في توقيت بالغ الحساسية، تتزامن تحركات نادي قضاة مصر مع مساعٍ رسمية حثيثة لإعادة إخراج مشهد انتخابي مأزوم، بعد صدور أحكام قضائية بوقف بعض الانتخابات وإعادة الإعادة في عدد من الدوائر، في خطوة تثير تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت هذه التحركات تأتي دفاعًا عن استقلال المؤسسة القضائية، أم أنها – عن قصد أو دون قصد – تصب في إطار محاولة السلطة إظهار وجود «عملية ديمقراطية» شكلية تفتقد جوهرها.
مجلس إدارة نادي القضاة أعلن، في بيان أعقب اجتماعًا طارئًا، مناقشة التداعيات القانونية والمؤسسية للحكم القضائي الصادر بوقف انتخابات النادي، مؤكدًا التزامه «احترام الأحكام القضائية وصون تقاليد السلطة القضائية». بيان بدا في ظاهره قانونيًا منضبطًا، لكنه في عمقه يعكس حجم المأزق الذي وُضعت فيه المؤسسة القضائية وسط مشهد سياسي مختل.
الحكم بوقف انتخابات النادي، وما تبعه من دعوات لإعادة فتح باب الترشح وإعادة تشكيل اللجنة المشرفة، يعيد إلى الواجهة سؤالًا أكبر: لماذا لم يُطرح منذ البداية شرط الإشراف القضائي الكامل والفعلي على مجمل الاستحقاقات الانتخابية في البلاد، إذا كانت السلطة جادة في فتح أي هامش ديمقراطي حقيقي؟ ولماذا يُترك هذا المطلب الجوهري خارج النقاش، بينما يُكتفى بإجراءات جزئية لا تمس جوهر الأزمة؟
اللافت أن بيان النادي أشار إلى تلقي مجلس الإدارة مطالبات من قضاة بإعادة إجراءات الترشح، «تحصينًا للعملية الانتخابية من أي شبهة بطلان مستقبلية»، وهو ما يكشف حجم القلق داخل الصف القضائي نفسه من أن تتحول الانتخابات – سواء داخل النادي أو خارجه – إلى ساحة طعون لا تنتهي، بسبب تدخلات إدارية وسياسية معروفة.
وفي خطوة تحمل دلالات مزدوجة، دعا مجلس إدارة النادي المرشحين إلى اجتماع لبحث «التنازل عن الترشح» في الانتخابات الموقوفة، باعتباره مدخلًا لإعادة إطلاق العملية الانتخابية من الصفر. ورغم تقديم هذه الخطوة باعتبارها حلًا توافقيًا يغلّب المصلحة العامة، إلا أنها تطرح تساؤلات حول ما إذا كان هذا المسار يُستخدم كنموذج مُصغّر لتدوير الأزمات، بدلًا من مواجهتها جذريًا.
الأكثر إثارة للانتباه هو إعلان رئيس وأعضاء مجلس الإدارة استعدادهم للتنازل عن ترشحهم «في طليعة المتنازلين» حال التوافق، وهي رسالة تُقرأ داخل الوسط القضائي باعتبارها محاولة لامتصاص الغضب والحفاظ على تماسك المؤسسة، لكنها في الوقت نفسه تعكس إدراكًا داخليًا بحساسية المرحلة وخطورة الزج بنادي القضاة في صراعات سياسية أوسع.
في السياق الأوسع، لا يمكن فصل هذه التحركات عن المشهد البرلماني المرتقب. فبرلمان بلا إشراف قضائي كامل، وبلا ضمانات حقيقية للنزاهة، لا يُنظر إليه كسلطة تشريعية مستقلة، بل كأداة وظيفية يُراد لها تمرير تعديلات دستورية مستقبلية، على رأسها فتح مدد الرئاسة لما بعد عام 2030، في مسعى لضمان بقاء رأس السلطة أطول فترة ممكنة، بغض النظر عن اعتبارات العمر أو التداول السلمي للسلطة.
هنا، يصبح السؤال الجوهري: هل يُراد من تحركات نادي القضاة حماية استقلال القضاء بالفعل، أم أنها تُستثمر – ولو ضمنيًا – في إعادة تلميع مشهد انتخابي فاقد للشرعية السياسية، عبر الإيحاء بوجود مؤسسات فاعلة وانتخابات تُدار بالقانون؟
اجتماع القضاة المرتقب قد يُسفر عن توافق قانوني يعيد الاستقرار النسبي للنادي، لكنه لن يبدد الشكوك الأوسع ما لم يُحسم الموقف من جوهر الأزمة: غياب الإرادة السياسية لاحترام الإشراف القضائي الكامل، وتحويل الانتخابات إلى إجراء شكلي يُستخدم لتجديد الشرعية لا لاكتسابها.
الدلالة الأهم أن استقلال القضاء لا يُقاس ببيانات منضبطة أو إجراءات إدارية، بل بقدرته على الوقوف خارج هندسة المشهد السياسي، ورفض أن يكون شاهد زور على انتخابات يُراد لها أن تكون ضمانة لعمر السلطة، لا تعبيرًا عن إرادة الشعب.