أثار حديث المنقلب السفاح السيسي عن تطوير السجون المصرية وتحويلها إلى ما سماه "مراكز للإصلاح والتأهيل" موجة واسعة من الانتقادات الحقوقية، في ظل ما تصفه منظمات محلية ودولية بأنه واقع قاسٍ يعيشه عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين داخل تلك السجون.
وخلال حفل إفطار نظمته أكاديمية الشرطة بحضور قيادات وزارة الداخلية وعدد من الوزراء وطلاب الأكاديمية، زعم السفاح السيسي إغلاق 48 سجناً قديماً وإنشاء ما بين 7 و8 مجمعات حديثة للإصلاح والتأهيل، مشيراً إلى أن الهدف منها توفير "حياة راقية للنزلاء"، مؤكداً أنه يرفض وصفهم بـ"المسجونين".
وزعم السيسى أن هذه المراكز تهدف إلى إعادة تأهيل المحتجزين بدلاً من أن تتحول السجون إلى "مدارس لتخريج مجرمين أكثر قسوة"، مشيراً إلى ضرورة أن يرى طلاب الجامعات كيف "تحترم الدولة الإنسان حتى لو كان مذنباً".
انتقادات حقوقية وتشكيك في الرواية الرسمية
غير أن هذا الخطاب الرسمي قوبل بانتقادات حادة من منظمات حقوقية، اعتبرت أن الحديث عن تحسين أوضاع السجون يتجاهل تقارير عديدة توثق انتهاكات داخل مراكز الاحتجاز، خصوصاً مع وجود تقديرات تشير إلى أن عدد المعتقلين السياسيين في مصر يقترب من 100 ألف شخص.
وتشير تلك التقارير إلى شكاوى متكررة من الإهمال الطبي، والحرمان من الزيارات المنتظمة، والقيود المفروضة على إدخال الأدوية والطعام، فضلاً عن حالات وفاة داخل السجون نتيجة تدهور الأوضاع الصحية للمعتقلين.
وفي تقرير صدر عام 2022، وصفت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أوضاع السجون الجديدة بأنها "مزرية"، معتبرة أن السلطات استخدمت إنشاء تلك المجمعات في حملات دعائية تهدف إلى تحسين صورتها في ملف حقوق الإنسان.
كما أفادت تقارير حقوقية مصرية بأن أنظمة الرقابة الإلكترونية المستخدمة داخل بعض المجمعات الحديثة تحولت إلى أدوات عقابية إضافية، خصوصاً في مجمع سجون بدر، حيث اشتكى محتجزون من القيود المفروضة على التواصل مع أسرهم ومنع التريض وتقليص الرعاية الطبية.
وفيات وإضرابات عن الطعام
وأحصت تقارير حقوقية عشرات الوفيات داخل السجون خلال السنوات الأخيرة نتيجة الإهمال الطبي وسوء ظروف الاحتجاز، كما شهدت بعض السجون إضرابات عن الطعام ومحاولات انتحار بين المعتقلين احتجاجاً على الأوضاع.
وفي عام 2025 رصد تقرير حقوقي نحو 50 حالة وفاة داخل السجون المصرية خلال عام واحد، بينها عدة حالات في مجمع سجون بدر.
كما طالبت منظمات حقوقية مصرية ودولية بفتح السجون أمام جهات مستقلة مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر للتحقق من الأوضاع داخلها، في ظل ما وصفته بتزايد الشكاوى من الانتهاكات.
رسائل سياسية وضغوط خارجية
ويرى حقوقيون أن خطاب السلطة حول "مراكز الإصلاح والتأهيل" يحمل أبعاداً سياسية ودعائية، خصوصاً في ظل الضغوط الدولية التي تعرضت لها القاهرة في ملف حقوق الإنسان خلال السنوات الأخيرة.
ويشير بعضهم إلى أن بناء السجون الجديدة في مناطق صحراوية بعيدة عن المدن قد يكون مرتبطاً أيضاً باعتبارات أمنية، بالإضافة إلى صعوبة وصول أسر المعتقلين إليها، ما يضاعف معاناتهم في زيارة ذويهم.
أصول عقارية للسجون القديمة
وبالتوازي مع إنشاء المجمعات الجديدة، جرى إغلاق عدد من السجون القديمة الواقعة في مناطق مركزية بالقاهرة ومدن أخرى، مثل مجمع سجون طرة وسجون القناطر، مع نقل ملكية بعض أراضيها إلى جهات حكومية وصناديق سيادية لإعادة استغلالها في مشروعات استثمارية وعقارية.
ويرى مراقبون أن هذه الأراضي تمثل أصولاً عقارية ثمينة، وهو ما يثير تساؤلات حول الأبعاد الاقتصادية لعملية نقل السجون من قلب المدن إلى المناطق الصحراوية.
تساؤلات حول تجاهل ملف المعتقلين
في المقابل، يلفت منتقدون إلى أن حديث السيسي عن تطوير السجون لم يتطرق إلى ملفات شائكة مثل الحبس الاحتياطي المطول، والإخفاء القسري، وتدوير المعتقلين في قضايا جديدة، وهي قضايا تثيرها منظمات حقوق الإنسان باستمرار.
كما يتساءل ناشطون عن سبب تجاهل أوضاع المعتقلين السياسيين، خاصة كبار السن والمرضى، في وقت تتجدد فيه الدعوات للإفراج عنهم لأسباب إنسانية.
ويرى منتقدو الخطاب الرسمي أن الفجوة بين الرواية الحكومية والتقارير الحقوقية تطرح سؤالاً أوسع: هل تعكس تصريحات السلطة واقع السجون في مصر، أم أنها محاولة لتقديم صورة مختلفة عن الواقع في ظل الانتقادات الدولية المتزايدة؟