزي إعلان قيمة الاستثمار الأجنبي المباشر الخارج من مصر خلال العام المالى الأخير، والذي زادت معدلاته فى ضوء مجريات الاستفتاء على تعديل الدستور المصري فى أبريل/ نيسان الماضي، ويتوقع زيادة كميته بعد اندلاع المظاهرات المناهضة للنظام المصري فى العشرين من سبتمبر/أيلول الماضي.

أكذوبة تحسُّن الجنيه

ويناقش الولي الصعود المفتعل للجنيه المصري أمام باقي العملات الأجنبية، مضيفا «من الطبيعى أن يقول البعض طالما الأمر كذلك؛ فلماذا يستمر الجنيه المصرى فى التحسن أمام الدولار الأمريكي، حتى اقترب من 16.20 جنيه للدولار مؤخرا؟» مؤكدا أنها “سياسة البنك المركزى المصرى للتأثير فى تحديد سعر الصرف، وعدم تركه حرًّا لعوامل العرض والطلب كما يفترض أن يكون”.

ويدلل على ذلك بعدة شواهد:

أولا: قد ظهر العديد من الشواهد على التدخل مؤخرا، ففي شهر أغسطس/آب الماضى اتجهت تعاملات الأجانب فى أذون الخزانة المصرية إلى الخروج، حتى بلغ الانخفاض فى قيمة مشترياتهم لتلك الأذون خلال الشهر 1.6 مليار دولار، ورغم ذلك استمر صعود الجنيه المصري أمام الدولار الأمريكي.

ثانيا، خلال شهر أغسطس/آب الماضى تلقت مصر الدفعة الأخيرة من قرض صندوق النقد الدولى البالغة نحو ملياري دولار، وفى ضوء ما يتم إعلانه من وجود وفرة في العملات الأجنبية كان من الطبيعى أن تزيد أرصدة الاحتياطى من العملات الأجنبية البالغة 44.9 مليار دولار في شهر يوليو/تموز، بتلك القيمة خلال شهر أغسطس/آب. بينما ما حدث هو زيادة الاحتياطى بنحو 52 مليون دولار فقط فى أغسطس/آب. بل لقد تبين أن تلك الزيادة جاءت من ارتفاع رصيد الذهب ضمن الاحتياطيات بنحو 265 مليون دولار، بينما انخفضت أرصدة العملات الأجنبية بنحو 135 مليون دولار خلال أغسطس/آب بالمقارنة بيوليو/تموز، رغم وصول الملياري دولار القادمة من صندوق النقد الدولي خلال الشهر.

ثالثًا، بينما أثّرت التظاهرات المصرية فى بلوغ السعر الآجل لسعر صرف الجنيه أمام الدولار لمدة 12 شهرا بالخارج نحو 18.30 جنيه، إذا بالبنك المركزى يستمر فى سياسة صعود الجنيه أمام الدولار في السوق المحلية خلال نفس الفترة.

الصادرات أقل من 11 عامًا مضت

وبحسب الولي «لا يعبر الإعلام الاقتصادي عن حقيقة الأوضاع الاقتصادية، فعندما حدث تراجع حاد بمؤشرات البورصة عقب مظاهرات العشرين من سبتمبر/أيلول، لم تجرؤ صحيفة اقتصادية على ذكر المظاهرات كأحد أسباب التراجع للبورصة ضمن ما ذكرته وقتها من أسباب».

ويضيف «وهكذا نجد الإعلام الاقتصادي يتغنى بارتفاع الصادرات السلعية بسبب زيادة الصادرات البترولية، ويتحاشى أن يذكر أن العجز التجاري السلعي قد زاد، بسبب زيادة الواردات بأكثر من 3 مليارات دولار رغم كل الإجراءات التى اتخذها البنك المركزي ووزارتا التجارة والمالية لخفض الواردات».

ويدلل على ذلك بالأرقام متابعا «قد وصلت قيمة الصادرات السلعية إلى 28.5 مليار دولار في العام المالى الأخير، رغم ما تم ترويجه عند تحرير أسعار الصرف من إسهام التحرير في تحقيق طفرة في الصادرات، بينما قيمة الصادرات المصرية كانت قد تخطت 29 مليار دولار عام 2007/2008 أى قبل 11 عاما». وأشاد الإعلام الرسمى بزيادة الصادرات البترولية- التى يتم شراء معظمها من الداخل- إلى 11.6 مليار دولار، بينما تخطت الصادرات البترولية 12 مليار دولار في سنة ولاية الرئيس محمد مرسي. بل إن حصيلة خدمات النقل بخلاف قناة السويس والتى بلغت 2.9 مليار دولار في العام المالى الأخير، كانت قد بلغت 4.2 مليار دولار في سنة ولاية الرئيس محمد مرسي.