الجيش يتوسّع في التعليم العالي.. جامعة جديدة تثير جدل «العسكرة»

- ‎فيبيانات وتصريحات

خبراء يحذرون من تمدد المؤسسة العسكرية إلى الجامعات وتحويل التعليم إلى مجال جديد للنفوذ والاستثمار

يمضي الجيش المصري في توسيع حضوره داخل قطاعات مدنية عدة، وفي مقدمتها التعليم العالي، مع إقرار البرلمان نهائياً مشروع قانون إنشاء جامعة «كيان» للقوات المسلحة للعلوم التطبيقية، في خطوة تعكس استمرار التوسع المؤسسي للمؤسسة العسكرية خارج نطاق اختصاصها التقليدي.

وتقول الحكومة: "إن الجامعة الجديدة تستهدف دعم منظومة التعليم العالي والبحث العلمي، وإعداد كوادر مؤهلة في التخصصات التطبيقية الحديثة، بما يتوافق مع احتياجات سوق العمل ويدعم خطط التنمية".

لكن منتقدين يرون أن إنشاء جامعة جديدة تابعة للقوات المسلحة يكرس ما يصفونه بتزايد نفوذ المؤسسة العسكرية داخل منظومة التعليم، ويفتح الباب أمام تعدد الأطر القانونية والمالية التي تحكم الجامعات، بما قد يؤدي إلى إضعاف مبدأ تكافؤ الفرص، فضلاً عن توسيع النشاط الاقتصادي للمؤسسة العسكرية ليشمل قطاعاً حيوياً مثل التعليم.

نقل كلية الطب بالقوات المسلحة إلى الجامعة الجديدة

وينص القانون على إنشاء جامعة «كيان» وتنظيمها وفق أحكام القانون الجديد والقانون المرافق له، كما ينقل تبعية كلية الطب بالقوات المسلحة، التي أنشئت بموجب القانون رقم 74 لسنة 2013، إلى الجامعة الجديدة.

ويشمل النقل أصول الكلية وممتلكاتها وحقوقها والتزاماتها، إلى جانب انتقال أعضاء هيئة التدريس والعاملين إلى كلية الطب بالجامعة الجديدة، مع الإبقاء على أوضاعهم الوظيفية وميزانياتهم المالية.

كما يحتفظ الطلاب والدارسون والمتدربون المقيدون بكلية الطب بالقوات المسلحة بمراكزهم القانونية المكتسبة، فيما يُلغى القانون السابق المنشئ للكلية، على أن يبدأ العمل بالقانون الجديد اعتباراً من العام الجامعي 2026-2027.

ويمنح القانون الجامعة صلاحيات إنشاء كليات ومعاهد ومراكز تعليمية وبحثية جديدة أو ضم مراكز قائمة إليها، في توسع قد يجعلها مؤسسة تعليمية متكاملة ذات نطاق واسع داخل قطاع التعليم العالي.

وتضم الجامعة، وفق مشروع القانون، عدداً من الكليات في تخصصات الطب وطب الفم والأسنان والعلاج الطبيعي والصيدلة والهندسة والحاسبات والذكاء الاصطناعي وغيرها من التخصصات التطبيقية.

«العسكرة» تمتد إلى التعليم

ويرى منتقدون أن إنشاء الجامعة يمثل حلقة جديدة في مسار تمدد المؤسسة العسكرية داخل الاقتصاد والقطاعات المدنية، إذ لم يعد حضورها مقتصراً على المجالات الدفاعية، بل امتد خلال السنوات الماضية إلى قطاعات اقتصادية وخدمية متعددة.

ويأتي التوسع في التعليم في وقت تعاني فيه الجامعات المصرية من أزمات مرتبطة بالتمويل، وارتفاع أعداد الطلاب، وتراجع الإنفاق على البحث العلمي، وهو ما يثير تساؤلات حول جدوى إنشاء مؤسسات تعليمية جديدة بأطر قانونية ومالية مختلفة بدلاً من تطوير الجامعات القائمة.

كما يطرح دخول المؤسسة العسكرية إلى قطاع التعليم تساؤلات حول طبيعة المعايير التي ستخضع لها الجامعات التابعة لها، ومدى خضوعها لقواعد موحدة مع باقي مؤسسات التعليم العالي، خصوصاً فيما يتعلق بالقبول والتمويل والرقابة الأكاديمية والإدارية.

تحذيرات من تعدد المعايير

ورفض حزب العدل مشروع القانون، إذ قال رئيس هيئته البرلمانية محمد فؤاد: "إن التوسع في إنشاء الجامعات يجب أن يستند إلى معايير واضحة وموحدة تضمن جودة التعليم وتكافؤ الفرص".

وأكد فؤاد أن سوق التعليم يشهد منافسة متزايدة، وأن هذه المنافسة يجب أن تقوم على قواعد ثابتة لا تتغير من مؤسسة إلى أخرى، محذراً من أن إنشاء جامعات بأطر قانونية ومالية مختلفة قد يؤدي إلى تعدد النماذج داخل منظومة التعليم العالي، ويزيد الأعباء التنظيمية والإدارية.

ورغم إشادته بالدور الذي تقوم به القوات المسلحة، شدد فؤاد على ضرورة أن تظل إدارة منظومة التعليم العالي ضمن المسار المؤسسي المتخصص، بما يضمن الكفاءة واستدامة التطوير.

توسع عسكري في ظل أزمة التعليم

ويشير هذا الجدل إلى مفارقة أوسع في المشهد المصري؛ فبينما تواجه الجامعات الحكومية تحديات مالية وضغوطاً متزايدة على قدرتها الاستيعابية، تتوسع الدولة في إنشاء مؤسسات تعليمية جديدة تابعة لجهات مختلفة، في وقت تتزايد فيه انتقادات بشأن تراجع جودة التعليم وضعف الإنفاق على البحث العلمي.

ويقول منتقدون: "إن المشكلة لا تتعلق فقط بإنشاء جامعة جديدة، وإنما بطبيعة الدور الذي باتت تلعبه المؤسسة العسكرية في المجالات المدنية، معتبرين أن توسعها في التعليم يضيف قطاعاً جديداً إلى شبكة النفوذ الاقتصادي والإداري التي ترسخت خلال السنوات الماضية".

وتأتي جامعة «كيان» في سياق توسع لافت في عدد مؤسسات التعليم العالي في مصر، التي باتت تضم 128 جامعة، بينها 28 جامعة حكومية و32 جامعة أهلية و37 جامعة خاصة و12 جامعة تكنولوجية، إلى جانب 9 فروع لجامعات أجنبية و10 جامعات أنشئت بموجب اتفاقيات تعاون دولي.

وفي ظل هذا التوسع، يظل السؤال المطروح هو ما إذا كانت زيادة عدد الجامعات ستقود فعلاً إلى تحسين جودة التعليم والبحث العلمي، أم أنها ستؤدي إلى مزيد من تشظي المنظومة وتعدد الجهات صاحبة النفوذ فيها، خصوصاً مع دخول المؤسسة العسكرية بقوة إلى قطاع جديد يفترض أن تكون معاييره الأكاديمية والعلمية هي الحاكمة له.