في ظل تدهور المؤشرات المعيشية وتصاعد الضغوط التضخمية وتراجع القوة الشرائية، تتكشف ملامح جولة جديدة من الشد والجذب بين حكومة الانقلاب في مصر وصندوق النقد الدولي، بعدما تراجع الأخير عن صرف نحو 400 مليون دولار إضافية كانت القاهرة تعول عليها ضمن برنامج "المرونة والاستدامة"، في خطوة فُسرت باعتبارها أداة ضغط لتسريع خفض الجنيه والمضي قدماً في بيع الأصول العامة.
مصادر في اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب كشفت أن المجلس التنفيذي للصندوق اعتمد صرف 2.273 مليار دولار فقط، موزعة بين ملياري دولار ضمن تسهيل الصندوق الممدد (EFF) و273 مليون دولار ضمن تسهيل الصلابة والاستدامة (RSF)، دون الاستجابة لطلب الحكومة رفع الشريحة إلى ما يقرب من 2.7 مليار دولار.
ووفقاً للمصادر، رفض الصندوق إدراج أي مبالغ مرتبطة بالمراجعة السابعة للبرنامج قبل استكمال شروطها، مكتفياً باعتماد نتائج المراجعتين الخامسة والسادسة، على أن تُجرى المراجعة الجديدة في أبريل المقبل. ويعكس هذا الموقف تشدداً واضحاً في ربط التمويل بسرعة تنفيذ برنامج الطروحات الحكومية، وضبط إدارة الدين، وفرض مرونة كاملة لسعر الصرف.
وتأتي هذه التطورات بينما يواجه الاقتصاد المصري موجة تضخم ممتدة وارتفاعات متكررة في أسعار السلع الأساسية والخدمات، وسط ضغوط على الحكومة لتحريك سعر الجنيه مجدداً في مواجهة الدولار، خاصة مع تأكيد الصندوق أن تثبيت العملة لفترات طويلة لم يعد خياراً مقبولاً ضمن إطار البرنامج.
جزء كبير من التمويل يعود سريعاً إلى الصندوق
بحسب جدول التزامات مصر المنشور على موقع الصندوق، فإن ما بين 800 مليون ومليار دولار مستحقة السداد خلال الربع الأول من 2026، تشمل أقساطاً عن برنامج 2016 وأخرى ضمن الاتفاق الموقع للفترة 2022-2026، وهو ما يعني أن جزءاً مهماً من الأموال المصروفة سيعاد تحويله إلى الصندوق خلال أقل من 15 شهراً، ما يقلص صافي التدفقات الفعلية إلى الخزانة العامة.
ورغم إشادة بعثة الصندوق بارتفاع الاحتياطي النقدي إلى نحو 56.9 مليار دولار وتحسن بعض مؤشرات الاقتصاد الكلي، فإنها شددت على ضرورة تسريع التخارج من الشركات المملوكة للدولة، وتوسيع دور القطاع الخاص، وترك سعر الصرف لآليات السوق، في إشارة إلى توقعات بتراجع الجنيه إلى مستويات قد تتجاوز 50 جنيهاً للدولار بنهاية العام.
فجوة تمويلية تتجاوز 20 مليار دولار
تقديرات غير رسمية تشير إلى فجوة تمويلية تتجاوز 20 مليار دولار، في ظل ارتفاع فاتورة خدمة الدين الخارجي وزيادة كلفة الواردات من الحبوب والمحروقات، ويضع ذلك الحكومة أمام معادلة صعبة: إما تسريع برنامج بيع الأصول وجذب استثمارات دولارية، أو مواجهة ضغوط أشد على العملة وميزان المدفوعات.
الحكومة أعلنت خططاً لجذب نحو 6 مليارات دولار حتى أكتوبر 2026 من خلال طرح حصص في بنوك وشركات عامة وأصول عقارية وصفقات على ساحل البحر الأحمر، ضمن مسعى لتوفير سيولة دولارية عاجلة.
وبين اشتراطات الصندوق وضغوط الأسواق، يجد الاقتصاد المصري نفسه في مرحلة دقيقة، تتداخل فيها قرارات سعر الصرف مع ملف الخصخصة وإدارة الدين، في وقت لا تزال فيه تداعيات ارتفاع الأسعار تلقي بثقلها على المواطنين، وتزيد من حساسية أي تحركات جديدة في قيمة الجنيه.