أثار قرار حكومة الانقلاب إلغاء وزارة قطاع الأعمال العام موجة واسعة من التساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراء الخطوة، وما إذا كانت تمهّد لمرحلة جديدة من الخصخصة وبيع أصول الدولة، في ظل إعلان رسمي عن نقل عشرات الشركات إلى الصندوق السيادي وقيد أخرى في البورصة.
وزعم رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي أن إلغاء الوزارة يأتي في إطار "إعادة هيكلة شاملة" لشركات قطاع الأعمال، مع نقل الإشراف على الشركات التابعة إلى نائب رئيس الوزراء ضمن هيكل تنظيمي جديد لإدارة أصول الدولة، وأوضح أن هناك ست شركات قابضة تضم نحو 60 شركة تابعة ستخضع لإشراف مؤقت، إلى حين اكتمال خطة إعادة التنظيم.
مدبولي وصف الوزارة بأنها أدّت "دوراً انتقالياً" انتهى مع بدء إعادة تنظيم الشركات الحكومية، مشيراً إلى أن الدولة تمتلك أو تساهم في أكثر من 600 شركة، وأن إدارة هذه الأصول تمثل أحد أهم ملفات المرحلة المقبلة.
هل تمهّد الحكومة لبيع ما تبقى من شركات الدولة؟
لكن توقيت الإلغاء تزامن مع إعلان الحكومة نقل 40 شركة مملوكة للدولة إلى الصندوق السيادي، وقيد 20 شركة أخرى في البورصة، وهو ما عزز مخاوف من تسارع وتيرة التخارج وبيع الأصول، خصوصاً في ظل التزامات الحكومة أمام صندوق النقد الدولي بتوسيع دور القطاع الخاص.
وتدرس الحكومة سيناريوهات تشمل نقل بعض الشركات إلى الصندوق السيادي أو إسنادها إلى وزارات متخصصة، فيما أكد مدبولي أنه "لا توجد خطط للتصفية في الوقت الحالي".
في المقابل، تقدم عضو مجلس النواب الانقلابى طاهر الخولي بطلب إحاطة إلى رئيس الوزراء، معتبراً أن إلغاء الوزارة خطوة "بالغة الحساسية" تستوجب وضوحاً كاملاً بشأن مستقبل الشركات والعاملين فيها، محذراً من غموض يكتنف مصير الشركات القابضة وآليات إدارة أصولها.
وأكد الخولي أن البعد الاجتماعي لا يقل أهمية عن الاقتصادي، مطالباً بإعلان خطة واضحة للتعامل مع عشرات الآلاف من العمال حال إعادة الهيكلة، وبرامج تدريب وتعويضات عادلة حال الاستغناء عن بعضهم.
الخطوة الحكومية أعادت إلى الواجهة ملف الخصخصة، خاصة مع بدء إجراءات تصفية بعض الشركات المتعثرة، وتوزيع أصولها بين الصندوق السيادي والوزارات القطاعية، ويبلغ عدد شركات وزارة قطاع الأعمال 146 شركة تعمل في قطاعات الصناعة والتجارة والسياحة والتشييد، من بينها كيانات استراتيجية مثل مصر للألومنيوم، والنصر للسيارات، ومصر للغزل والنسيج.
وفي سياق متصل، حذّرت دراسة صادرة عن مركز "حلول للدراسات البديلة" من غياب الشفافية في إدارة الصندوق السيادي، معتبرة أن نقل الأصول يتم في إطار مغلق لا يخضع لرقابة عامة كافية، مع غياب تقارير أداء مفصلة وبيانات واضحة حول التسعير وآليات التخارج.
ويرى مراقبون أن إلغاء الوزارة قد يعكس توجهاً لإعادة توزيع ملف الأصول بين جهات مختلفة، خاصة الصندوق السيادي والوزارات القطاعية، بما يسهّل عمليات الطرح أو الشراكة أو نقل الملكية. ويتساءل منتقدون: إذا كانت شركات قطاع الأعمال ستُنقل تباعاً إلى الصندوق السيادي أو تُطرح للبيع، فهل تبقى هناك حاجة لوزارة تتولى إدارتها؟
ويرى مراقبون أن إلغاء وزارة قطاع الأعمال قد يكون مؤشراً على تحول الدولة من إدارة مباشرة للشركات إلى إدارة محفظة أصول تمهيداً للشراكات أو البيع الجزئي أو الكلي، بينما تؤكد الحكومة أن الهدف هو "تعظيم العائد وتحسين الكفاءة".
عضو مجلس النواب طاهر الخولي تقدم بطلب إحاطة للحكومة، مطالباً بتوضيح الرؤية بشأن مصير الشركات والعاملين فيها، محذراً من إدارة ملف بهذا الحجم في ظل ما وصفه بحالة من الغموض. وأكد أهمية إعلان خطة واضحة تضمن حماية حقوق عشرات الآلاف من العمال، مع برامج تأهيل وتعويض عادلة حال الاستغناء عن بعضهم.
مخاوف من غياب الشفافية
في سياق متصل، حذّرت دراسة صادرة عن مركز "حلول للدراسات البديلة" من غياب الشفافية في إدارة الصندوق السيادي، معتبرة أن نقل أصول الدولة إليه يتم في إطار لا يوفر قدراً كافياً من الإفصاح حول آليات التسعير والتخارج وتقييم الأداء.
ووفق الدراسة، فإن غياب البيانات التفصيلية حول العوائد والمخاطر يطرح تساؤلات حول كيفية إدارة واحدة من أكبر عمليات نقل الملكية العامة في تاريخ البلاد.
تفاعل على مواقع التواصل
القرار أثار تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث كتب الباحث الاقتصادي ممدوح الولي عبر حسابه على "فيسبوك":
"إلغاء وزارة قطاع الأعمال في هذا التوقيت يطرح سؤالاً مشروعاً: هل نحن أمام إعادة هيكلة فعلية لتحسين الإدارة، أم أمام مرحلة تسريع لبيع ما تبقى من شركات الدولة؟ الشفافية هي الفيصل".
كتب نقيب الصحفيين الأسبق ممدوح الولي عبر صفحته على فيسبوك: "إلغاء وزارة قطاع الأعمال ليس إجراءً إدارياً عادياً، بل رسالة واضحة بأن الدولة تتجه للتخارج من إدارة الشركات، والسؤال ليس هل ستكون هناك خصخصة، بل كم شركة ستبقى في يد الدولة؟".
فيما علّق نقيب الصحفيين الحالى خالد البلشي عبر حسابه على منصة إكس قائلاً: "نقل الشركات إلى الصندوق السيادي دون شفافية كافية يثير القلق. إدارة أصول بهذا الحجم تحتاج إلى رقابة برلمانية ومجتمعية حقيقية".
وبين تأكيدات حكومية بأن الهدف هو الإصلاح ورفع الكفاءة، وتحذيرات برلمانية وأكاديمية من غياب الشفافية وتداعيات اجتماعية محتملة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام إعادة تنظيم إداري فقط، أم بداية مرحلة أوسع من إعادة رسم خريطة ملكية الدولة في الاقتصاد المصري؟
كما علّق الكاتب الصحفي عبد الحافظ الصاوي عبر منصة "إكس" قائلاً:
"حين تُنقل عشرات الشركات إلى الصندوق السيادي وتُلغى الوزارة المشرفة عليها، يصبح من حق المواطنين معرفة خريطة الأصول: ما الذي سيبقى في يد الدولة، وما الذي سيُطرح، وبأي معايير؟".
وفي المقابل، تؤكد الحكومة أنه "لا توجد خطط للتصفية في الوقت الحالي"، وأن الهدف هو رفع كفاءة الإدارة وتعظيم العائد الاقتصادي من الشركات العامة، ضمن برنامج إصلاح يستهدف تعزيز دور القطاع الخاص وخفض أعباء الديون.
ويبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كان إلغاء الوزارة يمثل مجرد خطوة تنظيمية، أم بداية مرحلة أوسع لإعادة تعريف دور الدولة في النشاط الاقتصادي، في وقت تتزايد فيه الضغوط المالية ومتطلبات الاتفاقات مع مؤسسات التمويل الدولية.