بعد إهدار “حكومي” لرأيها .. “نقابة الأطباء” تؤكد اعتراضها على تعديلات قانون المستشفيات الجامعية

- ‎فيتقارير

 

بعد أن أهدر المستشار محمود فوزي، وزير الشئون النيابية والقانونية والتواصل السياسي بحكومة السيسي، رأى نقابة الأطباء فى قانون المستشفيات الجامعية واعتبر أن أخذ رأيها غير مُلزم دستوريا، مع دعايته؛ ترحيب “الحكومة” باستطلاع آراء جميع الأطراف المعنية بمشروعات القوانين!

انفجرت مواجهة جديدة بين نقابة الأطباء ومجلس شيوخ السيسي بعد إقرار الأخير مبدئيًا لتعديلات قانون تنظيم العمل بالمستشفيات الجامعية رقم 19 لسنة 2018. الحكومة قدمت هذه التعديلات باعتبارها خطوة نحو “حوكمة المنظومة الصحية”، لكن النقابة رأت فيها تهديدًا مباشرًا لاستقرار أهم مرفق علاجي وتعليمي في مصر، وهو المستشفيات الجامعية التي تستقبل ملايين المرضى سنويًا وتتحمل العبء الأكبر من العمليات المعقدة.

 

وقال الدكتور خالد أمين، الأمين العام المساعد لنقابة الأطباء، إن التعديلات المطروحة على قانون المستشفيات الجامعية لا يمكن اختزالها في كونها مجرد شأن إداري أو تنظيمي، بل هي قضية تمس قلب منظومة التعليم الطبي والتدريب في مصر، وتمس كذلك المستشفيات التي كانت ولا تزال الملاذ الأساسي لعلاج البسطاء، ومصنع الأطباء الذين يحملون على عاتقهم المنظومة الصحية بأكملها. وأكد أن أي تغيير في شكل الإدارة أو التمويل أو آليات العمل داخل هذه المستشفيات يجب أن يُقاس بتأثيره المباشر على الطبيب المتدرّب والطالب والمريض غير القادر، وليس فقط على الورق أو في النصوص القانونية.

 

وأوضح أن القلق مشروع حين يكون هناك تخوف من تغليب منطق الإدارة الاقتصادية على الدور التعليمي والخدمي، أو من تقليص فرص التدريب التي تعاني بالفعل من مشكلات عديدة، أو من تحويل المريض البسيط من صاحب حق إلى عبء. لذلك شدد على أن الحوار المجتمعي ليس رفاهية ولا إجراء شكليا، بل ضرورة حقيقية يجب أن تضم الجامعات والأطباء والطلاب والنقابة وكل الأطراف التي تعيش الواقع اليومي داخل المستشفيات الجامعية.

 

وأشار إلى أن نقابة الأطباء ليست طرفًا معارضًا أو متفرجًا، وإنما شريك أصيل في صياغة السياسات الصحية، بحكم دورها الدستوري وخبرتها المتراكمة ومسئوليتها عن حماية المهنة والطبيب والمريض معًا. ومن أبرز البنود المثيرة للقلق والاعتراض بحسب أمين، تغليب الطابع الاقتصادي على الدور التعليمي، وغياب ضمانات واضحة لحقوق الأطباء المتدربين والطلاب، وعدم وضوح مصير علاج غير القادرين، إضافة إلى مركزية القرار وضعف التمثيل المهني، وغياب الحوار المجتمعي المسبق، فضلًا عن عدم وجود مؤشرات تقييم شفافة لقياس نجاح التعديلات أو تأثيرها على الخدمة والتدريب.

 

واقترح أن يتم النص صراحة على أولوية الدور التعليمي والتدريبي وربط أي نظم اقتصادية بضمان عدم المساس بحقوق التدريب وعلاج غير القادرين، مع إدراج مواد ملزمة تحدد الحد الأدنى للتدريب الإكلينيكي والإشراف الأكاديمي، وضمان استمرار العلاج المجاني أو المدعوم بآليات تمويل واضحة ومستدامة. كما دعا إلى إشراك النقابة وممثلي أعضاء هيئة التدريس والأطباء الشبان في مجالس الإدارة واللجان الاستشارية، وفتح حوار مجتمعي جاد قبل الإقرار النهائي للتعديلات، ووضع مؤشرات أداء معلنة تشمل جودة التدريب ورضا المرضى وعدد الحالات المجانية.

 

وختم خالد أمين بالتأكيد أن الحلول كثيرة، وأنه يمكن استبدال بعض الإجراءات مثل الترخيص بتفتيش دوري يضمن استمرارية وجودة تقديم الخدمة، ويحقق الطمأنينة للمستثمرين إذا انسحبوا من المستشفيات الخاصة. لكنه شدد على أن سياسة الغلق ومنع الخدمة في المستشفيات الحكومية أمر غريب جدًا، حتى لو أرضى بعض الأصوات، لأن هذه المستشفيات هي العمود الفقري للمنظومة الصحية، وأي مساس بها يهدد حق المواطن البسيط في العلاج ويضعف مستقبل التعليم الطبي في مصر.

https://www.facebook.com/khalid.zaree/posts/pfbid02PaV8pBcKc1sy9hHMwYiQg341CPnMW7gvfzqckgUxPMQDapPbJ7HxqdmxhPNG43Nbl

147 مستشفى جامعيا

وتعد المستشفيات الجامعية العمود الفقري للتعليم الطبي والبحث العلمي في البلاد وليست مجرد مؤسسات علاجية، وتشير الأرقام الرسمية إلى أن عددها بلغ 147 مستشفى في عام 2025، مع خطة للوصول إلى 150 قريبًا، وقد استقبلت وحدها نحو 32 مليون مريض خلال العام الماضي، وتولت 76% من جراحات الرعاية المعقدة. هذه الأرقام تكشف أن أي اضطراب في هذه المنظومة لن يكون مجرد أزمة إدارية، بل كارثة إنسانية تمس ملايين المصريين، خاصة الفقراء الذين يعتمدون عليها كملاذ أخير.

ورغم أن الحكومة حاولت تسويق التعديلات باعتبارها تنظّم العلاقة بين المستشفيات الجامعية الحكومية والخاصة والأهلية وربطها رقميًا، فإن نقابة الأطباء رفضت المشروع بصورته الحالية، محذرة من “فوضى تشريعية” تمس حق المريض في العلاج. النقابة دعت إلى ورشة عمل طارئة لصياغة رؤية بديلة، وأكدت أن القانون يفتح الباب لتفكيك المستشفيات الجامعية وإخضاعها لسلاح الترخيص والضغط الإداري والمالي.

 

أبرز الأصوات النقابية التي تصدت لهذه التعديلات كانت للدكتور أسامة عبد الحي، والدكتور حسين خيري، والدكتور إيهاب الطاهر، والدكتور أحمد حسين. هؤلاء اعتبروا أن النصوص الجديدة لا تهدف إلى تحسين الجودة بقدر ما تضع المستشفيات تحت تهديد إداري دائم. أخطر ما في التعديلات هو النص الذي يفرض إعادة ترخيص المستشفيات الجامعية كل خمس سنوات، مع إمكانية وقف الترخيص جزئيًا أو كليًا إذا لم تستوفِ الاشتراطات. الحكومة تقول إن هذا إجراء تنظيمي لضمان الجودة، لكن النقابة ترى أنه تهديد لاستقرار الخدمة.

 

الدكتور أسامة عبد الحي أوضح أن الفلسفة العالمية هي “إعادة الاعتماد” وليس “إعادة الترخيص”، مشيرًا إلى أن هيئة الاعتماد والرقابة الصحية موجودة بالفعل لمتابعة معايير الجودة وتجديد الاعتماد الدوري. وضع سيف الترخيص فوق رقبة المستشفيات الجامعية يعني أنها ستعمل تحت تهديد دائم، ما يعيق التخطيط طويل المدى لتطوير البنية التحتية والأقسام التعليمية والبحثية. توقف مستشفى مثل قصر العيني أو الدمرداش لساعات فقط قد يعني كارثة لمئات الحالات الحرجة يوميًا.

 

الحكومة من جانبها، عبر وزير الشئون النيابية محمود فوزي، أكدت أن أخذ رأي نقابة الأطباء “غير ملزم دستوريًا”، لأن القانون ينظم المستشفيات لا مهنة الطب. هذا الموقف زاد من شعور النقابة بأن القانون يُفرض من أعلى بينما يُطلب من أهل المهنة التصفيق من أسفل.

 

بند “توفيق الأوضاع” كان أيضًا محل انتقاد واسع. الدكتور حسين خيري أوضح أن المستشفيات الجامعية الكبرى مثل قصر العيني والدمرداش والحسين أنشئت منذ عقود في أحياء مكتظة، وتخضع لأكواد إنشائية قديمة، ولا يمكن إعادة بنائها وفق اشتراطات حديثة دون هدمها أو نقلها بعيدًا عن المرضى. الحديث عن “توفيق أوضاع إنشائية” يبدو إما وهمًا تشريعيًا أو تمهيدًا لإخراج هذه الصروح من الخدمة تدريجيًا. خيري شدد على أن أي توفيق يجب أن ينحصر في تحديث الأجهزة والتجهيزات، وهو ما يتطلب تمويلًا عامًا حقيقيًا، لا مجرد نص قانوني يلقي بالعبء على الجامعات.

 

النقابة تخشى أن يتحول النص الفضفاض إلى ورقة ضغط: إما أن تجد الجامعة تمويلًا ضخمًا لإعادة بناء مستشفى قائم منذ نصف قرن، أو تواجه تهديدًا دائمًا بعدم تجديد الترخيص. هذه المخاوف تتزامن مع حقيقة أن قصر العيني يضم أكثر من 22 مستشفى فرعيا، بينما يضم مجمع الدمرداش نحو 18 مستشفى، ما يعني أن أي عبث بهذه المنظومات العملاقة سيؤدي إلى فوضى علاجية وتعليمية لا يحتملها النظام الصحي.

 

الدكتور إيهاب الطاهر أشار إلى أن القانون طُرح دون حوار مجتمعي حقيقي ودون مشاركة أصحاب المصلحة المباشرة، بل حتى رأي النقابة أُحيل إلى خانة “غير الملزم”. هذا النمط من التشريع يعمّق فجوة الثقة بين من يضع القواعد ومن يطبقها في غرف العمليات وأقسام الطوارئ. بالنسبة للطاهر، المستشفى الجامعي ليس مجرد مبنى، بل شبكة بشرية ضخمة من أساتذة وأطباء وتمريض وطلاب وباحثين، وأي تعديل قانوني يتجاهل هذه الحقيقة محكوم عليه بالفشل.

 

أما الدكتور أحمد حسين فذهب أبعد، محذرًا من أن التعديلات قد تفتح الباب لتفكيك المستشفيات الجامعية أو دفعها نحو الخصخصة تدريجيًا تحت شعار “تنظيم العمل وتوحيد المعايير”. حسين أكد أن هذه المستشفيات تمثل خط الدفاع الأخير عن المواطن الفقير ومتوسط الدخل، في وقت ترتفع فيه أسعار الخدمة الطبية في القطاع الخاص ويعجز نظام التأمين الصحي عن تغطية احتياجات ملايين المصريين. أي قانون يربط مصير هذه المستشفيات بسيف الترخيص الدوري واشتراطات فضفاضة يجب أن يُقرأ في سياق أوسع يتعلق بمستقبل الصحة العامة.

 

الحكومة من جانبها تصر على أن القانون يستهدف “حوكمة حقيقية” وربط المستشفيات الجامعية – الحكومية والخاصة والأجنبية – في منظومة رقمية موحدة، وإنهاء ما تسميه “فراغًا تشريعيًا” يخص مستشفيات الجامعات الخاصة والأهلية. لكن النقابة ترى أن هذا التوحيد يأتي في لحظة ضعفت فيها ثقة الأطباء في التشريعات الصحية، بعد سلسلة قوانين اعتبروها منحازة إلى منطق الإدارة والربح على حساب حقوق العاملين والمرضى.