قال الدكتور أنس التكريتي رئيس مركز قرطبة لحور الثقافات: "إن هناك محاولات حثيثة لزراعة مفاهيم دخيلة حول الإسلام، وصناعة نموذج مشوه أو بديل له عبر قراءات فكرية وفقهية مستحدثة تصب في اتجاه العلمنة الناعمة، بهدف إضعاف تماسك نحو ملياري مسلم يجمعهم كتاب وقبلة ومنهج واحد."
وتتسرب هذه العلمنة الناعمة بحسب "التكريتي" عبر أدوات القوة الناعمة، مثل شبكات التواصل الاجتماعي، وبرامج دعم صناع المحتوى والمؤثرين الشباب؛ لتقديم صورة إيحائية ومخففة للدين تنزع عنه أبعاده التشريعية والسياسية والارتباطية العميقة، وتقدمه في قالب مستأنس يتماشى مع المنظومة الرأسمالية والعولمية الاستهلاكية.
ويرى التكريتي أن هذه الجهود لا تستهدف التنظيمات السياسية وحدها، بل تمتد لتستهدف القيم والأفكار والمرجعيات الأساسية للأمة، مستغلة التمويلات الأجنبية وشروط "المجتمع المدني الدولي" للضغط على المجتمعات وإجبارها على تقديم تنازلات تمس هويتها الثقافية والدينية.
ويشهد المشهد الفكري والسياسي المعاصر تحولات جذرية عميقة تتجاوز حدود المواجهات التقليدية لتستقر في عمق أدوات القوة الناعمة، حيث تشكل المنصات الإعلامية الرقمية ومراكز الأبحاث الدولية رأس الحربة في تفكيك وتسييل المفاهيم الثابتة للمشروع الإسلامي.
وفي هذا السياق التحليلي الشامل، يقرأ الدكتور أنس التكريتي، رئيس مؤسسة قرطبة لحوار الثقافات، أبعاد الهجمة الممنهجة التي تتعرض لها المنظومة الإسلامية، موضحاً كيف تحولت المصطلحات والمفاهيم إلى أدوات سياسية بحتة تُدار بغرض تطويع الهوية الثقافية وصياغة وعي الأجيال الجديدة وفق مقاسات العولمة والدوائر الغربية والاقليمية المرتبطة بها
سقوط أقنعة التضليل الرقمي
وأكد أنس التكريتي في حوار مع أن الأمة تتعرض لعلمنة ناعمة تلتف على الوعي بالمشروع الإسلامي، موضحاً أن المشهد الفكري والسياسي المعاصر يشهد تحولات جذرية عميقة تتجاوز حدود المواجهات التقليدية لتستقر في عمق أدوات القوة الناعمة.
وتتشكل هذه الهجمة من خلال المنصات الإعلامية الرقمية ومراكز الأبحاث الدولية التي تمثل رأس الحربة في تفكيك وتسييل المفاهيم الثابتة للمشروع الإسلامي.
وفي هذا السياق التحليلي الشامل، يقرأ المحلل السياسي ورئيس مؤسسة قرطبة لحوار الثقافات أبعاد الاستهداف الممنهج الذي تتعرض له المنظومة الإسلامية، مبيناً كيف تحولت المصطلحات والمفاهيم إلى أدوات سياسية بحتة تُدار بغرض تطويع الهوية الثقافية وصياغة وعي الأجيال الجديدة وفق مقاسات العولمة والدوائر الغربية والإقليمية المرتبطة بها.
الاستهداف بمصطلح "التطرف غير العنيف"
تتحرك الدوائر السياسية والفكرية الغربية والإقليمية بخطط متلاحقة لإعادة هندسة المجتمعات الإسلامية من الداخل عبر تفكيك مرجعياتها الكبرى، وقد برز ذلك جلياً منذ أزمة "الحرب على الإرهاب" عبر استغلال التنوع والتعددية داخل الفكر الإسلامي لضرب التيارات بعضها ببعض.
ويشير إلى أنه في تسعينيات القرن الماضي ومطلع الفترات اللاحقة، جرى الترويج لتيارات معينة بوصفها ممثلة للإسلام المعتدل والمحبب لعدم اشتغالها بالسياسة، بينما صيغت تصنيفات متطرفة وراديكالية لكل من يخرج عن هذه الدائرة المرسومة، لتتوسع لاحقاً دائرة الاستهداف وتشمل التيارات الوسطية ذات الحضور الجماهيري الواسع.
يرى أنه لم تعد هذه الممارسات مجرد اجتهادات أكاديمية، بل تحولت إلى سياسات رسمية ومصطلحات مسيّسة مثل "التطرف غير العنيف" التي أطلقها توني بلير وتبناها لاحقاً قادة غربيون لتجريم كل انتماء سياسي ذي مرجعية إسلامية وتقييده في مناطق رمادية تفتقر لأي أصل منهجي سليم.
المنصات الإعلامية والسرديات الموجهة
على الصعيد الإعلامي، تلعب المنصات الدولية والإقليمية دوراً محوريًا في ترسيخ هذه السرديات الموجهة عبر صكوك براءة تمنح للأنظمة التي حاربت الحركات الإسلامية الوسطية وجرّمتها
وتعتمد هذه الآليات بتصور التكريتي على تحميل الحركات الإسلامية وزر الأزمات الكبرى والثورات والكوارث السياسية التي عصفت بالمنطقة العربية خلال العقدين الأخيرين، لتصوير تلك الحركات بوصفها مصدراً دائماً للفوضى والإرهاب.
وفي المقابل، تتعامل هذه المنصات مع المشاهد الغربي بسطحية تمنعه من إدراك التعقيدات الحقيقية للمشهد، مكتفية بتداول مصطلحات فضفاضة مثل الأصولية والراديكالية، وهو ما امتد وتوسع عبر شبكات التواصل الاجتماعي والإعلام الجديد الذي فرض نفسه كمصدر رئيس لتشكيل وعي الشريحة الأوسع من الشباب والناشئة.
العلمنة الناعمة
مع تصاعد هذه التحديات، دخلت الهجمة مرحلة جديدة تتمثل في محاولات "العلمنة الناعمة" وتسييل المفاهيم الثابتة من خلال دعم منصات رقمية ومؤثرين شباب لتقديم قراءات مستحدثة ومبتسرة للنص الديني، ويعتمد هذا الاختراق الثقافي على تمرير رسائل مبطنة لا تصطدم بشكل مباشر مع العقيدة، بل تسعى لتقديم نموذج مشوه ومستأنس للدولة الإسلامية والمجتمع المسلم بما يتماشى مع المنظومة الاستهلاكية الرأسمالية.
غير أن الأحداث الكبرى، وتحديداً "طوفان غزة"، أسقطت أقنعة الكثير من صناع المحتوى الممول وأحدثت صدمة شعبية عارمة أعادت فرز المشهد وأسقطت شرعية السطحيين والترفيهيين في عيون الجيل الجديد الذي بات أكثر وعياً ويقظة في مواجهة محاولات طمس الهوية.
معاهد أبحاث ومراكز تفكير غربية
لا تنفصل هذه السياسات عن الأدوار الخطيرة التي تلعبها معاهد التفكير ومراكز الأبحاث الدولية الكبرى، مثل مؤسسة "راند"، التي تقدم توصيات استراتيجية للحكومات الغربية لهندسة الفضاء الإسلامي ومواجهة ما تصفه بالخطر الديموغرافي والثقافي.
تسعى هذه المراكز بكل ما تملكه من تمويلات ضخمة وارتباطات وثيقة بالدوائر الرأسمالية العالمية إلى ضرب تماسك المنظومة القيمية الإسلامية التي تقف حائلاً أمام التوحش الاستهلاكي والعولمي.
التمويلات الأجنبية للتجفيف
وتتكامل الجهود السابقة مع أدوات التمويل الأجنبي وشروط المجتمع المدني الدولي التي تُستخدم كورقة ضغط سياسية واقتصادية لإجبار الحكومات والمجتمعات على تقديم تنازلات جذرية تمس هوية الأسرة والمرأة والحريات، بغرض إضعاف الحركات الإسلامية وتجفيف منابع تأثيرها الشعبي والروحي، وإعادة صياغة الهوية لتنسجم بالكامل مع متطلبات النظام العالمي المهيمن.
https://insan-center.org/%d8%ad%d8%b1%d9%88%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a7%d8%b9%d9%85%d8%a9-%d9%88%d9%85%d8%ae%d8%a7%d8%b7%d8%b1-%d8%aa%d9%81%d9%83%d9%8a%d9%83-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b4%d8%b1/