“الإهمال الطبي ” سياسة ممنهجة لقتل الأحرار .. استشهاد المعتقل إبراهيم هاشم بعد اعتقالٍ امتد 11 عامًا

- ‎فيحريات

 

استُشهد المعتقل إبراهيم هاشم السيد داخل محبسه في سجن المنيا شديد الحراسة عن عمر ناهز 43 عامًا، في واقعة جديدة تُعيد الجدل حول أوضاع السجون المصرية وظروف الاحتجاز. وينحدر السيد من مركز أبو صوير بمحافظة الإسماعيلية، وكان يعمل محفظًا للقرآن الكريم وحاصلًا على إجازة في القراءات العشر، ما جعله شخصية معروفة في محيطه الاجتماعي والديني.

 

وكان الراحل ينفذ حكمًا بالسجن لمدة 15 عامًا، قضى منها 11 عامًا منذ اعتقاله في عام 2014. وقد وافته المنية يوم الأحد 1 مارس 2026 أثناء أداء صلاة التراويح داخل السجن، وفق ما أفادت به مصادر حقوقية. وأثارت وفاته تساؤلات حول ظروف الاحتجاز والرعاية الصحية المقدمة للمعتقلين، خاصة في السجون المشددة التي تتعرض لانتقادات متكررة من منظمات حقوق الإنسان.

 

من جانبها، أعربت منظمة عدالة لحقوق الإنسان عن قلقها البالغ إزاء تكرار الوفيات داخل السجون المصرية، مؤكدة أن وقوع الوفاة داخل محبس شديد الحراسة يضع المسؤولية الكاملة على عاتق الجهة القائمة على الاحتجاز، باعتبارها المسؤولة قانونًا عن سلامة المحتجزين وتوفير الرعاية الصحية والمتابعة الطبية المنتظمة لهم. وشددت المنظمة على أن حياة المحتجز ليست شأنًا إداريًا، بل التزام قانوني واجب النفاذ لا يسقط بأي مبرر.

 

وقالت المنظمة إن وفاة محتجز بعد أحد عشر عامًا من الحبس، كما في حالة إبراهيم هاشم السيد، تفرض ضرورة فتح تحقيق جاد وشامل في عدة نقاط أساسية، من بينها:

 

– مدى تلقي المتوفى رعاية طبية دورية ومتابعة صحية منتظمة خلال سنوات احتجازه. 

– طبيعة الاستجابة الطبية داخل السجن وقت تعرضه للأزمة الصحية التي سبقت وفاته. 

– مدى توافر التجهيزات الطبية الملائمة للتعامل مع الحالات الطارئة داخل السجن، خاصة في أماكن الاحتجاز المشددة.

 

وطالبت المنظمة باتخاذ خطوات عاجلة لضمان الشفافية والمساءلة، تشمل:

 

– فتح تحقيق قضائي مستقل وشفاف في أسباب الوفاة وملابساتها. 

– إعلان نتائج التحقيق للرأي العام دون تأخير أو انتقاص. 

– تمكين أسرة المتوفى من الاطلاع على التقرير الطبي الشرعي كاملًا. 

– إجراء مراجعة شاملة لأوضاع الرعاية الصحية داخل السجون، خصوصًا في السجون شديدة الحراسة التي تتكرر فيها الوفيات.

 

وأكدت المنظمة أن أي وفاة داخل السجن، مهما كانت ملابساتها، تخضع للمساءلة القانونية الكاملة، لأن الدولة — بموجب القانون — تتحمل مسؤولية مباشرة عن حياة كل من تضعه قيد الاحتجاز، وأن تجاهل هذه المسؤولية يفتح الباب أمام استمرار ما وصفته بـ **"حلقة الوفيات الناتجة عن الإهمال الطبي الممنهج"**.

 

 

وفاة عبدالعال خضيرة داخل سجن برج العرب

 

شهدت السجون المصرية خلال الأشهر الأخيرة سلسلة من الوفيات التي سلطت الضوء على ملف الإهمال الطبي داخل أماكن الاحتجاز، وفي مقدمتها سجن برج العرب وسجن بدر. ومن أبرز هذه الحالات وفاة المعتقل **عبدالعال خضيرة**، وكيل أول وزارة النقل والمواصلات سابقًا، الذي توفي في 31 يناير 2026 بعد تدهور حالته الصحية، بينما أُعلن رسميًا عن وفاته في 21 فبراير.

 

كان خضيرة معتقلًا منذ 3 مايو 2016، وعانى طوال عام كامل من التهاب كبدي وبائي دون استجابة لطلباته المتكررة بالعلاج، ما أدى إلى إصابته بتسمم في الدم انتهى بوفاته داخل محبسه. ودُفن في مسقط رأسه بقرية وردان بمنشأة القناطر بمحافظة الجيزة في الأول من فبراير، وسط حالة من الحزن والغضب بين أهله ومعارفه.

 

أثارت وفاته موجة واسعة من التعليقات على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر ناشطون أن ما حدث يمثل منظومة قتل بطيء" داخل السجون، وأن الإهمال الطبي لم يعد مجرد خطأ إداري بل سياسة ممنهجة تحرم السجناء من حقهم في العلاج. وكتب أحد المعلقين: "كرامة الوطن من كرامة مواطنيه، أحياءً وأمواتًا"*، في إشارة إلى غياب الرقابة والمحاسبة.

 

 

وفاة العالم جلال عبدالصادق داخل مستشفى سجن بدر

 

وفي سياق متصل، وثّقت منظمات حقوقية وفاة العالم المصري **جلال عبدالصادق محمد السحلب** داخل مستشفى سجن بدر يوم 9 فبراير 2026، بعد نحو 13 عامًا من الاعتقال. كان السحلب، البالغ من العمر 71 عامًا، قد اعتُقل في نوفمبر 2013، وحوكم في أكثر من 20 قضية، وصدر بحقه حكم بالسجن 12 عامًا قضاها كاملة في سجن المنيا، قبل أن يُعاد تدويره على ذمة قضية جديدة عقب انتهاء مدة الحكم.

 

خلال فترة احتجازه في سجن بدر، أصيب السحلب بالشلل وتدهورت حالته الصحية بشكل كبير، وظل يعتمد على كرسي متحرك، بينما حُرم من العلاج اللازم رغم خطورة وضعه. ولم يُنقل إلى المستشفى إلا قبل وفاته بأيام قليلة، بعد أن وصلت حالته إلى مرحلة حرجة.

 

كان السحلب أستاذًا متفرغًا ورئيسًا سابقًا لقسم الفيزياء بكلية العلوم في جامعة أسيوط، وباحثًا بارزًا في فيزياء المواد والبلورات، وامتدت مسيرته الأكاديمية لأكثر من أربعة عقود. ورغم مكانته العلمية، لم يحصل على الرعاية الصحية التي يضمنها القانون للسجناء، ما أثار انتقادات واسعة حول تعامل السلطات مع كبار السن والمرضى داخل السجون.

 

 

سياسة ممنهجة

 

تشير تقارير هيومن رايتس إيجيبت إلى أن الإهمال الطبي داخل السجون المصرية ليس مجرد حالات فردية، بل يمثل سياسة ممنهجة تشمل تعطيل نقل المرضى، وحرمانهم من العلاج، وتجاهل الأمراض الخطيرة، إضافة إلى استخدام الحبس المطوّل والتدوير كأدوات ضغط. وتؤكد المنظمة أن ما يجري يمثل انتهاكًا صارخًا للحق في الحياة والرعاية الصحية المكفول دستوريًا.

ومن بين الحالات التي رُصدت مؤخرًا حالة الأكاديمي عبد الناصر مسعود سالم يوسف أستاذ كلية العلوم بجامعة طنطا، المحتجز منذ 2015 في سجن المنيا شديد الحراسة. يعاني يوسف من ضمور في خلايا المخ وتكيس في الغشاء العنكبوتي وقصور في الشرايين التاجية، وقد سقط مغشيًا عليه داخل محكمة جنايات دمياط إثر نوبة صرع حادة، في واقعة تعكس الإهمال رغم علم السلطات بخطورة حالته.

 

الإهمال الطبي يطال الجميع

 

أعربت المنظمة العربية لحقوق الإنسان عن قلقها الشديد إزاء التدهور الخطير في صحة الأكاديمية المصرية لدكتورة شيرين شوقي أحمد معوض، المحتجزة في سجن العاشر من رمضان. وكانت شيرين قد تعرضت لانهيار كامل وفقدان للوعي، ما استدعى نقلها إلى مستشفى السجن بعد احتجازها في ما يُعرف بـ "الإيراد"، حيث أُجبرت على النوم على البلاط دون فراش أو غطاء.

 

وأشار مركز الشهاب لحقوق الإنسان  إلى أن شيرين تعاني من فقر دم ومشكلات في الكبد والقلب نتيجة الإهمال الطبي، مطالبًا بنقلها فورًا إلى مستشفى متخصص وفتح تحقيق مستقل.

 

كما تستمر معاناة عائشة الشاطر، ابنة القيادي الإخواني خيرت الشاطر، المعتقلة منذ أكتوبر 2018 مع زوجها المحامي محمد أبو هريرة. وقد صدر بحقها حكم بالسجن 10 سنوات في مارس 2023 بتهم "تمويل إرهاب" و"الانضمام لجماعة إرهابية". وتعاني عائشة من مشكلات في النخاع الشوكي وفق روايات أسرتها، إضافة إلى حرمانها من زيارة أطفالها منذ اعتقالها. وتطالب منظمات حقوقية بالإفراج عنها، بينما تؤكد السلطات أن الحكم قانوني.