سحق لحساب العصابة وأصحاب الثروات.. "السيسي" قائد قطار الجباية لتركيع الفقراء
لا تقتصر الأعباء المالية المستحدثة على مجرد قرارات اقتصادية عابرة، بل تبدو كحملة استنزاف ممنهجة وموجهة بوعي تام نحو سحق الطبقات الفقيرة ومحدودة الدخل، بالتوازي مع التغاضي التام عن إخضاع حيتان المال ورجال الأعمال والأثرياء لأي التزامات ضريبية حقيقية تناسب حجوم ثرواتهم.
هذا الانحياز الطبقي الفج يتجسد بوضوح في نقل كلفة الأزمات الاقتصادية إلى كاهل البسطاء؛ فرسوم استخراج الأوراق الرسمية، ورفع أسعار الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والكهرباء، وصولاً إلى إبداعات الجباية الجديدة في الموانئ والمرور، والرسوم الجائرة على "محاولات التحسين" في التعليم الأزهري، كلها أدوات تصب في قالب واحد: تجفيف منابع ما تبقى لدى الفقراء من مدخرات ضئيلة.
وفي المقابل، يمنح السيسي عبر عقد كل التسهيلات لرجال الأعمال وأصحاب الثروات في مشهد يعكس أعمق حالات الخلل الهيكلي في العدالة الاجتماعية، تتكشف يوماً بعد يوم ملامح سياسة مقصودة وممنهجة يقودها رئيس الانقلاب.
الضغوط المالية المتصاعدة على المواطنين والمستثمرين، تتجاوز في طبيعتها مفهوم الضرائب التقليدية أو الرسوم الخدمية المعتادة. ويتجلى هذا النمط في شبكة معقدة من الجبايات الرسمية وغير الرسمية، والرسوم المستحدثة عبر قطاعات الحاويات والنقل، وصولاً إلى التعقيدات العمرانية والتعليمية، مما يخلق حالة من اختلال التوازن التعاقدي والمالي في العلاقة بين المواطن والدولة.
موجة متصاعدة من الرسوم
تشهد القطاعات الحكومية والخدمية طوفاناً من القرارات المتتالية التي تستحدث رسوماً جديدة أو ترفع القائم منها بنسب قياسية: القطاع التجاري والموانئ
رسوم شركة الإسكندرية لتداول الحاويات: اعتمدت الشركة حزمة من الرسوم المستحدثة والزيادات الفورية (بدءاً من سبتمبر المقبل):
فرض 15 دولاراً للحاوية الصادر سعة 20 قدماً، و20 دولاراً للحاوية سعة 40 قدماً.
رسوم تتراوح بين 10 إلى 20 دولاراً لتعتيق الحاوية الفارغة واستبقائها بساحة الكشف.
رسوم خروج الحاويات للوزن بواقع 30 دولاراً (سعة 20 قدماً) و60 دولاراً (سعة 40 قدماً).
زيادة رسوم خدمات الكشف والمعاينة لتصل إلى 32 دولاراً (20 قدماً) و64 دولاراً (40 قدماً).
إشغالات السواحل: قفزت رسوم إشغالات المساحات المفتوحة في مناطق مثل "مارينا" و"مرابيلا" من 3 جنيهات إلى 20 جنيهاً للمتر يومياً، مسجلة نسبة زيادة فلكية تقارب 567%.
التعليم وبكالوريا الأزهر
وفرضت وزارة التربية والتعليم رسوم جديدة لاستخراج الأوراق الرسمية (100 جنيه لبيان النجاح، 150 لتعديل الاسم، 300 لكشف الدرجات المترجم، و80 للتصديق).
وحددت وزارة التعليم العالي 800 جنيه لكل اختبار قدرات للتقديم للكليات (غير قابلة للاسترداد).
وفي البكالوريا الأزهرية (2026/2027) فتضمن النظام الجديد الذي اعتمده المجلس الأعلى للأزهر فرض رسوم بقيمة 500 جنيه لكل مادة في محاولات إعادة الامتحان أو التحسين، وهو ما اعتبره مراقبون بوابة لفرض أعباء مالية تفاضلية تكرس التمييز بين القادرين وغير القادرين.
تنازلات الوحدات
أقرت وزارة الإسكان رسوماً تعادل 1% من قيمة الوحدة لنقل الملكية للأقارب من الدرجة الأولى (بحد أدنى 5 آلاف جنيه)، وترتفع النسبة إلى 10% في حالات التنازل لغير أقارب الدرجة الأولى.
تستهدف الحكومة من هذه الرسوم وحدها تحصيل نحو 7 مليارات جنيه خلال خمس سنوات.
قطاعات متفرقة (المرور، السياحة، والكهرباء)
وفرض المرور رسم بقيمة 101 جنيه تحت بند "الفحص الأمني" عند تجديد الرخص، بجانب رفع أسعار أدوات الأمان الإلزامية.
وأقرت السياحة رسوم تتراوح بين 5 آلاف و30 ألف جنيه على الحافلات السياحية مقابل تركيب أجهزة التتبع الآلي (GPS).
وطبقت الكهرباء شرائح محاسبية ترفع التكلفة بنسبة 20% على الأنشطة التجارية كثيفة الاستهلاك في ساعات الذروة.
التحول الرقمي للجباية
وتظل "الإكراميات" و"الواسطة" عائقاً مالياً خفياً وشرطاً إلزامياً لإنهاء المعاملات البسيطة مثل مقايسات الكهرباء والمياه، مما يثقل كاهل المواطن بتكاليف غير شفافة خارج الأطر الدستورية والقانونية.
وأعلن مطار القاهرة الدولي بدء تطبيق منظومة رقمية لإصدار طوابع التأشيرة للوافدين الأجانب عبر رمز الاستجابة السريع (QR Code) وماكينات الخدمة الذاتية، مما يضمن كفاءة أعلى في التحصيل المالي المباشر وإحكام الرقابة الإيرادية.
نموذج "الحي اللاتيني"
تتجاوز الأزمة حدود الرسوم النقدية المباشرة لتصل إلى بنود التعاقد في المشروعات القومية الكبرى، وتحديداً في مشروع "الحي اللاتيني" بمدينة العلمين الجديدة (الذي تنفذه شركتا "سيتي إيدج" التابعة لصندوق مصر السيادي وهيئة المجتمعات العمرانية، و"السعودية المصرية للتعمير"):
ويشتكي الملاك من فرض شروط قاسية تجيز للشركة سحب الوحدة السكنية عند التأخر في سداد قسطين فقط مع خصم 10% من قيمة الوحدة، بينما لا توجد غرامات أو التزامات حقيقية مفروضة على الشركة في حال تأخرها المبالغ فيه عن مواعيد التسليم المحددة.
وفوجئ المشترون بردم أجزاء من بحيرة "اللاجون" الصناعية التي سددوا ثمن وحداتهم بناءً على التمتع بإطلالتها، وتحويلها إلى شاطئ خاص محظور استخدامهم له.
وقوبلت استغاثات الملاك لرئاسة مجلس الوزراء ووزارة الإسكان بصمت إداري، تزامن مع إعلانات رسمية عن جاهزية المشروع وتسليم آلاف الوحدات دون حل جذري للنزاعات القائمة.
اشتراطات البناء الإضافية
وتضم منظومة الأعباء المالية متطلبات ترخيص البناء الاستثنائية؛ إذ تفرض الجهات المعنية (مثل الهيئة الهندسية للقوات المسلحة في بعض المحافظات كالمحافظات الإقليمية) رسوم وموافقات إلزامية للأبنية ذات الارتفاعات المحددة (من 5 إلى 7 أدوار)، بينما تتطلب الأدوار الأعلى موافقات سيادية مباشرة، مما يضيف كلفة بيروقراطية ومالية جديدة على قطاع التشييد والأفراد.
وفي ظل غياب التناسب بين الخدمة المقدمة وقيمتها المالية، يطرح مراقبون تساؤلات عميقة حول مدى استدامة هذا النموذج الاقتصادي وتأثيره على القدرة الشرائية للطبقات المتوسطة ومحدودي الدخل.