إسكات الأصوات الناقدة .. من إبعاد سعيد زياد والدويري عن (الجزيرة) إلى اعتقال الاحتلال للصحفي ساري عرابي

- ‎فيحريات

 

أصدرت سلطاتُ الاحتلال الإسرائيلي قرارًا صباح الاثنين 5 يناير يقضي بتحويل الكاتب والمحلل السياسي المقدسي ساري عرابي إلى الاعتقال الإداري لمدة 6 أشهر، في خطوة جديدة تعكس سياسة تكميم الأفواه واستهداف الأصوات الفكرية والإعلامية الفلسطينية.

وقال زميله الصحفي محمود هدهود عبر (Mahmoud Hadhoud): "لا تزال قوات الاحتلال الإسرائيلية تعتقل الأسير المحرر والكاتب الفلسطيني ساري عرابي منذ أيام، ليس من السهل علي أن أصف علاقتي بساري، فساري هو أقرب خلق الله إلى قلبي، أفزع إليه عند الجزع، وأطمئن بالحديث إليه، ويضيء قلبي وعقلي بتناول الحديث معه".

وأضاف، عُرف بدماثة خلقه وسعة عقله، فأنت تجد نفسك أمام حجة في فقه الشافعي، ثم في لحظة أمام شخص ملتزم بالتحليل المادي الصارم للتاريخ دون أي إسقاطات مثالية".

وتابع: "يمكنه أن يبهرك بتحري دقيق لتاريخ الفرق الكلامية الإسلامية من أول الماتريدية إلى الزيدية، لكن باستطاعته أن يبهرك بتأملاته في سلسلة أفلام جون ويك (آخر ما دار بيني وبينه قبل أسره هو نقاش حول السينما)، لدى ساري قلب متقد وعقل بارد، يمكنه أن يحلل تفاعلات الصراع الجيوسياسي في بحر الصين الجنوبي ببرود شديد مهما كان سخطه في المقابل على السياسات الأمريكية".

وأشار إلى أن "ساري هو الشخص الذي كنت أستطيع أن أتحدث إليه في الطيف الكامل من اهتماماتي من أول الفلسفة الوجودية إلى الصراع السياسي في المنطقة، وفي كل مرة يبهرني ويضيء عقلي. تتحمل سلطات الاحتلال الإسرائيلي المسئولية الكاملة عن سلامة ساري، وعليها أن تخفف سجل جرائمها بالإفراج الفوري عنه.".

واعتقل الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني ساري عرابي اعتُقل مجددًا من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي بعد اقتحام منزله في قرية رافات شمال القدس، وتم تحويله إلى الاعتقال الإداري لمدة ستة أشهر، ما أثار موجة واسعة من ردود الفعل الغاضبة والمنددة باعتقاله التعسفي.

وساري عرابي (مواليد 1980، رام الله) كاتب وباحث في الفكر الإسلامي والسياسة، ينشر مقالات في مواقع مثل (بوابة الحرية والعدالة) و(الجزيرة نت) و(عربي21)، ويشارك كمحلل سياسي عبر قنوات إعلامية مختلفة.

وتعرض للاعتقال عدة مرات منذ التسعينيات، سواء في سجون الاحتلال أو لدى السلطة الفلسطينية، بسبب آرائه السياسية ونشاطه الإعلامي كما يُعتبر من أبرز الأصوات الفكرية في الضفة الغربية، حيث يكتب في قضايا الهوية، الإسلام السياسي، والقضية الفلسطينية.

وفي 25 ديسمبر 2025، اقتحمت قوات الاحتلال منزل عرابي في بلدة رافات شمال القدس، واعتقلته ضمن حملة واسعة شملت نحو 30 فلسطينيًا من الضفة والقدس.

 

بعد أيام، أعلن مكتب إعلام الأسرى أن الاحتلال حوّله إلى الاعتقال الإداري لمدة ستة أشهر دون محاكمة أو توجيه تهم رسمية.

وجاء الاعتقال في سياق تصاعد الانتهاكات ضد الفلسطينيين، حيث شهدت الفترة الأخيرة حملات اقتحام واعتقالات جماعية، إضافة إلى ظروف مأساوية في السجون أدت إلى استشهاد عشرات الأسرى.

 

ردود الفعل

ووصف مكتب إعلام الأسرى الفلسطيني الاعتقال بأنه جزء من سياسة ممنهجة لإسكات الأصوات الفكرية والسياسية في الضفة الغربية.

وابرزت وسائل إعلام مثل (الجزيرة) و(عربي21) أبرزت أن عرابي ليس مجرد ناشط سياسي، بل كاتب ومفكر، ما يجعل اعتقاله محاولة لتكميم الفكر النقدي الفلسطيني.

واعتبر ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي أن استهدافه يعكس خوف الاحتلال من الكلمة الحرة، وأن تحويله للاعتقال الإداري يوضح غياب أي أساس قانوني لاحتجازه.

ومن جانبها، أكدت عائلته أن الاقتحام تم بطريقة عنيفة، حيث داهمت القوات المنزل فجرًا وعبثت بمحتوياته، وهو ما أثار استياء واسعًا بين المتابعين.

ووفق تقرير نقابة الصحفيين الفلسطينيين، اعتقل الاحتلال 42 صحافيًا فلسطينيًا خلال عام 2025، بينهم أسماء بارزة في التحليل السياسي والإعلامي.

 

هذا يعكس سياسة ممنهجة لإسكات الأصوات المؤثرة، سواء كانت سياسية أو إعلامية، عبر الاعتقال الإداري أو التعسفي.

إسكات الأصوات الناقدة

ويستهدف الاحتلال بحسب مراقبين الصحفيين والكتاب الذين يشكلون تأثيرًا على الرأي العام الفلسطيني والعربي ويتم احتجازهم دون محاكمة أو تهم واضحة، تحت بند (الاعتقال الاداري) الذي يوازي في مصر (الحبس الاحتياطي) وهو ما يُعتبر انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي.

كما أن الاحتلال لا يكتفي باستهداف النشطاء الميدانيين، بل يركز أيضًا على المحللين السياسيين والمفكرين والصحافيين البارزين، باعتبارهم يشكلون تهديدًا على روايته الإعلامية والسياسية، أسماء مثل ساري عرابي، وأحمد سعدات، وغيرهما، تمثل شواهد واضحة على سياسة ممنهجة لإسكات الكلمة الحرة وتغييب العقول الفلسطينية المؤثرة.

ومن ضمن إسكات الأصوات الناقدة، تساءل البعض عن غياب بعض المحللين السياسيين البارزين مثل فايز الدويري وسعيد زياد عن شاشة الجزيرة مما أثار جدلًا واسعًا، حيث ربطه البعض بضغوط سياسية وإعلامية، بينما أوضح الدويري أن السبب كان صحيًا وليس نتيجة ضغوط مباشرة، في حين أن النقاش حول إبعاد محللين بارزين يعكس حساسية تغطية الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.

وكان اللواء الأردني المتقاعد فايز الدويري يظهر بشكل يومي عبر الجزيرة لتحليل مجريات العدوان الإسرائيلي على غزة منذ 7 أكتوبر 2023، واثار غيابه المفاجئ والمتقطع تكهنات، حيث تداولت حسابات أن ضغوطًا أمريكية مورست على قطر لمنعه من الظهور بسبب إشادته ببطولات المقاومة الفلسطينية.

ورغم نفي الدويري نفسه ذلك، موضحًا أن غيابه كان بسبب عارض صحي، إلا أنه بقيت التكهنات قائمة، خاصة أن تحليلاته كانت تحظى بتفاعل واسع حتى من داخل كتائب القسام، حيث استخدم مقاتلون عبارته الشهيرة "حلل يا دويري" بعد تنفيذ عمليات.

ومن جانب آخر بقيت بعض النقاشات على منصات التواصل تشير إلى أن غياب المحلل الفلسطيني سعيد زياد قد يكون مرتبطًا بسياسات التحرير داخل القناة، خصوصًا مع حساسية المواقف المتعلقة بالمقاومة الفلسطينية والضغوط الدولية.

 

لكن لا توجد تصريحات رسمية من الجزيرة أو من زياد نفسه توضح ملابسات الأمر، ما يجعل الموضوع في إطار التكهنات أكثر من الحقائق الموثقة.

 

ورأى مراقبون أن غياب محللين بارزين عن قناة الجزيرة يُقرأ أحيانًا كاستجابة لضغوط دولية، خاصة من الولايات المتحدة أو أطراف إقليمية، بسبب تغطية القناة المكثفة للحرب على غزة.

وأحيانا تتعرض الجزيرة وقنوات في حجمها أو أقل قليلا إلى تحديات في الموازنة بين خطابها التحريري والضغوط السياسية، ما قد يؤدي إلى تقليص ظهور بعض الأصوات الناقدة أو المؤيدة للمقاومة.

وخلص مراقبون إلى أن اعتقال ساري عرابي ليس حدثًا فرديًا، بل جزء من سياق أوسع من استهداف المثقفين والكتاب الفلسطينيين، وتحويله للاعتقال الإداري أثار موجة من التنديد، وأعاد النقاش حول استخدام الاحتلال لهذه السياسة كأداة لإسكات الأصوات الفكرية والسياسية واستهداف للعقول الفلسطينية.