مع زيارة رئيس الكيان لأثيوبيا .. وقاحة فرضت على القاهرة تجاهل خطيئة السيسي في 2015 والعودة لاتفاقية 1959

- ‎فيتقارير

يبدو أن كيان الاحتلال الصهيوني ورئيسه هرتزوج الذي زار أديس أبابا في 25 فبراير الجاري يستغل أزمة سد النهضة بين مصر وإثيوبيا للتغلغل في دول حوض النيل، فبعد أسبوع من زيارة الرئيس التركي إلى إثيوبيا، ما يجعلها جزءًا من سباق نفوذ واضح في القرن الإفريقي وإعلان رسمي عن مساندة على أعلى مستوى لإجراءات إثيوبيا الأحادية في سد النهضة وغطرستها بما تملكه من أسلحة الدفاع الجوي الصهيونية.

وبحسب المعلومات المتاحة، فإن زيارة إسحاق هرتسوغ إلى أديس أبابا في 25 فبراير 2026 تُعد محطة جديدة في سلسلة تحركات صهيونية رفيعة المستوى داخل إثيوبيا خلال العام نفسه، في ظل تنافس إقليمي متصاعد.

وتحمل الزيارة على ما يبدو عدة رسائل سياسية وإستراتيجية، فهي تأتي في لحظة تتنافس فيها قوى إقليمية مثل تركيا والسعودية من جانب والإمارات وتل أبيب من جانب آخر على تعزيز حضورها في القرن الإفريقي، بينما تسعى تل ابيب إلى تثبيت موقعها وعدم خسارة نفوذها في منطقة ترتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر وبملف المياه في حوض النيل.

وتُظهر التصريحات الرسمية أن الكيان يريد تعزيز التعاون في مجالات التكنولوجيا والزراعة والأمن، لكن التحليلات تشير إلى أن الزيارة تتجاوز الطابع البروتوكولي إلى إعادة تموضع إستراتيجي في منطقة حساسة.

ووفق المعلومات المتاحة، فإن زيارة رئيس الكيان إسحاق هرتسوج في فبراير 2026 هي الزيارة الأبرز والأعلى مستوى خلال العام، ولم تُسجَّل زيارات أخرى بنفس المستوى لرؤساء أو رؤساء وزراء من الكيان خلال الفترة نفسها. ومع ذلك، فإن التحركات الدبلوماسية من جانبهم في إثيوبيا لم تتوقف، وتشمل نشاطًا مستمرًا للسفارة، ولقاءات وزارية، وتعاونًا أمنيًا وتقنيًا.

https://x.com/AJA_Egypt/status/2027064374553129226

 

بيان اللحظة

ويبدو أن دوائر في القاهرة أدركت أثر الزيارة فسارعت تلك الدوائر إلى استدعاء رئيس وزراء السودان إلى مصر ومن ثم صدور بيان مصري سوداني مشترك يؤكد على حماية الأمن المائي لمصر والسودان ورفض أي إجراءات أحادية في حوض النيل الشرقي.

ومن أشد ما دل عليه البيان تجاهله اتفاق الخرطوم أو ما عرف ب"اتفاق المبادئ" الذي وقعه السيسي في العاصمة السودانية مع الرئيس السوداني السابق عمر البشير ورئيس وزراء اثيوبيا ديسالين وعنونت الصحف المحلية الموالية للإنقلاب ب"السيسي حلها"! وهو بالفعل (الاتفاق) الذي لا يستحق ثمن الحبر الذي ذيله السيسي بتوقيع تاريخي لبيع مصر مقابل "الكرسي" المغصوب.

ومن أبرز ملامح البيان (خلال مباحثات رئيس وزراء السيسي مصطفى مدبولي مع رئيس الوزراء الانتقالي السوداني كامل إدريس بالقاهرة)، تمسكهما الكامل باتفاقية 1959 والقانون الدولي المنظم لاستخدام الأنهار المشتركة، ورفضهما القاطع لأي إجراءات أو تحركات أحادية في حوض النيل الشرقي تمس الأمن المائي لدولتي المصب.

كما أكد البلدان على استمرار سعيهما المشترك للعمل مع دول حوض النيل الشقيقة لاستعادة التوافق في مبادرة حوض النيل NBI في إطار العملية التشاورية القائمة مع الدول غير الأطراف في "الاتفاق الإطارى CFA".

وفي هذا السياق، رحب البلدان بالنتائج التي تحققت في العملية التشاورية حتى الآن، لاسيما التقرير المُقدّم من اللجنة المصغرة المعنية في مبادرة NBI الذي أوصى باستكمال المشاورات للتوصل لحلول، بما في ذلك إمكانية تعديل أو إضافة بروتكولات للاتفاق الإطاري لمراعاة شواغل جميع دول حوض النيل،

وقد أبدى البلدان رفضهما لأية محاولات أحادية لعرقلة مسار العملية التشاورية ضد الرغبة المشتركة لجميع دول حوض النيل في التعاون، وتحقيق المنفعة المتبادلة في إطار من التضامن والأخوة.

وطالبا الجانبان إثيوبيا بالعدول عن نهجها الأحادي والالتزام بقواعد القانون الدولي التي تنظم الاستفادة من الأنهار المشتركة، مشددان على ضرورة الالتزام بمبادئ الإخطار المسبق والتشاور وعدم إحداث ضرر للشركاء في المياه.

وفي 21 فبراير، دعا وزير الري بحكومة السيسي، هاني سويلم، جميع دول حوض النيل إلى الامتناع عن المشاركة في أي إجراءات أحادية أو غير شمولية أو غير مؤسسية من شأنها تقويض جهود الوحدة بين دول الحوض، في إشارة إلى استبدال مبادرة حوض النيل بمفوضية حوض النيل، المنبثقة عن اتفاق عنتيبي، فيما نفت الصحف المحلية، نقلًا عن «مصدر مطلع» لم تسمه، ما أعلنه دبلوماسي إيراني حول تبادل السفراء بين القاهرة وطهران.

NBI  في مواجهة اتفاق عنتيبي

و مبادرة حوض النيل NBI شراكة بين دول حوض النيل تهدف إلى تطوير النهر بصورة تعاونية، وتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة، وتقليل النزاعات، وتعزيز الأمن الإقليمي. أُطلقت رسميًا في فبراير 1999 بمشاركة وزراء المياه في تسع دول، ثم توسعت لتشمل عشر دول، بينما تشارك إريتريا بصفة مراقب.

ويبدو أن العودة لهذا الاتفاق 99 الذي ردت به القاهرة على دعوتها من قبل أديس أبابا للدخول ضمن اتفاق عنتيبي الذي يضيع حق مصر بالكامل وبحسب الباحث في شأن النيل هاني إبراهيم Hany Ibrahim فإن مختصر اعتراضات مصر على اتفاقية عنتيبي وأسباب الخلاف تتعلق بعدة أسباب قانونية وفنية تتعلق بالأمن المائي وحقوق دول المصب.

وأشار إلى أن جوهر الخلاف يبدأ من مادة الأمن المائي؛ فمصر والسودان تطالبان بنص واضح يضمن عدم التأثير سلبًا على الأمن المائي والاستخدامات والحقوق الحالية، بينما تفضّل إثيوبيا ودول أخرى نصًا مخففًا يشير فقط إلى عدم التأثير بشكل كبير، هذا الفارق في الصياغة ليس لغويًا فقط، بل يمس جوهر حماية الحقوق المكتسبة لدولتي المصب، خاصة أن مصر تعتمد بشكل شبه كامل على نهر النيل، خلافًا لدول المنبع التي تمتلك مصادر مائية أخرى.

واعتبر أن الحقوق التاريخية لمصر ليست ادعاءً سياسيًا، بل تستند إلى اتفاقيات دولية قائمة، مثل معاهدة 1902، واتفاق 1929، واتفاقية 1959، واتفاق 1993 بين مصر وإثيوبيا، وهي اتفاقيات ذات قيمة قانونية، بعضها ذو طبيعة حدودية، ويعززها مبدأ توارث المعاهدات.

وأشار إلى أن مبدأ الإخطار المسبق، فقد تم تفريغه في عنتيبي من مضمونه القانوني، فالاتفاقية لم تلزم الدولة صاحبة المشروع بتقديم الدراسات الفنية لباقي الدول، ولا منحت تلك الدول الوقت الكافي لدراسة الآثار، ولا اشترطت التوافق قبل البدء في التنفيذ، هذه الآليات مستقرة في القانون الدولي، وتجاهلها يفتح الباب لإجراءات أحادية تضر بدول المصب.

وعن آلية التصويت في عنتيبي، أوضح أن الاتفاقيات النهرية الدولية تعتمد مبدأ الإجماع لضمان التعاون، كما في منظمات حوض السنغال والزمبيزي، لكن عنتيبي تعتمد التصويت بالأغلبية، ما يسمح بتمرير مشروعات في أعالي النهر رغم اعتراض دول المصب، وهو ما تعتبره مصر تهديدًا مباشرًا لأمنها المائي.

وحذر من تضمن اتفاقية عنتيبي (العاصمة الاوغندية) نصوصًا تمنع مشروعات تستهدف زيادة إيراد النهر بحجة حماية البيئة، وهو ما يُنظر إليه كقيد غير مبرر يمنع مصر من الاستفادة من مشروعات مشتركة كان يمكن أن تزيد موارد النهر لصالح الجميع.

 

ورغم هذه الاعتراضات، فقد أقرت لجنة من دول الحوض بأن الاتفاقية تسمح بالتعديل، وأن نصوصها قابلة للتطوير بما يسهّل انضمام الدول غير الموقعة، لكن يبقى السؤال: هل تقبل إثيوبيا تعديل الاتفاقية بما يحفظ حقوق دول المصب، أم تستمر في سياسة الإجراءات الأحادية مع خطاب معلن عن التعاون؟

 

ورغم أن عنتيبي تضم ست دول فقط من أصل إحدى عشرة دولة في الحوض، فإنها لا تمثل أغلبية جغرافية أو سكانية، فمساحة الحوض داخل مصر والسودان وحدهما تمثل 52٪ من إجمالي مساحة الحوض، كما أن سكان مصر والسودان والكونغو وإريتريا وكينيا يشكلون الأغلبية السكانية.

 

وتطرح مصر أسئلة مشروعة حول سلوك إثيوبيا: لماذا لا تقبل التعاون الحقيقي رغم أن مصر تتعاون مع جميع دول الحوض؟ هل قدمت إثيوبيا يومًا تبادل بيانات شفافًا؟ هل أنشأت محطات رصد مشتركة؟ هل أخذت آراء دول الحوض في مشروعاتها؟ ولماذا تصر على تقديم سد النهضة وكأنه مشروع تعاوني بينما هو في جوهره مشروع أحادي؟

https://www.facebook.com/search/top?q=%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9%20%D8%B9%D9%86%D8%AA%D9%8A%D8%A8%D9%8A&filters=eyJyZWNlbnRfcG9zdHM6MCI6IntcIm5hbWVcIjpcInJlY2VudF9wb3N0c1wiLFwiYXJnc1wiOlwiXCJ9In0%3D

مبادرة حوض النيل NBI

وأهداف مبادرة حوض النيل NBI:

الاستخدام العادل والمنصف لموارد النهر بين جميع الدول.

 

تحقيق التنمية المشتركة عبر مشروعات في الطاقة والزراعة وإدارة المياه.

 

تعزيز السلام والأمن الإقليمي من خلال التعاون بدلًا من الصراع.

 

إدارة متكاملة للموارد المائية عبر تبادل البيانات، والتخطيط المشترك، والحد من آثار التغير المناخي.

 

وأعضاء المبادرة عشر دول: مصر، السودان، جنوب السودان، إثيوبيا، أوغندا، كينيا، تنزانيا، رواندا، بوروندي، الكونغو الديمقراطية.

وجاءت المبادرة كخطوة انتقالية نحو اتفاقية قانونية شاملة تنظم استخدامات النهر، وتضع قواعد واضحة للتعاون، وتمنع النزاعات. وهي تعمل كمنصة للحوار، وتطوير المشروعات المشتركة، وبناء الثقة بين الدول.

وتُعد المبادرة التي عادت لها مصر والسودان المنصة الرسمية الوحيدة التي تجتمع فيها كل دول الحوض، رغم الخلافات السياسية وتُستخدم كإطار للتشاور حول القضايا الحساسة مثل سد النهضة، والإخطار المسبق، وتقاسم المنافع وتُعد أداة مهمة لمواجهة الضغوط المناخية وارتفاع الطلب على المياه في المنطقة.

وترى إثيوبيا ودول أخرى أن الاتفاقية يجب أن تعكس “الاستخدام المنصف” دون الاعتراف بالاتفاقيات التاريخية.