البداية في هذا التقرير من تعيين علي رضا أعرافي مرشدًا أعلى جديدًا في إيران خلفًا لعلي خامنئي، المرشد المغتال، وهو خطيب جمعة سابق في قم، العاصمة العلمية للاثني عشرية. ويبدو أن تعيين أعرافي جاء لتجنب دخول إيران في فراغ دستوري، إذ تنص المادة 111 من الدستور على أنه "في حالة وفاة القائد أو استقالته أو عزله، يتعين على مجلس الخبراء اتخاذ إجراء في أسرع وقت ممكن لتعيين قائد جديد. وإلى حين تعيين القائد، يتولى مجلسٌ مؤلف من الرئيس ورئيس السلطة القضائية وأحد فقهاء مجلس صيانة الدستور، الذي يختاره مجلس تشخيص مصلحة النظام، جميع مهام القائد مؤقتًا". وتعتبر المادة 111 هذا المجلس مؤقتًا، ولا تسميه "مجلس القيادة".
وخامنئي كان داهية سياسية أكثر منه شخصية دينية. فعندما توفي آية الله روح الله الخميني عام 1989، عُيّن آية الله حسين علي منتظري خليفةً له، لكن ائتلافًا قاده خامنئي مع رئيس البرلمان آنذاك أكبر هاشمي رفسنجاني ونجل الخميني أحمد نجح في إزاحته. ثم مارسوا ضغوطًا معقدة داخل مجلس خبراء القيادة لتعيين خامنئي مرشدًا وقائدًا أعلى بدرجة آية الله، وفق ما ذكره أحمد دعدوش.
هل الاختراق عام؟
واعتبر المحلل الأكاديمي مأمون فندي أن "مقتل المرشد الإيراني، وقبله حسن نصر الله، وبدقة عملياتية عالية، يوحي بأن إسرائيل تمتلك قدرات متقدمة في مجال الاستخبارات البشرية والاختراق البنيوي، إلى حد الوصول إلى الدوائر العليا في أنظمة مغلقة". وتساءل: "هل يقتصر هذا الاختراق على إيران ولبنان فقط، أم أنه يعكس نمطًا أوسع يشمل دولًا ومجتمعات أخرى في الإقليم، بما في ذلك مستويات الحكم والنخب الأمنية والعسكرية؟".
وفي سياق الحديث عن اختراق أعلى، لفت المستشار وليد شرابي إلى الحالة المصرية، مشيرًا إلى أن تكرار اغتيال قادة إيران "لا يترك مجالًا للشك بأن النظام الإيراني مخترق بعميل في الدائرة الأولى من قياداته العسكرية، وقد نجح في البقاء في منصبه منذ مقتل قاسم سليماني وحتى الآن دون أن يُكشف. أما في مصر فالأمر مختلف؛ فقد اكتشفوه ثم عينوه رئيسًا".
الحالة المصرية
وقال المجلس الثوري المصري موضحًا الفارق بين العمالة والاختراق المخابراتي على مستوى رأس المؤسسة العسكرية وفساد عقيدتها، مقابل اختراقات فردية: "هذا هو الفارق بين مصر في 2013 وإيران في 2026. عندما قررت أمريكا وإسرائيل تغيير نظام الرئيس محمد مرسي، أشاروا للمجلس العسكري المصري بتولي الأمر: إعلام فاجر، ثورة مزيفة، انقلاب عسكري، قمع وقتل، وتحققت رغبة أمريكا ومصلحة إسرائيل بلا أي تكلفة عليهما. بينما في إيران، التي تتباهى أمريكا وإسرائيل باختراقها مخابراتيًا، لم تتمكنا من تدبير (30 يونيو) إيرانية ولا دفع قيادة الحرس الثوري للانقلاب على خامنئي، واضطرتا للدخول في حرب مباشرة واغتيالات طالت كل القيادات العسكرية تقريبًا مرتين".
وعبر عن أسفه قائلاً: "بؤس حالنا في مصر، لم يقف قائد عسكري واحد من قيادات الجيش أو الحرس الجمهوري أو الشرطة ضد الانقلاب. الكل تعاون ونفذ انقلابًا عسكريًا دمويًا صب بالكامل في مصلحة إسرائيل وأضر بمصالح المصريين. لك الله يا مصر".
استيعاب الاغتيال
وعلى عكس مطلب ترامب للشعب الإيراني بالنزول لاستقبال من قضوا على "الحكام المستبدين" بحسب وصفه، تابع المشاهدون عبر الفضائيات والصحفيون عبر منصات التواصل مشاهد لمئات في الشوارع ينعون القائد الروحي للثورة الإيرانية وصاحب القرار الأول في البلاد.
وقال الصحفي نظام المهداوي: "لا أعتقد أن القيادة الإيرانية لديها من الترف ما يمكّنها من إخراج هذه الملايين المناصرة لها والمنددة باغتيال خامنئي". وأضاف: "ولا شك أن هذه المشاهد تُفسد كثيرًا من مخططات نتنياهو وترامب؛ فقد وضعا بيضهما جميعًا في سلة الشعب الإيراني لإنهاء هذه الحرب في وقت قياسي، إذ لا تتحمل أمريكا وإسرائيل حربًا طويلة".
ورأى المهداوي أن "اغتيال خامنئي لن يدفع مناصريه إلى التراجع، بل على العكس، قد يحوّله إلى رمز وأيقونة للثبات والشهادة. وقد ينضم إليهم حتى بعض معارضيه حين يدركون ما يرونه مخططات تستهدف بلادهم". واعتبر أن الاغتيال جاء بنتيجة عكسية، قائلاً: "بإمكان إسرائيل وأمريكا إثارة الفوضى والانقسام في إيران، لكن لهذه الخطوة ثمنًا كبيرًا ستتحمله المنطقة والكيان الصهيوني ومصالح أمريكا".
ورأى الكاتب والأكاديمي محمد المختار الشنقيطي أن "إسرائيل وأمريكا لن تحصلا على ما تريدانه من وراء اغتيال خامنئي، وهو قيادة إيرانية مهزوزة مستعدة للتنازل عن البرنامج النووي. بل ستحصلان على قيادة صلبة يهيمن عليها الحرس الثوري، ومصممة على تصنيع سلاح نووي بأي ثمن وفي أقصر زمن".
الخرق القريب جدًا
ونقل ناشطون عن صحيفة "وول ستريت جورنال" أن مسؤولين إسرائيليين أكدوا أن ضباط المخابرات حددوا ثلاثة اجتماعات متزامنة، وكان لديهم تحديد دقيق لموقع خامنئي، ما جعل اللحظة فريدة لشن الهجوم في وضح النهار. وأسقطت الطائرات الإسرائيلية 30 قنبلة على مجمع خامنئي، مما تركه محترقًا ومدمرًا.
وقال الكيان الإسرائيلي إنه تلقى معلومات استخباراتية عن اجتماع برئاسة خامنئي عجّل بقرار بدء الضربة، واستغرقت طائرة F35 نحو ساعتين للوصول إلى طهران، ما يشير إلى أن الجاسوس علم بموعد الاجتماع مبكرًا جدًا وأبلغ الإسرائيليين.
وأوضح الناشط عمر غانم أن معرفة موعد اجتماعات عالية الأهمية ذات طبيعة استراتيجية تكون مسؤولية الطاقم الأمني والسكرتارية، وليس طواقم البروتوكول، ما يعني أن الخرق كان في طاقم خامنئي الأمني وحلقة السكرتارية الأقرب.
ونقل نواف عن صحف أمريكية أن الـCIA كانت تتعقب خامنئي منذ أشهر، بما في ذلك تحركاته وتغيير نمطه الأمني، ثم جاءت المعلومة الحاسمة: اجتماع لكبار المسؤولين صباح السبت 28 فبراير في مجمع القيادة وسط طهران، والأهم أن خامنئي سيكون هناك. وعدلت واشنطن وتل أبيب توقيت الهجوم لاستغلال هذه الفرصة، وأسقطت 30 قنبلة و7 صواريخ في الموجة الأولى.
قادة الرضوان
وقال المحلل السياسي سعيد زياد إن اغتيال القيادة العسكرية الإيرانية خلال اجتماعهم يذكّر بواقعة اغتيال إبراهيم عقيل وقادة "الرضوان" في حزب الله، مضيفًا: "إنها حرب محسوم أمرها، ضربة افتتاحية تحدث في أي لحظة، ثم القرار القيادي المفاجئ: عقد اجتماع!". وأشار إلى أن وثائق لاحقة كشفت أن الحرب بدأت فعليًا عندما وصلت المعلومة الذهبية باجتماع قادة الرضوان في الضاحية بعد ضربة البيجرز، والحال نفسه في إيران صباح السبت.
وذكرت مجلة "التايم" أن قرار اغتيال خامنئي اتُّخذ يوم 3 فبراير، وهو يوم إصدار غلاف المجلة الذي رسم "نهاية صدام" قبل غزو العراق بتسعة أيام، و"اختفاء القذافي" قبل مقتله بأسابيع، حيث وضعت المرشد الإيراني وخلفه احتجاجات شعبية تحت عنوان "ما بعد آية الله"، وهو ما اعتبره البعض "رسالة استخباراتية" مغلفة بورق المجلات.
ويبدو أن عنصرًا استخباراتيًا منتمياً للموساد كان مقربًا من خامنئي وبرتبة عالية، طمأنه بإمكانية عقد الاجتماع في المقر بأمان، وأن لا عملية عسكرية قريبة. وبعد انعقاد الاجتماع، وصلت المعلومات إلى مقر الموساد بتأكيد حضور جميع الشخصيات، والتثبت من وجود الهدف الرئيسي، ثم جرى استهدافهم بسلاح نوعي يضمن عدم تشوه الجثث للتأكد من هوية خامنئي. وأقدم العميل نفسه على تصوير الجثة وإرسالها للقيادة المركزية الإسرائيلية. وتفيد المصادر بأن العملية استخباراتية وعسكرية إسرائيلية بالكامل، بينما اقتصر الدور الأمريكي على الدعم السياسي واللوجستي والتنسيق ومنح الضوء الأخضر.