تُعد منطقة المنيل القديمة – وقف طبطباي واحدة من أكثر المناطق حساسية في قلب القاهرة، ليس فقط لموقعها الفريد على جزيرة الروضة، بل أيضاً لملكيتها لوزارة الأوقاف ودخول محافظة القاهرة على الخط تمهيدا للتهجير، وما ترتب على ذلك من نزاعات طويلة امتدت لسنوات، ومع كل محاولة لتطوير المنطقة، كانت الخلافات تتجدد، بينما ظل الأهالي يعيشون حالة من القلق والخوف من التهجير دون تعويض عادل أسوة بما حصل مع سكان السيدة زينب، على الجانب الآخر من النيل وسكان الوراق الذين يتهددهم المصير ذاته.
وقدّم عدد من أهالي منطقة وقف طبطباي في المنيل القديمة شكوى ضد رئيس حي مصر القديمة، بعد ما وصفوه بحملة إزالات عشوائية ومتَعسِّفة تستهدف منازلهم دون سند قانوني واضح، ويقول الأهالي: إنهم "يتعرضون لضغوط متزايدة لإجبارهم على إخلاء مساكنهم، وصلت إلى حد قطع المرافق الأساسية عن المنطقة، بما في ذلك الكهرباء والمياه وخطوط الهاتف الأرضي، في خطوة يعتبرونها محاولة لإجبارهم على الرحيل قسرًا"، وتؤكد شهاداتهم أن الإزالات طالت منازل عديدة، وأن ما يجري يهدد استقرار أسر كاملة عاشت في المنطقة لعقود.
وفي مواجهة هذه التطورات، أعلنت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تضامنها الكامل مع الأهالي، مؤكدة أن القانون والدستور يحميان حقهم في السكن الآمن.
وتشير المبادرة إلى أن الدستور المصري ينص بوضوح على أن الحياة الآمنة حق لكل إنسان، وأن الدولة مُلزَمة بحماية هذا الحق، كما يكفل الدستور توفير مسكن ملائم وصحي يحفظ الكرامة الإنسانية ويحقق العدالة الاجتماعية.
وترى المبادرة أن ما يحدث في وقف طبطباي يمثل انتهاكًا لهذه المبادئ، ويستدعي وقف الإزالات فورًا، وفتح حوار جاد مع السكان، وضمان عدم تهجيرهم دون بدائل عادلة أو تعويضات مناسبة.
وبحث الأهالي عن تصريحات "نائب" العسكر طاهر الخولي عن دائرة مصر القديمة والمنيل خلال لقاءه بقناة إكسترا نيوز : "تعويضات أهلّ الدائرة أهمّ ملفاتي بعد بدء الفصل التشريعي الثالث" وجدوها سرابا ولم تتحقق\ أمام أطماع أعلى من "الخولي" نفسه.
مشروع تطوير معلّق منذ 2014
وتعود جذور الأزمة إلى عام 2014، حين بدأت محافظة القاهرة الحديث عن تطوير منطقة المنيل القديمة باعتبارها "منطقة متهالكة" تحتاج إلى إعادة تخطيط. لكن المشروع لم يتحرك خطوة واحدة؛ بسبب نزاع ملكية بين المحافظة ووزارة الأوقاف، التي تملك الأرض بوصفها وقفاً خيرياً، هذا النزاع عطّل أي تطوير فعلي، رغم أن المنطقة كانت تشهد انهيارات متكررة، ووصل الأمر إلى وفاة طفلة في أغسطس 2023 نتيجة سقوط مبنى متهالك، كما أشارت النائبة جيهان البيومي في مجلس النواب.
وفي ديسمبر 2016، أعلنت محافظة القاهرة بالتعاون مع الأوقاف عن مشروع تطوير بتكلفة 250 مليون جنيه، يشمل إنشاء 432 وحدة سكنية، وفي 2017، قالت الأوقاف إنها انتهت من المرحلة الأولى بتكلفة 15 مليون جنيه فقط، وهو رقم أثار تساؤلات كثيرة حول حجم الإنجاز مقارنة بما أُعلن سابقاً من خطط ضخمة.
لكن رغم هذه التصريحات، لم يحدث أي تطوير فعلي على الأرض، وبقيت المنطقة على حالها، بينما استمرت المنازل في التهالك، وازدادت شكاوى الأهالي من الإهمال.
رخصة لاحقة للمباني
في أكتوبر 2020، وافق مجلس الوزراء على إصدار "رخصة ضمنية لاحقة" لمباني الأوقاف في المنيل، وهو ما اعتبره البعض محاولة لتقنين أوضاع مبانٍ أُنشئت دون تراخيص واضحة، لكن حتى هذه الخطوة لم تُترجم إلى تطوير شامل، وظلت المنطقة عالقة بين جهتين لا تتفقان.
وفي أكتوبر 2023، أعلنت حسابات مؤيدة للحكومة أن محافظة القاهرة تستعد أخيراً لإزالة حي المنيل القديم ونقل 4000 مواطن إلى حي جديد تم بناؤه على أرض مساحتها 5 أفدنة مملوكة للأوقاف، ويضم 433 وحدة سكنية، إضافة إلى جراجين و57 محلاً تجارياً.
لكن هذه الأرقام أثارت جدلاً واسعاً: فمحافظة القاهرة قالت: إن "عدد المستفيدين 4000 مواطن، وقالت وزارة الأوقاف سابقاً عن 432–433 وحدة فقط وبحساب بسيط، فإن 433 وحدة لا يمكن أن تستوعب 4000 شخص، إلا إذا تم تخصيص كل وحدة لأكثر من أسرة، وهو ما أثار مخاوف الأهالي من أن المشروع لا يكفي لاستيعاب الجميع".
وفي عام 2024، بدأت حملات إزالة وقطع مرافق عن المنطقة، كما وثّق الأهالي في شكاوى رسمية. تحدث السكان عن قطع الكهرباء والمياه والتليفونات الأرضية لإجبارهم على الإخلاء، وهو ما اعتبرته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية انتهاكاً لحق السكن الآمن، مؤكدة أن الدستور يلزم الدولة بتوفير مسكن ملائم قبل أي إخلاء.
في المقابل، ظل موقف الأوقاف غامضاً، وازدادت الاتهامات حول وجود مصالح خاصة داخل الوزارة، خاصة بعد تداول وثائق عن تشطيب شقة وزير الأوقاف السابق محمد مختار جمعة (بجوار سينما فاتن حمامة التي احترقت في 2021) في المنيل بتكلفة 772 ألف جنيه، واتهامات أخرى تتعلق بامتلاك شقق في المنطقة.
في ديسمبر 2023، ناقشت لجنة الإدارة المحلية الأزمة، لكن غياب رئيس هيئة الأوقاف عن الاجتماع أثار غضب النواب، واعتبره وكيل اللجنة "تجاوزاً لأدبيات العمل". وأكد محافظ القاهرة أن المشكلة "في طريقها للحل" بين الأوقاف وصندوق التنمية الحضارية، دون تقديم جدول زمني واضح.
قصة أوقاف المنيل ليست مجرد مشروع تطوير، بل هي نموذج لصراع طويل بين جهات حكومية، يدفع ثمنه الأهالي الذين يعيشون في منطقة متهالكة منذ سنوات، وبين أرقام متضاربة، وغياب شفافية، واتهامات بالضغط والتهجير، يبقى السؤال الأهم: هل التطوير هدفه تحسين حياة السكان، أم إعادة استغلال أرض ثمينة في موقع استراتيجي؟
والمنيل جزيرة يربطها ٥ كباري كوبري الملك الصالح أول طريق صلاح سالم للمطار ومصر الجديدة ومدينة نصر والحسين و يمين الملك الصالح مصر القديمة والمعادي وحلوان ويسار على شارع القصر العيني ووسط البلد والسيدة زينب الكوبري الثاني كوبري عباس يوصل الجيزة والهرم وفيصل.
المبادرة المصرية أكدت وقوفها وتضمانها الكامل مع الأهالي، حيث القانون يحمي حقهم في السكن الآمن، استنادًا إلى نصوص الدستور التي تقر بأن الحياة الآمنة حق لكل إنسان، وتلزم الدولة بحمايتها، كما تكفل الحق في مسكن ملائم وآمن وصحي يحفظ الكرامة الإنسانية ويحقق العدالة الاجتماعية.
