تعد الطفرة غير المسبوقة في معدلات الولادة القيصرية في مصر مجرد اختيارات شخصية لنساء يبحثن عن ولادة أقل ألماً، بل باتت ظاهرة ممنهجة تعكس أزمة صحية عميقة، تتقاطع فيها المصالح التجارية للقطاع الخاص مع سياسات رسمية غير معلنة لتقليل معدلات الإنجاب، على حساب سلامة الأمهات والمواليد.
التباين الصادم بين معدلات الولادة القيصرية في مصر والمعايير الدولية يشي بأن ما يجري يتجاوز الإطار الطبي، ليدخل في نطاق هندسة اجتماعية خشنة تُدار عبر غرف العمليات، حيث تُقدَّم الجراحة باعتبارها “الخيار الأسهل”، بينما تُخفى مخاطرها الحقيقية، خصوصاً داخل مراكز صحية خاصة تفتقر للتجهيز والرقابة.
قصص من غرف العمليات… الألم مؤجَّل لا مُلغى
نهال، أم لثلاثة أطفال، اختارت الولادة القيصرية في كل مرة، استجابة لنصيحة طبية مفادها تفادي آلام المخاض. وعلى النقيض، أصرت خلود على الولادة الطبيعية، مدفوعة بقناعة أن الألم مؤقت، بينما تترك القيصرية جروحاً جسدية ونفسية طويلة الأمد.
لكن بعض القصص لا تنتهي بالمغادرة من المستشفى، كما حدث مع شهد، التي خضعت لعملية قيصرية قبل أن تتعرض لنزيف حاد بعد أسبوع واحد فقط. الإهمال الطبي، وتأخر التشخيص، وغياب المتابعة، قادها إلى غرفة العمليات مجدداً، حيث خُيّرت أسرتها بين استئصال الرحم أو الموت.
نجت شهد بحياتها، لكنها فقدت قدرتها على الإنجاب، ودخلت في دوامة فشل كلوي، وإقامة طويلة في العناية المركزة، ثم غسيل كلى مستمر. وعندما لجأت أسرتها إلى نقابة الأطباء، جاء الرد الصادم: “خطأ طبي وارد بنسبة 1%”. لم تجد العائلة سبيلاً سوى اللجوء للقضاء، في معركة لا تزال مفتوحة.
أرقام تكشف حجم الكارثة
وفقاً لبيانات المسح الصحي للأسرة المصرية لعام 2021، بلغت نسبة الولادات القيصرية 72% من إجمالي الولادات، وهو رقم يضع مصر في المرتبة الأولى عالمياً، متجاوزاً بأضعاف توصيات منظمة الصحة العالمية التي تحدد النسبة الآمنة بين 10 و15%.
وارتفعت النسبة من 10% عام 2000 إلى 72% خلال عقدين فقط، مع تركز الظاهرة في المناطق الحضرية (77.4%) مقارنة بالريف (59.6%)، ما يعكس الدور المحوري للقطاع الخاص، الذي يستحوذ على أكثر من 70% من إجمالي الولادات.
تقليل المواليد عبر الجراحة؟
في بلد تعلن فيه الدولة صراحة سعيها لخفض معدلات الإنجاب، تبدو الولادة القيصرية أداة مثالية:
عملية سريعة، مربحة، وتؤدي في كثير من الحالات إلى مضاعفات تمنع الحمل لاحقاً، مثل الالتصاقات أو استئصال الرحم، دون إعلان رسمي عن ذلك.
وتقدّر وزارة الصحة كلفة الولادات القيصرية بنحو 120 مليار جنيه سنوياً، ما دفعها لإقرار إجراءات تنظيمية، تشمل إلزام المنشآت الخاصة بتقارير شهرية، وتطبيق نظام “روبسون” لتصنيف الحالات، واستخدام “البارتوجرام” لمتابعة المخاض. غير أن هذه الإجراءات تصطدم بواقع ضعف الرقابة وتغوّل المصالح التجارية.
الطبيب… من مقدم خدمة إلى صانع قرار
تؤكد وزارة الصحة أن 75% من أسباب ارتفاع القيصريات يعود إلى نصيحة مقدم الخدمة، ما يحوّل الإجراء الطبي إلى صفقة تجارية. وتوضح استشارية النساء والتوليد وفاء محمد أن نظام “الطبيب الواحد” جعل الحوامل يخترن موعد الولادة وفق جدول الطبيب، لا وفق جاهزية الجسد.
ويكشف استشاري التوليد محمد رأفت عن سباق داخل بعض المستشفيات الحكومية لتسجيل أكبر عدد من العمليات القيصرية، أحياناً من دون وجود أخصائي، فقط لتسهيل نوبات العمل، في ظل غياب نظام صحي متكامل.
مراكز غير مجهزة… وأرواح بلا حماية
الخطر الأكبر لا يكمن في الجراحة ذاتها، بل في إجرائها داخل مراكز تفتقر لغرف عمليات مكتملة، أو وحدات عناية مركزة، أو فرق طبية مدربة. في هذه الأماكن، تتحول الولادة القيصرية من إجراء منقذ للحياة إلى مغامرة قد تنتهي بوفاة الأم أو الطفل، أو فقدان الرحم للأبد.
حقوق غائبة وحلول منقوصة
بينما ترفع الدولة شعار حماية صحة المرأة، ترى منظمات حقوقية أن القرارات الأخيرة تتجاهل جذور الأزمة، وتغض الطرف عن وصاية المجتمع على جسد المرأة، وغياب خيارات آمنة وحقيقية، مثل تسكين الألم، والقابلات المدربات، ووحدات الولادة الطبيعية المجهزة.
وتحذر من أن خفض الأرقام بلا إصلاح شامل قد يدفع الأطباء للتحايل، أو يجبر النساء على ولادات طبيعية قسرية في بيئات غير إنسانية، ما يفتح الباب لكوارث جديدة.