كما تأتي هذه التصريحات من بابا الكنيسة، لتعيد إلى الأذهان الحملة السوداء التي شنها نظام الانقلاب العسكري ممثلا في وزارة الأوقاف المساجد الصغيرة حيث جرى غلق نحو 80 ألف زاوية كانت مخصصة للصلاة. وفي محور المحمودية وحدة بين الإسكندرية والبحيرة جرى هدم نحو 105 مساجد، في الوقت الذي جرى فيه تجاوز الكنائس والأديرة على ذات الطريق والتي جرى تقنينها باتصال هاتفي رغم أنها أيضا مخالفة للقانون.
يمثل تصريح تواضروس قمة الاستهزاء بقيم الدولة وكيانها الذي بات يدار بعيدا عن القانون والدستور، الذي بات انتقائيا ولا يطبق إلا على المسلمين ومساجدهم؛ فيما تبقى كنائيس النصاري ومعابد اليهود في مأمن من بلدوزرات الطاغية عبدالفتاح السيسي تزلفا ونفاقا للصهاينة والأمريكان والغرب عموما.
وبعيدا عن الطائفية المقيتة التي ترفضها قيم الإسلام ومبادئه وأحكامه؛ فإن حرب السيسي على المساجد لا تحتاج إلى دليل أو برهان، لكنها في ذات الوقت تقابل بمحاباة هي أيضا لا تحتاج إلى دليل أو برهان لدور العبادة النصرانية واليهودية. ومؤخرا أعلن بطريرك الكرازة المرقسية، بابا الإسكندرية، "تواضروس الثاني" أنه جرى تقنين نحو 1600 كنيسة خلال 4 سنوات، وهو ما يعتبر عددا غير مسبوق في تاريخ البلاد. جاء ذلك ضمن تصريحات "تواضروس" خلال استضافته في برنامج "نظرة" الذي يقدمه الإعلامي "حمدي رزق" على فضائية "صدى البلد" المملوكة لرجل الأعمال محمد أبو العينين المحسوب على أجهزة السيسي الأمنية والسياسية.
وقال "تواضروس" إنه خلال 8 سنوات منذ توليه تم إيجاد لوائح تنظم العمل الكنسي وإصدار قانون بناء الكنيسة وكذلك تقنين الكنائس. ومنذ انقلاب السيسي العسكري، الذي ساندته الكنيسة، أطلق النظام االعسكري حملة غير مسبوقة لتقنين أوضاع الكنائس والسماح ببناء المزيد منها وإصدار التراخيص، وذلك في ظل تأييد واضح لإدارة الكنيسة المصرية لجميع سياسات النظام وحشد أتباعها للتصويت لصالحه في جميع الانتخابات الصورية التي جرت في أعقاب الانقلاب.
وأشار "تواضروس" إلى أنه تم زيادة المجلس الإكليريكي الحالي الخاصة بالأحوال الشخصية للأقباط، إلى 6 مجالس 3 منها خارج مصر في أوروبا وأستراليا وأمريكا، وننتظر قانون الأحوال الشخصية للأقباط الموجود حاليا في مرحلة المناقشة باسم "قانون الأسرة" الذي قدمته الكنائس الثلاثة. مضيفا أن "الكنيسة المصرية كنيسة قوية قديمة وأسسها واضحة جدا وتقاليد واضحة وفي بينا وبين الكاثوليك منذ 20 سنة حوارات لاهوتية ونتقابل أسبوع كل سنة ولم نتفق على شيء وبنتناقش احنا وكل الكنائس اخواتنا (السريانية والإثيوبية والإرتيرية والهندية والأرمنية) مع الكنائس الكاثوليكية ولا يوجد لدينا اتفاق".
ومؤخرا، انتشر فيديو لقس يقيم بامريكا يخاطب تجمعا للأقباط، معددا أفضال السيسي عليهم في مصر، قائلا إن 70% من كنائس وأديرة مصر مخالفة ومبنية على أراضي زراعية، وأنهم يقننون الكنائس والأديرة بمجرد اتصال تلفوني، مع قيادات النظام.
وكان القس المصري مكاري يونان قد أثار جدلا على وسائل التواصل الاجتماعي إثر تصريحه بأن عبدالفتاح السيسي "مُنزل من السماء" ودعوته للأقباط بعدم التظاهر ضده؛ معتبرا أن من يتظاهر ضده "يقاوم ترتيب الله ونهايته جهنم".
ودافع القس مكاري يونان، عن تواجده وسط الحشد الذي استقبل السيسي في مطار القاهرة لدى وصوله من نيويورك بعد مشاركته في الجمعية العامة للأمم المتحدة، في سبتمبر 2019 م؛ حيث قال يونان للسيسي: "نشكرك أنك موافق تحكم مصر وتحمل مسؤوليتنا".
وقال يونان ردا على منتقدي خروجه لاستقبال السيسي: "أنا لست سياسيا ولا أشتغل بالسياسة، والأمر الذي قد تعتقدون أنه سياسة هو أمر يخص خلاصي وحياتي الأبدية"، مضيفا: "أنا أحب الرئيس ولا أنكر ذلك، ولا أشعر بالخجل مما قلته للرئيس".
ويدعي يونان أن السيسي الذي اغتصب الحكم بانقلاب عسكري دموي، "لم يصل الرئاسة طمعا في منصب ولا مال أو غنى، وأن السيسي يسهر الليالي ومهدد وتحاك ضده المؤامرات في كل وقت؛ لأنه يحب مصر ومن أجلي ومن أجلكم يقبل التعب والسهر والتهديد والمؤامرات غير محاربته للإرهاب".!
تلك التصريحات وغيرها تنم عن فاشية النظام الذي يريد من الشعب أن يعيش في أوهام بعيدا عن الواقع وأن يصدق أكاذيب الآلة الحكومية والإعلامية للنظام بعيدا عن معاناته وأوجاعه التي باتت تحاصره كل يوم بالغلاء الفاحش والإتاوات الباهظة، وسط ترهيب الشعب بعصا الأمن الغليظة.