الفضيحة فى زمن المنصات الرقمية لم تعد خبراً يُروى ثم يُنسى، بل أصبحت مشهداً يُعاد بثه بلا نهاية، ضغطة زر واحدة تكفى لتحويل لحظة غضب عابرة إلى عرض مفتوح أمام ملايين العيون، حيث تتشكل الأحكام سريعاً، وتتوارى التفاصيل، ويبقى الأثر النفسى يُلاحق الضحايا وأسرهم طويلاً، الكاميرا لم تعد مجرد وسيلة توثيق، بل أصبحت أداة تضخيم، تنقل الواقعة من نطاقها المحدود إلى ساحة عامة لا ترحم.
كان مقطع اعتداء أحد سكان كمبوند بالتجمع الخامس على فرد أمن إدارى قد تصدر المشهد، بعد أن وثقت الهواتف مشادة تحولت إلى سب وإهانة أمام المارة ، وأصبحت صورة الضحية تتكرر على الشاشات، فيما تعيش أسرته لحظة الإهانة وكأنها تتجدد مع كل إعادة نشر.
المشهد ذاته تكرر من قبل فى قرية ميت عاصم ببنها، حيث أجبر شاب على ارتداء ملابس نسائية والطواف به فى الشارع بعد الاعتداء عليه، فى واقعة وثقتها الهواتف وانتشرت سريعاً، توثيق هذا الاعتداء الجسدى ونشره ضاعف قسوته، وحول الإهانة من لحظة عابرة إلى مشهد دائم الحضور، يترك أثراً نفسياً يلاحق الضحية وأسرته.
المواطنون أعربوا عن قلقهم من انتشار مثل هذه المواد على الشبكات الرقمية، مشددين على أن تداول الصور والفيديوهات المثيرة للجدل يولد شعوراً بعدم الأمان النفسى، ويجعل أى واقعة بسيطة تتحول بسرعة إلى مادة تُلاحق صاحبها فى كل مكان.
فى المقابل حكومة الانقلاب ليس لها أى دور فى حماية المواطنين وتتجاهل هذه الوقائع رغم أنها قد تتسبب فى جرائم تهدد أمن المجتمع بالكامل .
ضغط نفسى
وحول هذه الأزمة قالت استشارى العلاقات الأسرية والإرشاد النفسى الدكتورة نادية جمال، إن تأثير تداول الصور أو مقاطع الفيديو المرتبطة بالوقائع الحساسة على الحالة النفسية للشخص المتضرر يختلف من فرد إلى آخر تبعاً لطبيعة شخصيته والسياق الاجتماعى الذى نشأ فيه، موضحة أن هناك شخصيات يهيمن عليها الخوف من نظرة المجتمع أو الإشارات إليها بوصفها محل حديث الآخرين ما يولد لديها ضغط نفسي حاد وشعور بالانكسار الداخلى بينما تركز شخصيات أخرى على صورتها الذهنية أمام الناس أكثر من تركيزها على حجم الضرر ذاته وقد تتعرض لأذى نفسى بالغ لكنها تميل إلى الكتمان ومحاولة إخفاء ما حدث حتى لا ينكشف الأمر أمام المحيطين بها.
وأضافت نادية جمال فى تصريحات صحفية أن هناك نمطاً مختلفاً من الشخصيات يتمتع بقدر أكبر من الوعى والقوة لا ينشغل بفكرة الوصمة المجتمعية بقدر ما ينشغل باسترداد حقه، هذا النمط يرى أن المواجهة الصريحة واللجوء إلى المسارات القانونية يمثلان الطريق السليم لرد الاعتبار ولا يتعامل مع نفسه باعتباره موصوماً بل يعتبر أن الوصمة انعكاس لثقافة تقليدية لم تعد منسجمة مع طبيعة المجتمع المعاصر ولذلك يتحرك بثقة ويدخل فى نقاشات علنية دون شعور بالخجل لأنه يدرك يقينا أنه تعرض لضرر ولم يكن طرفاً مخطئاً.
وأوضحت أن التأثير لا يقتصر على الشخص المتضرر وحده، بل يمتد إلى الأسرة المحيطة به، مؤكدة أن ردود أفعال الأسر تتباين وفقاً لمستوى الوعى والثقافة السائدة داخل كل بيت، فهناك أسر تتعامل مع الواقعة باعتبارها ضرراً وقع على أحد أفرادها فتقدم دعماً نفسياً ومعنوياً كاملاً ولا تلجأ إلى الاختباء أو الشعور بالخجل، بل تتعامل مع الأمر بصورة طبيعية ومتفهمة، بينما قد تتأثر أسر أخرى إذا ظلت أسيرة مفاهيم تقليدية تربط بين الحادث وفكرة العار، الأمر الذى يضاعف من حجم الضغط النفسى الواقع على الضحية.
الترند
وفيما يتعلق بدوافع نشر الفضائح والمحتوى المثير للجدل عبر مواقع التواصل الاجتماعى أكدت نادية جمال أن الدافع الأول يتمثل فى السعى وراء الترند، وتحقيق أكبر قدر من التفاعل، إلى جانب الانشغال المفرط بالسوشيال ميديا، والرغبة فى الإحساس بامتلاك دور أو تأثير فى الحدث، موضحة أن بعض الأشخاص يبررون النشر بدافع توثيق الواقعة أو مناصرة الضحية أو المطالبة بمحاسبة الجانى فى حين ينجرف آخرون خلف موجة المشاركة دون إدراك لخطورة إعادة النشر وما يترتب عليها من آثار نفسية واجتماعية ممتدة.
وحذرت من أن المسلسلات والأفلام إلى جانب السوشيال ميديا تؤدى دوراً مؤثراً فى تشكيل الوعى الجمعى لأن تكرار عرض فكرة بعينها بصور متعددة يرسخها فى الأذهان ويمنحها حضوراً متزايداً فى التفكير والسلوك، ومع كثافة التعرض قد يحدث نوع من التطبيع مع بعض المشاهد أو الاقتناع بها، بما ينعكس على طريقة التفكير والسلوك المجتمعى، مشددة على أن مواجهة هذه الظواهر لا تقتصر على الإجراءات القانونية الرادعة، بل تتطلب وعياً أسرياً وثقافياً ودعماً نفسياً حقيقياً يسهم فى حماية الضحايا والحد من آثار الوصمة وتعزيز مسارات التعافى النفسى والاجتماعى.
خط الدفاع الأول
أكد الدكتور على عبدالمنعم حسين أستاذ المناهج وطرق التدريس بكلية التربية جامعة الزقازيق أن السلوكيات عبر الشبكات الاجتماعية تنتشر بآلية تشبه انتقال العدوى، حيث يملك الفضاء الرقمى قدرة هائلة على تسريع تداول أى فكرة سواء كانت إيجابية أو سلبية تبعاً لحجم التفاعل معها، موضحاً أن بعض المحتويات مثل الميمات الساخرة قد تولد تحيزاً إدراكياً يؤثر فى فهم المتلقى للحدث وتفسيره دون أن يكون مدركاً ذلك.
وقال حسين فى تصريحات صحفية إن الإشكالية لا تكمن فى التكنولوجيا ذاتها بل فى ضعف الوعى بكيفية التعامل مع الرسائل المتداولة، مشيراً إلى أن التعليم القائم على التفكير النقدى وتنمية مهارات التحقق والتحليل يمثل خط الدفاع الأول فى مواجهة انتشار السلوكيات السلبية خاصة بين فئة الشباب بوصفهم الأكثر استخداماً للمنصات الرقمية.
وشدد على أن توجيه مسارات الانتشار الشبكى نحو ترسيخ القيم الإيجابية مسئولية مشتركة بين الأسرة والمؤسسة التعليمية ووسائل الإعلام لضمان ألا يتحول الفضاء الرقمى إلى بيئة خصبة لإعادة إنتاج أنماط سلوكية تتعارض مع استقرار المجتمع وأمنه الثقافى والاجتماعى.