لم يكن تجاهل جاريد كوشنر للخطة المصرية لإعمار غزة سهوًا، ولا خطأ بروتوكوليًا، بل كان فعلًا سياسيًا مقصودًا، يعكس طبيعة المرحلة ووظيفة الأشخاص الذين جرى اختيارهم لإدارتها، فحين يخرج صهر دونالد ترامب ليعلن أن لديه "الخطة الوحيدة المعتمدة" لإعمار غزة، متجاهلًا رؤية أُقرت عربيًا وإسلاميًا، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بكوشنر وحده، بل بمن قرروا أن يكونوا خارج الحساب من الأساس.
التجاهل هنا ليس إقصاءً لمصر الدولة، بل إهانة متعمدة لنظام اختار طوعًا أن يتخلى عن أوراق قوته، وأن يتحول من لاعب إقليمي إلى مجرد ممر، ومن شريك مفترض إلى تابع لا يُستشار.
لأكثر من سبعة عقود، لم يكن ممكنًا الحديث عن فلسطين أو غزة دون المرور عبر القاهرة، لا سياسيًا، ولا أمنيًا، ولا جغرافيًا.
لكن هذا الثقل التاريخي جرى تفريغه تدريجيًا، ليس بفعل مؤامرة خارجية، بل نتيجة خيار داخلي واضح: الارتهان الكامل للولايات المتحدة، والتماهي الكامل مع الرؤية الإسرائيلية، مقابل ضمان بقاء سلطة فقدت شرعيتها منذ انقلابها.
دعمت واشنطن انقلاب عبد الفتاح السيسي، وغضّت الطرف عن المجازر والسجون، ليس حبًا فيه، بل لأنه أدى الدور المطلوب:
حاصر غزة حين كان الحصار أداة خنق.
أغلق المعبر حين كان الإغلاق وسيلة تركيع.
لعب دور السجّان حين كان الفلسطينيون يُذبحون.
كوشنر لا يبني غزة… بل يبيعها
ما عرضه كوشنر في دافوس لم يكن خطة إعمار، بل كتالوج استثماري، ناطحات سحاب زجاجية، منتجعات بحرية، مدينة سياحية على أنقاض مقبرة جماعية، لا حديث عن سكان، ولا عن عودة نازحين، ولا عن سيادة، ولا عن حق تقرير المصير. غزة في رؤية كوشنر ليست وطنًا، بل قطعة أرض محترقة جاهزة لإعادة التدوير الرأسمالي.
ولهذا كان تجاهل الخطة المصرية ضروريًا، فالرؤية التي طرحتها القاهرة، رغم كل الملاحظات عليها، تتعامل مع غزة باعتبارها أرضًا مأهولة بشعب حي، لا مشروعًا عقاريًا بلا أصحاب، وهي رؤية جرى إقرارها في قمة عربية انعقدت في القاهرة في 4 مارس 2025، ما يمنحها غطاءً سياسيًا لا تريده واشنطن ولا تل أبيب.
لماذا لا يحتاجون السيسي الآن؟
لأن الخائن لا يُستشار.
لأن من قدّم كل أوراقه مجانًا، لا يُعطى مقعدًا على الطاولة.
لأن من حاصر المقاومة قبل الحرب، لا قيمة له بعد أن فشلت الحرب.
كوشنر يعلم، كما يعلم الأميركيون والإسرائيليون، أن إعمار غزة لا يمكن أن يتم عمليًا دون مصر، لوجستيًا وجغرافيًا، لكنهم يعلمون أيضًا أن النظام المصري لن يجرؤ على الاعتراض، ولن يلوّح بورقة سيناء، ولن يستخدم المعبر كورقة سيادية، بل سيكتفي بالبيانات.
التجاهل هنا رسالة: لسنا بحاجة إلى رأي من نفّذ ما طُلب منه دون نقاش.
ما يجري اليوم ليس صراع خطط، بل صراع إرادات. الخطة المصرية جرى تجاهلها لأن النظام الذي يقف خلفها لم يعد يُنظر إليه كصاحب قرار، بل كأداة مستهلكة. وكوشنر، بصفته سمسار السياسة الأميركية، لا يتعامل إلا مع من يملك القدرة على التعطيل أو الفرض، أما من اختار موقع التابع، فمكانه خارج الكادر.
غزة لن تُعمر بناطحات زجاج فوق دماء أهلها، ولن تُدار بعقلية المستثمر العقاري، ولن تُنتزع من محيطها العربي مهما حاولوا.
لكن المؤكد أن من خانها يوم الحصار، لن يكون شريكًا يوم الإعمار.