مرة أخرى، لجأ المنقلب السفيه السيسي إلى سلاح "التعيين المؤقت" في المناصب الحساسة، حيث أصدر قراراً بتجديد تكليف حسن عبد الله قائماً بأعمال محافظ البنك المركزي لمدة عام واحد، للمرة الرابعة على التوالي منذ 2022، في خطوة تعكس إصراره على إدارة الدولة عبر "التكليفات السنوية"، لا عبر التعيينات المستقرة التي يفرضها الدستور.
هذه السياسة لا تقتصر على البنك المركزي، بل تمتد لتشمل رؤساء الجامعات والعمداء ورؤساء الأجهزة الرقابية والهيئات الاقتصادية. كل هؤلاء يوضعون تحت رحمة قرار رئاسي بالتجديد أو الإعفاء في أي لحظة، ما يحول المناصب إلى ما يشبه "المقاعد على سن السكين"، حيث لا يضمن المدني بقاءه يوماً واحداً بعد انتهاء العام.
في المقابل، يمدد السيسي للعسكريين فوق السن القانونية بلا حدود، حتى وصل عدد لواءات الجيش – وفق تقديرات – إلى نحو 30 ألف لواء، في مشهد أقرب إلى "هرم مقلوب" يتعارض مع أبسط القواعد العسكرية المتعارف عليها في أي دولة تحترم القانون. فالقاعدة أن الرتب العليا تقل أعدادها تدريجياً، بينما في مصر تتحول رتبة اللواء إلى أمر شبه جماعي، في ظل تمسك النظام بمكافأة العسكريين وضمان ولائهم حتى آخر نفس.
خوف من المدنيين أم عدم ثقة؟
خبراء الإدارة يرون أن التعيين المؤقت يخلق بيئة إدارية مضطربة، حيث ينشغل المسؤول بتحقيق إنجازات قصيرة المدى لتأمين تجديد ولايته، ويتجنب الخطط الاستراتيجية طويلة الأمد. لكن خلف ذلك، يبرز سؤال سياسي أعمق: لماذا يصر السيسي على إبقاء المدنيين في حالة خوف دائم على مقاعدهم؟
الجواب الأرجح أن النظام لا يثق بولاء أي مدني، حتى لو كان موالياً، لذلك يكتب أسماءهم "بالقلم الرصاص"، قابلة للمحو في أي لحظة. أما العسكري، فحتى لو تجاوز السن القانوني، تُمدد له الخدمة، ويُمنح المناصب الحساسة بلا قلق، باعتباره جزءاً من المؤسسة التي يرتكز عليها النظام.
التفاف على الدستور
المادة 216 من الدستور المصري واضحة: رؤساء الأجهزة الرقابية والهيئات المستقلة يعينون لمدة 4 سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، ولا يُعفى أحدهم إلا في حالات محددة بالقانون. لكن السيسي حول النص إلى مجرد حبر على ورق عبر سياسة "التكليف السنوي"، ليجعل كل مسؤول تحت مقصلة عدم التجديد، أي أنه يُعزل عملياً من دون المرور بالقواعد القانونية.
أحد أعضاء لجنة الشؤون الاقتصادية بالبرلمان – فضّل عدم ذكر اسمه – أكد أن هذه السياسة تسلب الهيئات استقلالها الدستوري، وتجعل رؤساءها مجرد موظفين تحت رحمة الرئاسة. فالخوف من عدم التجديد يكفي لضمان خضوعهم الكامل، وحرمانهم من الحصانة الوظيفية التي يفترض أن تحميهم من تدخل السلطة التنفيذية.
النتيجة: مؤسسات مشلولة وكفاءات مهاجرة
التمديد المؤقت لا يخلق فقط حالة من القلق لدى المسؤولين، بل يحرم المؤسسات من استقرار إداري تحتاجه لوضع خطط طويلة الأمد، ويدفع الكفاءات إلى الهجرة أو العزوف عن المناصب العامة. وفي المقابل، يزداد نفوذ "المستشارين العسكريين" المنتدبين لقيادة الوزارات والهيئات، برواتب مضاعفة، وولاء مضمون.
هكذا تتحول الدولة إلى شبكة من المناصب "الهشة" للمدنيين، مقابل مناصب "مؤبدة" للعسكريين. إنها سياسة مقصودة لإبقاء الجميع تحت السيطرة: مدنيون خائفون لا يملكون إلا الطاعة، وعسكريون ممدد لهم مدى الحياة، يشكلون الدعامة الحقيقية لنظام السيسي.