في ظل توظيف رموز جماعة الإخوان المسلمين سلبا في دراما ينفق عليها عبدالفتاح السيسي من جيوب المصريين وعلى موظفين بشركته المخابراتية (المتحدة) في شكل فنانين، تناول مراقبون هم بالأساس مدافعون عن مسار الجماعة الذي تبنته منذ ثورة يناير مرورا بالفوز في الاستحقاقات الانتخابية اللاحقة وصولا للموقف من الانقلاب العسكري واصطفافهم خلف القيادة الشرعية لمصر؛ تناولوا شخصية الدكتور محمود عزت، نائب المرشد العام لجماعة الإخوان والقائم السابق بأعماله، بصورة مختلفة عن تلك التي رسمتها السلطات.
ويؤكد هؤلاء المراقبون أن "د.عزت" داعية سلمي، تابع بحرص ضبط الصف الداخلي للجماعة، ومتابعة قرارات مؤسسات الشورى حتى لا يتسلل العنف إلى الشباب من خلال ردود فعل غير منضبطة.
وأكد المدافعون عنه أن عزت كان يراقب بدقة مسار الجماعة في أصعب مراحلها، خاصة بعد أحداث رابعة وما تلاها من مطاردات واعتقالات، وأنه كان يصرّ على أن تبقى الدعوة سلمية، وأن أي انحراف نحو العنف سيضر بالجماعة قبل غيرها.
الكاتبة هبة بدر Heba Badr قالت إن الأمة التي تعتقل علماءها وتحتقرهم هي أمة ضائعة موضحة أن الدكتور محمود عزت واحد من الأسماء البارزة في الساحة الأكاديمية المصرية حيث جمع بين التميز العلمي دقة الطبيب، وهدوء العالم، وحزم القائد ومثابرة الداعية فهو مربٍّ من درجة رفيعة، تخرج في كلية الطب بجامعة عين شمس، ثم حصل على الماجستير والدكتوراه في مجال مقاومة الفيروسات، وقدم أبحاثا مهمة حول عدوى المستشفيات والأمراض الوبائية، مما جعله مرجعا علميا في تخصصه إلى جانب ذلك درس العلوم الإسلامية ونال إجازة في قراءة القرآن الكريم.
ونبهت إلى أن مسيرته العلمية توقفت بعد اعتقاله عام 2020، وهو ما مثل خسارة كبيرة للبحث العلمي ولطلاب الطب الذين كانوا يستفيدون من خبرته. يظهر في هذا الفيديو إهانة واذلال لرمز لعالم وقامة في الطب كرّس حياته للعلم والمعرفة..
https://www.facebook.com/reel/1227158875482556/
وهو ما كتبه أيضا سيف سليمان Saif Soliman تحت عنوان "الدكتور محمود عزت النائب المؤتمن" واصفا إياه بـ"..العملاق الذي شب وشاب في سبيل الله، القائم بأعمال المرشد العام للإخوان المسلمين ، في مرحلة من أصعب وأخطر مراحل الدعوة!، استطاع أن يدير أكبر جماعة إسلامية على مستوى العالم من قلب القاهرة، مستمسكا بأصولها وثوابتها، محافظا على سلميتها…".
وأضاف "الرجل الذي حمل الراية تكليفا ، وهو يدرك تماما أنه في زمن ثمن حمل الراية فيه الرقاب، فـ أدى الأمانة ولم يبدل تبديلا. نسأل الله أن يفرج بالعز كربه وكل من معه. اللهم آمين..".
https://www.facebook.com/reel/1956561495279475/
ترسيخ المنكر
الكاتب والناشط (على حسن) على فيسبوك تناول الدراما وصناعة الوعي من خلال مقال على صفحته بعنوان "من دعاء الكروان إلى رأس الأفعي أين تقع عمارة يعقوبيان؟" أكد أن الرسالة في الدراما والسينما لا تتعلق بالنص وحده، بل تتشكل من عناصر متكاملة مثل الموسيقى التصويرية وزوايا التصوير والإضاءة وأداء الممثلين، لتزرع في وعي المشاهد الهدف المطلوب. يضرب مثالًا بفيلم دعاء الكروان حيث يتعاطف الجمهور مع الزاني والزانية بينما يُكره الرجل الغيور، رغم أن الغيرة فضيلة.
وأشار إلى أن الأعمال الفنية (ومنها رأس الأفعى الذي أنتجه الانقلابيون ليشوهوا به صورة د. عزت) تمرر رسائل غير مباشرة تهدم القيم، مثل فيلم عمارة يعقوبيان الذي جعل قضية اللواط مادة للنكات بدلًا من رفضها. ويرى أن هذه الصناعة تغيّر المجتمع تدريجيًا حتى يصبح المنكر مقبولًا.
واعتبر أنه منذ 1952 وحتى 2025، لم تنتج الدراما المصرية سوى نحو 18 فيلمًا و10 مسلسلات عن الصراع العربي مع الصهاينة، لكنها لم تزرع كراهية حقيقية للعدو الصهيوني. حتى الأعمال الشهيرة مثل رأفت الهجان وجمعة الشوان لم تترك أثرًا يزيد من الحنق على إسرائيل، بينما فيلم ناجي العلي مُنع لأنه أثار تعاطفًا مع الفلسطينيين.
وأكد علي حسن أن إعلام العسكر يصور المسلم الملتزم بالصلاة والعبادة على أنه متشدد أو منافق، كما في شخصية السيد أحمد عبد الجواد في روايات نجيب محفوظ، بينما لا يزرع في قلب المشاهد أي كراهية للعدو الصهيوني.
وقارن الكاتب بين ضحايا الإرهاب في مصر وضحايا الحروب مع إسرائيل، ليخلص إلى أن الإعلام يضخم خطر الإرهاب لصرف النظر عن العدو الحقيقي الذي تسبب في خسائر بشرية واقتصادية أكبر بكثير.
ويخلص "حسن" إلى أن الدراما العسكرية تُستخدم كأداة لتزييف الوعي، فبدلًا من مواجهة العدو الصهيوني، تُقدَّم صورة مشوهة عن المسلم الملتزم، ويُصنع عدو داخلي وهمي. ويؤكد أن الأموال التي تُنفق على هذه الأعمال لو وُجهت للفقراء ومرافق الدولة لكان أثرها أنفع، بدلًا من صناعة فن يرسخ التدليس والكذب في ذاكرة الأمة.
https://www.facebook.com/photo/?fbid=10164517598981613&set=a.149796636612
النشأة والبدايات
ووُلد محمود عزت يوم 13 أغسطس 1944 في حي مصر الجديدة بالقاهرة، ونشأ في أسرة ميسورة أتاحت له الاستقرار الذي انعكس على شخصيته الهادئة. تعرّف على جماعة الإخوان المسلمين عام 1953، وانتظم رسميًا في صفوفها عام 1962، ليصبح منذ شبابه المبكر أحد أبرز رموزها وأكثرهم انضباطًا.
وبحسب منشور لأحمد لاشين على منصات التواصل أشار إلى أن د.عزت التحق بكلية الطب جامعة عين شمس وتخرج عام 1975، ثم حصل على الماجستير عام 1980 والدكتوراه في الفيروسات عام 1985 من جامعة الزقازيق. نشر بحوثًا في مصر وبريطانيا حول مقاومة عدوى المستشفيات والأمراض الوبائية مثل الالتهاب السحائي والكوليرا. كما حصل على دبلوم الدراسات الإسلامية عام 1998 وأتم حفظ القرآن الكريم عام 1999، جامعًا بين العلم الطبي والزاد الروحي.
وأكدت أنه برز نشاطه في الجمعية الطبية الإسلامية كنائب لرئيس مجلس إدارتها، وأسهم في تطوير المستشفيات والخدمات الصحية. كما ارتبط اسمه بمجال التربية والطلاب، وكان مؤثرًا في أجيال جامعية متتابعة، كما شارك في قضايا حقوق الإنسان والعمل العام.
ولفت إلى أنه اعتُقل عام 1965 عشر سنوات ضمن حملة واسعة، ثم خرج عام 1974 ليواصل مسيرته. في السبعينيات كان همزة وصل بين القيادة والطلاب، وشارك في مخيمات تربوية كبرى مثل "مخيم التوريث" عام 1980 مع المهندس خيرت الشاطر ومحمد حبيب. عام 1981 أصبح عضوًا في مكتب الإرشاد، ثم أمينًا عامًا مطلع الألفية، ونائبًا للمرشد عام 2010. وبعد اعتقال محمد بديع في أغسطس 2013 تولى عزت منصب القائم بأعمال المرشد العام.
السجون والاعتقالات
وتعرض للاعتقال عدة مرات: عشر سنوات عام 1965، ستة أشهر في قضية "سلسبيل" عام 1993، خمس سنوات بحكم عسكري عام 1995، واعتقال عام 2008 لمشاركته في تظاهرة ضد العدوان على غزة. وفي أغسطس 2020 ألقي القبض عليه بعد سبع سنوات من التخفي عقب أحداث رابعة، ليواجه أحكامًا ثقيلة منها السجن المؤبد في قضيتي "أحداث مكتب الإرشاد" و"اقتحام الحدود الشرقية"، وحكم بالإعدام في قضية "أحداث المنصة".
وأشارت إلى أنه منذ اعتقاله يعيش عزت، البالغ 81 عامًا، في زنزانة انفرادية بسجن بدر 3 وسط ظروف صحية قاسية، ممنوع من الزيارة والاتصال بأسرته أو محاميه. ظهر في ديسمبر 2020 منهكًا وفاقدًا للوزن، ما أثار مخاوف حقوقية بشأن حالته الصحية، بينما تؤكد الداخلية أنه يتلقى الرعاية الطبية.
ومن شهادات من كان من المقربين منه، يصفه د. محمد حبيب بأنه "جندي من الدرجة الأولى، مثابر ودءوب، لا يتوانى عن خدمة إخوانه ويسأل عن أسر المعتقلين ويدعمهم باستمرار". ويجمع رفقاؤه على أنه قليل الكلام كثير الفعل، حافظ للسر، ومربٍّ من الطراز الرفيع.
ورغم المطاردة والاعتقال، ظل يوجّه رسائل تؤكد على السلمية والصمود، وأن الإخوان جماعة مؤسسات لا أفراد. اعتبر كثيرون تلك الرسائل صمام أمان منع انزلاق الجماعة إلى العنف. مسيرة عزت الممتدة لأكثر من سبعة عقود جسدت مزيجًا بين دقة الطبيب، وهدوء العالم، وحزم القائد، ومثابرة الداعية، في واحدة من أعقد مراحل تاريخ الجماعة، بحسب ما كتب أحمد لاشين.
وبدا من هذه الشهادات أن د. محمود عزت قليل الكلام كثير الفعل، وأنه كان يوجّه رسائل مكتوبة ومسموعة تؤكد على الصمود والتمسك بالسلمية، معتبرًا أن الإخوان جماعة مؤسسات لا أفراد، وأنها تنشد الحرية والعدل والكرامة الإنسانية.
في هذا السياق، يرى المراقبون أن عزت لعب دور "الصمام" الذي يمنع انفلات الغضب بين الشباب، ويحول دون أن يتحول الاحتقان إلى مواجهات مسلحة. وبحسب ما أقرته مؤسسات الشورى داخل الجماعة، فإن التوجه العام كان دائمًا نحو السلمية، وهو ما حرص عزت على ترسيخه ومتابعته، حتى وهو في ظروف المطاردة أو السجن.
بهذا، يظهر أن شخصية محمود عزت ليست مجرد قائد تنظيمي، بل داعية يوازن بين العلم والدعوة، وبين القيادة والانضباط، ليحافظ على خط الجماعة السلمي في زمن العواصف.