الأول على دفعته في "طب الأزهر".. و18 يومًا من الإخفاء والتعذيب غيّرت مصيره
في الثامن من مارس 2014، كان عبدالرحمن محمد عطية، طالب الفرقة الرابعة بكلية الطب في جامعة الأزهر، يسير بخطى ثابتة نحو مستقبل بدا واعدًا للجميع. شاب لم يتجاوز الثالثة والعشرين من عمره، حصل على 97% في الثانوية الأزهرية، وتصدر دفعته في كلية الطب لثلاث سنوات متتالية بتقدير امتياز، حتى أصبح نموذجًا للتفوق بين زملائه وأساتذته.
لكن الرحلة التي بدأت بحلم "الطبيب النابغ" توقفت فجأة داخل إحدى عربات مترو الأنفاق في القاهرة، حين اختفى عبدالرحمن بشكل مفاجئ بعد توقيفه من قبل قوات الأمن، لتبدأ أسرته أيامًا ثقيلة من البحث والقلق، دون أي معلومة عن مكان احتجازه أو حالته.
لمدة 18 يومًا، ظل عبدالرحمن مختفيًا قسرًا، بحسب رواية أسرته ومحاميه، قبل أن تتمكن العائلة بعد أربعة أيام من اختفائه من معرفة مكان وجوده عبر المحامي، الذي سُمح له بحضور مكالمة قصيرة مع والدته يوم الأربعاء 12 مارس 2014.
في تلك المكالمة المقتضبة، حاول الشاب أن يطمئن والدته بكلمات بدت أقرب إلى وصية صبر وثبات، فقال:
"السلام عليكم، ازيك يا أمي، اطمني أنا بخير والحمد لله، وعفوًا يا أمي إني سببت لك قلق اليومين اللي فاتوا لأني مقدرتش أطمنك عليّ، اللي أنا فيه دلوقتي هو بداية الثبات اللي إنتِ ربتينا عليه".
تعذيب وتحقيقات تحت الإكراه
بحسب شهادات أسرته ودفاعه، تعرض عبدالرحمن خلال فترة احتجازه داخل مقر أمن الدولة إلى صنوف متعددة من التعذيب، شملت السحل والتعليق والصعق بالكهرباء والتهديد بأفراد أسرته، في محاولة لإجباره على الاعتراف بجرائم يؤكد مقربون منه أنه لم يرتكبها.
ووفقًا للروايات المتداولة عن القضية، لم يُسمح لأي شخص برؤيته أو الاطمئنان عليه طوال فترة احتجازه الأولى، بينما بثت وزارة الداخلية لاحقًا مقطع فيديو ظهر فيه عبدالرحمن إلى جانب ثلاثة شبان آخرين، وسط اتهامات حقوقية بأن الاعترافات الواردة جاءت تحت وطأة التعذيب.
وُجهت لعبدالرحمن اتهامات تتعلق باغتيال رقيب شرطة، والانضمام إلى جماعة أُسست على خلاف القانون والدستور، وحيازة أسلحة نارية ومواد مفرقعة، وهي الاتهامات التي أصبحت لاحقًا أساس الحكم الصادر بحقه.
"مشروع طبيب".. يتحول إلى متهم بالإعدام
منصة جِوار وصفت عبدالرحمن بأنه "مشروع طبيب نابغ"، مؤكدة أن المحكمة اعتمدت على تحريات أمنية واعترافات قالت إنها انتُزعت تحت التعذيب، في حين تجاهلت – بحسب الرواية المنشورة – طلبات إثبات الانتهاكات أو عرضه على الطب الشرعي.
وتقول أسرته إن القضية لم تكن مجرد محاكمة لشاب متهم، بل تحوّل كامل في مصير عائلة كانت تنتظر يوم تخرجه وتفوقه المهني، قبل أن تجد نفسها أمام أحكام نهائية بالإعدام.
"حين يتحدث ينصت الجميع"
بعيدًا عن أوراق القضية والاتهامات، يحتفظ من عرفوا عبدالرحمن بصورة مختلفة تمامًا. يتحدث أصدقاؤه وزملاؤه عن شاب هادئ، شديد التواضع، حاضر الذهن، يبعث الأمل فيمن حوله.
ويروي مقربون منه أن اسمه ارتبط دائمًا بالأخلاق والاحترام والرقة، حتى إن كبار السن – وفق وصفهم – كانوا ينصتون إليه بإعجاب حين يتحدث، وكأنه معلم يزرع فيمن حوله التفاؤل والإصرار واليقين.
وفي خلفية هذه المأساة، كانت العائلة تعيش جرحًا آخر، إذ إن شقيقه عبدالله كان معتقلًا أيضًا منذ أغسطس 2013، ما جعل الأسرة تواجه سنوات متواصلة من القلق والانتظار والخوف على مصير أبنائها.
وبين حلم الطب الذي بدأ بتفوق لافت، وزنازين التحقيق والمحاكم، بقيت قصة عبدالرحمن عطية بالنسبة لكثيرين رمزًا لشاب يقول محبوه إن مستقبله سُلب منه قبل أن يبدأ.