تسلّمت حكومة الانقلاب الثلاثاء الماضى ، 3.5 مليارات دولار من قطر كدفعة نقدية أولى ضمن صفقة تطوير منطقة «سملا وعلم الروم» بالساحل الشمالي الغربي، في إطار شراكة بين وزارة الإسكان وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة وشركة «الديار» القطرية. الصفقة، التي وُقِّعت في نوفمبر الماضي، تُقدَّم رسميًا بوصفها خطوة لتعميق الشراكة الاقتصادية بين القاهرة والدوحة، لكنها تفتح في الواقع بابًا واسعًا للتساؤل حول مصير هذه الأموال وجدواها الاقتصادية والاجتماعية.
وبحسب بيان مجلس الوزراء، تمثل الدفعة الحالية «الثمن النقدي» للاتفاق، على أن يتبعها «مقابل عيني» في صورة وحدات سكنية يُقدَّر عائد بيعها بنحو 1.8 مليار دولار، إضافة إلى حصة نسبتها 15% من صافي أرباح المشروع بعد استرداد التكاليف. ورغم الأرقام اللافتة، يرى معارضون أن ما يجري ليس استثمارًا بالمعنى التنموي، بقدر ما هو بيع لأفضل أصول الدولة الساحلية لتوفير سيولة عاجلة تُستخدم لسد فجوات مالية متراكمة.
أموال عاجلة.. وأسئلة مؤجلة
يأتي المشروع في توقيت بالغ الحساسية، إذ يرزح الاقتصاد المصري تحت عبء دين خارجي تجاوز 161 مليار دولار، مع تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وارتفاع كلفة خدمة الدين. وفي هذا السياق، يطرح منتقدو السياسات الاقتصادية سؤالًا مباشرًا: هل تُوجَّه هذه المليارات لسداد ديون صنعتها قرارات توسعية فاشلة، أم تُبدَّد في مشروعات عقارية وترفيهية لا تعالج جذور الأزمة، بينما يتحمّل المواطن الكلفة عبر الضرائب والرسوم والإتاوات؟
المشروع، الذي يمتد على نحو 4900 فدان، يركز بنسبة كبيرة على الإسكان الراقي والخدمات السياحية—بحيرات صناعية، ملاعب جولف، مارينا دولية—من دون أي مكوّن صناعي أو إنتاجي. وهو نمط، بحسب اقتصاديين معارضين، يعمّق «اقتصاد الريع العقاري» ولا يضيف قيمة مستدامة أو فرص عمل واسعة، في مقابل التخلي عن شريط ساحلي استراتيجي لصالح استثمارات نخبوية.
الأهالي يدفعون الثمن
الجدل لم يقتصر على الاقتصاد الكلي. فعلى الأرض، تراجعت الحكومة عن تعويضات مقررة لأهالي «سملا وعلم الروم»، وخُفِّضت قيمة التعويض للمتر المبني إلى النصف، مع توفير أراضٍ بديلة من دون تعويضات زراعية كافية للمزارعين. واندلعت احتجاجات على خلفية بدء الإزالات قبل تسوية عادلة، في مشهد يعيد إلى الواجهة تساؤلات حول احترام المادة 35 من الدستور التي تكفل الملكية الخاصة وتعويضها تعويضًا عادلًا ومسبقًا.
من رأس الحكمة إلى علم الروم
تتكرر المقاربة ذاتها التي شهدتها صفقة «رأس الحكمة» مع الإمارات: بيع مواقع ساحلية فريدة مقابل تدفقات نقدية سريعة. وبينما تروّج الحكومة لهذه الصفقات باعتبارها إنقاذًا للاقتصاد، يرى معارضون أنها «ترحيل للأزمة» لا حلًّا لها، وأنها تنقل عبء الأخطاء إلى المواطنين، فيما يظل مصير العوائد غامضًا بلا شفافية أو رقابة برلمانية مستقلة.
في المحصلة، لا يعارض منتقدو السلطة مبدأ الاستثمار أو الشراكات الدولية، بقدر ما يطالبون بإجابات واضحة: أين تذهب المليارات؟ وكيف تُدار؟ وهل تُستخدم لإصلاح اختلالات حقيقية أم لإدامة نموذج اقتصادي أثبت فشله؟ أسئلة تبقى معلّقة، فيما تُباع السواحل واحدة تلو الأخرى.