في ظل تزايد معدلات الفقر في المجتمع المصري بدأت تظهر بعض السلوكيات السلبية التي تهدد بتفكك بنية المجتمع الأساسية، ولعل أبرز هذه السلوكيات ظاهرة الطلاق من أجل الحصول على معاش الوالد أو ما أطلق عليه الخبراء مسمى«طلاق المعاش»، ووفق بيانات البنك الدولى فإن هناك اكثر من 70 مليون مواطن مصري أي 65% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، ومع تجاهل حكومة الانقلاب لمعاناة هذه الأسر الفقيرة التى لا تجد قوت يومها بدأت هذه الظاهرة تستفحل مهددة بنشوء مشكلات في النسب فى حالة عدم إثبات الأبناء فى السجلات المدنية فلم يعد الطلاق نتيجة خلافات أسرية أو استحالة استمرار الحياة المشتركة، بل تحوّل فى بعض الحالات إلى إجراء شكلى يُستخدم للوصول إلى معاش الوالد المتوفى.
وأوضح خبراء الاجتماع أن هذه الظاهرة «طلاق المعاش» تقوم على سيناريو بالغ الدقة فالطلاق الموثق رسمياً يتيح للزوجة استعادة صفة «غير المتزوجة» قانوناً، يعقبه التقدم للحصول على معاش الأب، ثم عودة غير معلنة للحياة الزوجية عبر عقد عرفى لا تراه الجهات الرسمية، والخطورة لا تكمن فقط فى التحايل على منظومة التأمينات الاجتماعية، بل فى الآثار المركبة التى تخلّفها هذه الظاهرة؛ التى تحول الزواج إلى علاقة بلا ضمانات، وتفتح الباب أمام إهدار حقوق المرأة والأبناء.
المأذون الشرعى
من جانبه، شدد إبراهيم سليم، رئيس صندوق المأذونين، على أن المأذون الشرعى لا يجوز له قانونًيا أو أخلاقياً تحرير أى عقد زواج عرفى غير موثق، مؤكداً أن الزج باسم المأذونين فى مثل هذه الممارسات يُعد إساءة مباشرة للمهنة ورسالتها، التى تقوم فى الأساس على توثيق العلاقات الزوجية، وحفظ الحقوق، وحماية كيان الأسرة، لا التحايل على القانون أو الالتفاف على أحكامه.
وأوضح «سليم» فى تصريحات صحفية أن ما يُعرف بـ«طلاق المعاش» أسهم بشكل ملحوظ فى ارتفاع معدلات الطلاق داخل المجتمع، لافتاً إلى اعتماد الزوجة على معاش والدها – بعد الطلاق الصورى – للإنفاق على منزل الزوجية لا يهدد فقط استقرار الأسرة، بل يُضعف قوامة الرجل ويُخلّ بتوازن العلاقة الزوجية، حيث يتحول الزواج إلى علاقة قائمة على منافع مادية مؤقتة، بدلاً من أن يكون شراكة قائمة على التكافل والرحمة والالتزام المتبادل.
وأشار إلى أن الزواج العرفى لا يضمن للزوجة أى حماية قانونية، ويجعل موقفها هشاً ومهدداً فى أى لحظة، خاصة فى حال الإنكار أو نشوب خلافات زوجية.
زيجات فاشلة
وأكد «سليم» أن هذه الممارسات تؤدى إلى انتشار أنماط من العلاقات الزوجية غير المستقرة، وصفها بأنها «زيجات فاشلة من حيث المضمون»، لا توفر الأمان النفسى أو الاجتماعى، ولا تحفظ حقوق الزوجة أو الأبناء، سواء على مستوى النفقة أو الميراث أو إثبات النسب.
وأوضح أن الزوجة فى هذه الحالة لا تمتلك وثيقة رسمية تحمى حقوقها القانونية، ما يجعل الحياة الزوجية برمتها عرضة للانهيار فى أى وقت، ويضاعف من المشكلات الاجتماعية والقانونية التى تحدث لاحقاً.
وشدد «سليم» على أن مواجهة ظاهرة «طلاق المعاش» تتطلب تشديد الرقابة القانونية، وتكثيف التوعية الدينية والمجتمعية بخطورة التحايل على القانون، محذراً من أن السعى وراء مكاسب مالية مؤقتة قد يكلّف الأسرة والمجتمع ثمناً باهظاً على المدى البعيد، ويفتح الباب أمام تفكك اجتماعى يصعب احتواؤه.
طلاق المعاش
وأكدت أستاذ علم الاجتماع الدكتورة سامية خضر، أن المجتمع المصرى يشهد خلال الآونة الأخيرة بروز أنماط سلوكية جديدة لا تستهدف الاستقرار الأسرى بقدر ما تسعى إلى تحقيق مكاسب مالية، فى مقدمتها ظاهرة «طلاق المعاش»، معتبرة هذه الظاهرة واحدة من أخطر الممارسات الاجتماعية الدخيلة على منظومة القيم الأسرية والدينية.
وأوضحت «سامية خضر»، فى تصريحات صحفية، أن بعض الحالات الزوجية باتت تتعامل مع الزواج والطلاق باعتبارهما وسيلة لتحصيل أموال، وليس رباطاً إنسانياً يقوم على المودة والرحمة، مشيرة إلى أن هذه السلوكيات نتاج مباشر لغياب الوعى المجتمعى، وتراجع القيم الأسرية والدينية والأخلاقية، إلى جانب تدنٍ ملحوظ فى الفكر وطريقة التعامل مع متغيرات الحياة.
وشددت على أن لجوء الزوجة إلى ترك زوجها أو التفريط فى كيان الأسرة من أجل الحصول على معاش الوالد يمثل خللاً خطيراً فى ميزان القيم، مؤكدة أن هذه الخطوة قد تحمل عواقب وخيمة لا تُحسب بدقة، إذ ربما لا تتمكن الزوجة من العودة إلى زوجها مرة أخرى، أو قد يستغل الزوج هذا الطلاق كفرصة للتخلص من العلاقة الزوجية حال وجود خلافات سابقة، ما يؤدى فى النهاية إلى تفكك الأسرة وضياع الأبناء.
تجارة غير مشروعة
وأضافت «سامية خضر»، أن هذه الممارسات لا يمكن النظر إليها باعتبارها «حلولاً مؤقتة» للأزمات الاقتصادية، بل هى فى جوهرها تجارة غير مشروعة، تقوم على تحصيل أموال غير مستحقة، وتندرج ضمن أنماط التحايل التى تضر بالمجتمع ، فضلاً عن آثارها النفسية والاجتماعية العميقة على الزوجة والأبناء.
وأكدت أن العلاقة الزوجية فى أصلها رباط مقدس وميثاق غليظ، لا يجوز العبث به أو تحويله إلى أداة لتحقيق مصالح مادية، محذرة من أن انتشار هذه السلوكيات يؤدى إلى تهديد كيان الأسرة، وهدم أخلاقياتها، وإضعاف مفهوم الالتزام والمسئولية داخل المجتمع.
ولفتت «سامية خضر»، إلى الدور الخطير الذى تلعبه بعض الأعمال الدرامية والسينمائية فى التطبيع غير المباشر مع مثل هذه الممارسات، مشيرة إلى أن تقديم نماذج درامية تُصور التحايل أو تعدد العلاقات الزوجية بشكل ساخر أو جذاب قد يرسخ هذه آلافكار لدى قطاعات من الجمهور، خاصة أن الإنسان بطبيعته كائن مقلد يتأثر بما يشاهده ويتلقاه عبر وسائل الإعلام.
ودعت إلى تكثيف الحملات التوعوية والإعلامية التى تشرح خطورة هذه الظواهر على الأسرة والمجتمع، إلى جانب تعزيز دور المؤسسات الدينية والتعليمية فى تصحيح المفاهيم المغلوطة، وترسيخ قيم الاستقرار الأسرى والمسئولية المشتركة بين الزوجين.
وأكدت «سامية خضر» أن مواجهة «طلاق المعاش» لا تقتصر على الإجراءات القانونية فقط، بل تتطلب مقاربة اجتماعية وثقافية شاملة، تعيد الاعتبار لقيمة الأسرة، وتحمى المجتمع من الانزلاق نحو أنماط سلوكية تهدد تماسكه واستقراره على المدى البعيد.