د.أشرف دوابة يكتب / بعثة صندوق النقد الدولي لمصر.. وماذا بعد؟!

- ‎فيمقالات

 

شهدت الأيام القليلة الماضية زيارة بعثة صندوق النقد الدولي إلى القاهرة في الفترة من 1 إلى 11 كانون الأول/ ديسمبر 2025، في لحظة فارقة، إذ تزامنت مع الإعلان عن التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن المراجعتين الخامسة والسادسة من برنامج التمويل الممدد، بما يمهّد لصرف شرائح تمويل إضافية تُقدَّر بنحو 2.5مليار دولار.

 

وقد قُدم لهذه الزيارة رسميا باعتبارها تأكيدا على نجاح مسار الإصلاح واستعادة الاستقرار الاقتصادي، ورسالة طمأنة للأسواق الدولية، غير أن هذه الطمأنة، حين تُقرأ من زاوية المجتمع لا من زاوية المؤشرات، تثير سؤالا أكثر إلحاحا: من الذي يدفع كلفة هذا الاستقرار المذكور، ومن الذي يجني ثماره؟

 

إن بيانات صندوق النقد تشير إلى تسجيل الاقتصاد المصري معدل نمو حقيقيا قُدِّر بنحو 4.4 في المئة خلال العام المالي 2024-2025، كما تراجع معدل التضخم من ذروته التي تجاوزت 30 في المئة في عام 2023إلى نحو 12 في المئة بنهاية 2025. وتُستخدم هذه الأرقام باعتبارها الدليل الأساسي على نجاح برنامج الصندوق، غير أنها في الوقت نفسه تخفي فجوة عميقة بين تحسّن المؤشرات الكلية وتدهور الواقع المعيشي، فالأرقام نفسها تتعايش مع حقيقة أن الفقر لم يتراجع،

 

    الفقر المركب يتوسع في ظل نمو اقتصادي إيجابي، وهو ما يكشف أن النمو الجاري ليس نموا شاملا، بل نموا انتقائيا يتركز في قطاعات لا تمس حياة الغالبية العظمى من الشعب المصري

 

بل أعاد إنتاج نفسه بصورة أكثر تركيبا، إذ تشير تقارير الفقر متعدد الأبعاد إلى أن نحو 21 في المئة من المصريين يعانون حرمانا متزامنا في مجالات أساسية، مثل التعليم، والصحة، والسكن، والخدمات، وهذا يعني أن أكثر من خُمس المجتمع يعيش أزمة معيشية مركبة في الوقت الذي يُحتفى فيه بأرقام النمو والاستقرار الصورية.

 

بل إن من المفارقات العجيبة أن هذا الفقر المركب يتوسع في ظل نمو اقتصادي إيجابي، وهو ما يكشف أن النمو الجاري ليس نموا شاملا، بل نموا انتقائيا يتركز في قطاعات لا تمس حياة الغالبية العظمى من الشعب المصري. فلا يوجد تناسب بين الزيادة في الدخول والزيادة في الأسعار المتراكمة والمستمرة، وهيكل الإنفاق الأسري بات أكثر اختناقا، حيث تستحوذ السلع الأساسية والسكن والطاقة على النصيب الأكبر من دخل الأسر، وهكذا، يصبح انخفاض التضخم بعد قفزات سعرية حادة أشبه بتخفيف مؤقت للضغط، لا استعادة حقيقية للقدرة الشرائية.

 

إن جوهر برنامج صندوق النقد، كما عكسته زيارة البعثة الأخيرة، يقوم على ضبط الاقتصاد الكلي عبر تحرير الأسعار، وتقليص الدعم، وتشديد الانضباط المالي، مقابل وعود مستقبلية بنمو تقوده قوى السوق. غير أن هذه السياسات، بالأرقام والوقائع، نقلت عبء الإصلاح مباشرة إلى المستهلك النهائي، في حين ظلت اختلالات الاقتصاد الهيكلية والبنية الإنتاجية دون معالجة جذرية. فالاستقرار المالي الشكلي تحقق صوريا، لكن على حساب استقرار الأسرة، وتحسّنت البيانات الدفترية للدولة بينما تآكل هامش الأمان المعيشي للفقراء والطبقة المتوسطة.

 

وهذا التناقض يزداد وضوحا عند النظر للمطالب التي شددت عليها بعثة الصندوق، وعلى رأسها تسريع برنامج الخصخصة وتقليص الدور الاقتصادي للدولة، فالصندوق ينظر إلى الخصخصة بوصفها أداة لرفع الكفاءة وتحفيز النمو، وهذا أمر جيد، غير أن تطبيقها في اقتصاد يعاني ضعف المنافسة في ظل العسكرة، لن يحقق المرجو منها إلا بهجرة عسكرة الاقتصاد، وهو أمر مشكوك في تحقيقه.

 

    الصورة تكشف خللا أعمق من مجرد سوء إدارة اقتصادية، فالعدالة الاجتماعية ليست نتيجة لاحقة للنمو، بل شرط سابق له، والسوق لا تُترك لمنطق القوة المجردة، بل تُضبط بما يمنع الاحتكار ويصون حق الضعفاء

 

 

وفي هذا السياق، لا تعني الخصخصة توسيع قاعدة الإنتاج، بل تعني تقليصها، ولا تعني خلق فرص عمل، بل فقدانها. فالنتيجة العملية تكون إغلاق شركات محلية، وتراجع التشغيل، وازدياد الاعتماد على الواردات، وهو ما ينعكس مباشرة على الفقر، ليس بوصفه ظاهرة اجتماعية فقط، بل كنتيجة اقتصادية حتمية لاقتصاد منزوع التوازن، وهكذا، تتحول الخصخصة من أداة لتحرير السوق إلى آلية لإقصاء الضعفاء، ومن وعد بالنمو إلى مسار يعمّق التفاوت.

 

وقد حاولت الحكومة احتواء آثار برنامج الصندوق عبر برامج الحماية الاجتماعية مثل "تكافل وكرامة"، التي توسعت قاعدة المستفيدين منها، غير أن تقييم هذه البرامج مقارنة بحجم التضخم وكلفة المعيشة يُظهر أنها لا تُخرج الأسر من دائرة الفقر، بل تُبقيها بالكاد داخل حدود البقاء، فالدعم النقدي هنا يؤدي وظيفة تهدئة اجتماعية، لا تمكين اقتصادي، في ظل غياب توسع حقيقي في فرص العمل المنتجة واستمرار هشاشة سوق العمل.

 

وهذه الصورة تكشف خللا أعمق من مجرد سوء إدارة اقتصادية، فالعدالة الاجتماعية ليست نتيجة لاحقة للنمو، بل شرط سابق له، والسوق لا تُترك لمنطق القوة المجردة، بل تُضبط بما يمنع الاحتكار ويصون حق الضعفاء في الكفاية والعيش الكريم.

 

إن زيارة بعثة صندوق النقد، بكل ما حملته من رسائل طمأنة خارجية، أعادت طرح السؤال الجوهري: هل يُقاس نجاح الإصلاح بقدرة الحكومة على خفض التضخم والحصول على التمويل، أم بقدرتها على تقليص الفقر المركب الذي يطال أكثر من خمس المجتمع؟ الأرقام المتاحة اليوم تقول بوضوح إن البرنامج نجح في تحسين الصورة الشكلية الصورية للاقتصاد، لكنه أخفق حتى الآن في تحسين حياة الفقراء، وإذا استمر هذا المسار، فإن الاستقرار سيبقى استقرارا على الورق، بينما يظل الفقر هو الحقيقة الأكثر رسوخا على الأرض.