يؤكد مراقبون أن المنقلب عبدالفتاح السيسي لا يتملص بالضرورة من طلب بن سلمان، لكن أزمة الرياض، كما ترسمها «نيويورك تايمز»، تجعل من الصعب على القاهرة أن تمنح السعودية ما عجزت واشنطن عن تقديمه: تدخلًا عسكريًا مباشرًا في اليمن.
ووقف تقرير «نيويورك تايمز» الأخير، بعنوان «السعودية تواجه أسوأ السيناريوهات بعد رفض ترامب لطلباتها التدخل»، على 3 أمور رئيسية: «إحباط محمد بن سلمان من موقف ترامب ورفضه التدخل العسكري ضد الحوثيين، وهو ما يفسر لماذا أصبحت زيارة القاهرة أكثر أهمية».
و«عدم رغبة السعودية في خوض حرب الحوثيين منفردة بعد تجربة الحرب السابقة، وهي نقطة مهمة جدًا لفهم طبيعة الطلب المتوقع من السيسي».
والثالث، «تضييق الخيارات أمام الرياض بين الضغط العسكري والدبلوماسية، مع الإشارة إلى أن التقرير يرى أن المسار الدبلوماسي قد يكون الخيار الأقرب، بما في ذلك التعاون مع الجيران وإيران».
وهنا تصبح زيارة القاهرة، بحسب مراقبين، محاولة سعودية للحصول على بديل عن التدخل الأمريكي: دعم سياسي، وترتيبات لأمن البحر الأحمر، وضغط أو وساطة في الملف اليمني، وربما موقف مصري أكثر وضوحًا تجاه الإمارات؛ وليس بالضرورة طلبًا مباشرًا بإرسال الجيش المصري إلى اليمن.
كما أن تقرير «نيويورك تايمز» يعطي وزنًا أكبر لعبارة «أسوأ السيناريوهات» المنسوبة إلى السفير الأمريكي السابق مايكل راتني؛ لأنها تضع زيارة بن سلمان في سياق أزمة خيارات حقيقية، لا مجرد زيارة ثنائية عادية.
تأتي زيارة ولي العهد السعودي إلى القاهرة، بحسب ما أورده «المصري اليوم» ونقله عدد من المتابعين، في توقيت بالغ الحساسية إقليميًا، تتداخل فيه تطورات اليمن والبحر الأحمر ومضيق هرمز مع الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب ملفات السودان والصومال وغزة وسوريا.
وبحسب المصدر الدبلوماسي السعودي الذي نقلت عنه «المصري اليوم»، فإن الزيارة تستمر يومًا واحدًا، ويلتقي خلالها بن سلمان السيسي وكبار معاونيه. وتتصدر ملفات أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وحماية حركة السفن في مضيق هرمز، والتطورات اليمنية، أجندة المحادثات، إلى جانب بحث سبل مواجهة ما وصفه المصدر بالاعتداءات الإيرانية ووكلاء طهران على دول الخليج ووقف التصعيد.
وتكتسب الزيارة أهمية إضافية في ضوء إنشاء مجلس التنسيق الأعلى السعودي المصري في أكتوبر 2024، بما يجعل القاهرة والرياض أمام قناة مؤسسية قائمة للتنسيق السياسي والأمني والاقتصادي، وليس مجرد لقاء بروتوكولي بين قيادتي البلدين.
لماذا يحتاج القاهرة الآن؟
يربط الكاتب السعودي المعارض عمر بن عبدالعزيز @oamaz7 زيارة بن سلمان إلى السيسي بهدفين مباشرين، هما: «تحديد موقف مصر من الإمارات» و«طلب الدعم المصري ضد الحوثي». ويعكس هذا الطرح قراءة ترى أن الرياض لا تبحث في القاهرة عن دعم سياسي عام فقط، وإنما تريد معرفة حدود الموقف المصري من التنافس السعودي الإماراتي في ملفات المنطقة، وكذلك إمكانية الحصول على مساندة مصرية في مواجهة الحوثيين.
والرياض، بحسب «نيويورك تايمز»، لا ترغب في خوض مواجهة منفردة مع الحوثيين، ومن هنا تبدو القاهرة، بحكم ثقلها العربي وموقعها الجغرافي وعلاقتها التاريخية باليمن والبحر الأحمر، طرفًا مهمًا في أي نقاش يتعلق بأمن الملاحة أو مستقبل الصراع اليمني.
ترامب وباكستان وتركيا
هل دفعت الرياض ثمن التعويل على الحلفاء؟ هو جزء من مسار يدور على منصات التواصل وتساؤلات بشأن مدى قدرة التحالفات التي بنتها الرياض «اتفاق مكة» أخيرًا على توفير الدعم الذي تحتاجه في لحظة الأزمة.
وفي هذا السياق، ذهب عدد من المعلقين على منصة إكس إلى القول إن السعودية وجدت نفسها في وضع صعب بعد رفض واشنطن وباكستان وتركيا، بحسب توصيفهم، الانخراط المباشر في الحرب اليمنية.
ويقول حساب رجل دولة @Stateman_KSA إن محمد بن سلمان شعر بصدمة من موقف ترامب، ونقل عنه، من دون تقديم مصدر مستقل للتحقق من الرواية، أنه قدم للولايات المتحدة ما طلبته منه ثم وجدها ترفض مساعدته عندما احتاج إليها.
أما المخابراتي منير الخطير @farag_nassar، فاختار لغة أكثر حدة، معتبرًا أن القاهرة قد تكون الوجهة التي لجأ إليها بن سلمان بعدما خذلته، وفق تعبيره، أطراف كان يعوّل عليها.
الحرب ليست خيارًا
في المقابل، يقدم جهاز المخابرات على منصة إكس، من خلال سامح عسكر @sameh_asker، قراءة مختلفة لطبيعة الزيارة، إذ يرى أن مصر لن تتعامل معها باعتبارها طلبًا سعوديًا مباشرًا للدخول في الحرب، وإنما باعتبارها فرصة لتفعيل الدور المصري التقليدي القائم على التوازن والوساطة.
ويرى الجهاز أن القاهرة تفضل العمل تحت «مظلة واسعة» تمنحها قبولًا إقليميًا ودوليًا، بدل الانخراط في تحالفات عسكرية ضيقة قد تضعها في مواجهة أطراف أخرى. وبحسب هذا التصور، فإن مصر قد تسعى إلى لعب دور في خفض التصعيد أو الوساطة في اليمن بدل إرسال قوات مصرية إلى ساحة حرب جديدة.
وهذه النقطة تبدو جوهرية في فهم الموقف المصري. فحتى إذا طلبت الرياض دعمًا سياسيًا أو أمنيًا أكبر، فإن الانتقال من الدعم السياسي إلى المشاركة العسكرية المباشرة في حرب اليمن يمثل قرارًا مختلفًا تمامًا من حيث التكلفة والمخاطر والحسابات الاستراتيجية.
المصالح المصرية حاضرة بقوة
ولا تستطيع القاهرة تجاهل التطورات في باب المندب والبحر الأحمر. فأي اضطراب طويل الأمد في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم ينعكس مباشرة على أمن الملاحة وعلى المصالح المصرية المرتبطة بقناة السويس.
ولهذا فإن الحديث عن أمن البحر الأحمر لا يعني بالضرورة أن القاهرة ستقبل بالمشاركة في عمليات عسكرية داخل اليمن. تستطيع مصر أن تعتبر حماية الملاحة الدولية مصلحة مشتركة، وأن تدعم الجهود الدبلوماسية والسياسية والأمنية لتحقيقها، من دون أن تتحول إلى طرف مباشر في الحرب.
وهنا تحديدًا يمكن أن يلتقي الموقف المصري مع المصلحة السعودية في جزء منه، بينما يفترق عنها في مسألة أخرى أكثر حساسية، هي شكل التعامل مع الحوثيين ومستوى الانخراط العسكري المطلوب.
مواجهة الحوثيين؟
بعض المنشورات ذهبت إلى أبعد من ذلك. فقد كتب السعودي زين الشمري @_zain313 أن بن سلمان يتجه إلى القاهرة «لطلب النجدة من السيسي» والمطالبة بتدخل الجيش المصري، رابطًا ذلك بسيطرة الحوثيين المفترضة على باب المندب.
كما طرح عبدالرحمن مطر @AbdElrahma41413 تساؤلات حول احتمال أن يكون الدعم المصري مقابل مساعدات مالية أو ترتيبات اقتصادية، وربط ذلك بملفات اقتصادية مصرية وبأصول واستثمارات في البحر الأحمر.
غير أن هذه الطروحات تحتاج إلى قدر كبير من التحفظ. فلا يوجد في المادة المقدمة ما يثبت أن الرياض طلبت رسميًا من القاهرة إرسال قوات مصرية إلى اليمن، كما لا يوجد ما يثبت أن الزيارة ستتضمن صفقة من النوع الذي تحدث عنه بعض المعلقين.
والأقرب، وفق المعطيات المنشورة نفسها، أن ملف اليمن وأمن البحر الأحمر سيكونان حاضرين بقوة، لكن مستوى الدعم المصري المطلوب وطبيعته هما تحديدًا ما سيكون موضع الاختبار.
الموقف من الإمارات
لا تقتصر أهمية الزيارة على اليمن. فطرح عمر بن عبدالعزيز @oamaz7 بشأن رغبة بن سلمان في «تحديد موقف مصر من الإمارات» يكشف عن ملف آخر بالغ الحساسية.
العلاقات المصرية مع كل من السعودية والإمارات ذات أهمية استراتيجية للقاهرة، ولذلك فإن أي تباين سعودي إماراتي لا يعني بالضرورة أن مصر ستنحاز بصورة علنية إلى أحد الطرفين.
بل إن مصلحة القاهرة، وفق منطق جهاز مخابرات السيسي، أو ما يسمى «السياسة المصرية»، الذي يستند إليه سامح عسكر @sameh_asker في تحليله، تكمن في الاحتفاظ بعلاقات قوية مع الأطراف المختلفة وعدم تحويل الخلافات البينية إلى اصطفافات حادة.
ومن ثم، فإن سؤال «هل تقف مصر مع السعودية أم الإمارات؟» قد يكون أقل دقة من سؤال آخر: كيف تستطيع القاهرة الحفاظ على مساحة مستقلة للحركة بين الرياض وأبوظبي وأنقرة وواشنطن وبكين وطهران، في وقت تتزايد فيه الاستقطابات الإقليمية؟
## اصطفاف متوقع
قد يفرض محمد بن سلمان ضرورة اصطفاف مع السعودية، مع ميزات مالية واستثمارات وإنقاذ على مستوى البترول ودعم الدولار، لاسيما مع احتمال أن توافق القاهرة على موقف سعودي ضد أبوظبي، فيبدو الأمر أكثر تعقيدًا. فمصر لديها مصالح وعلاقات وثيقة مع الإمارات، كما أن السعودية نفسها شريك رئيسي للقاهرة.
لذلك فإن المرجح أن يحاول السيسي تجنب تحويل الزيارة إلى مناسبة لإعلان اصطفاف مصري ضد الإمارات. وقد تكون الرسالة المصرية، في حال تصاعد الخلافات بين الحلفاء، هي أن القاهرة تريد الحفاظ على علاقاتها مع الجميع، وأن أمن الخليج والبحر الأحمر لا ينبغي أن يتحول إلى صراع بين القوى العربية نفسها.
وهنا يمكن فهم حديث سامح عسكر عن «التوازن» باعتباره مفتاحًا لفهم السلوك المصري المتوقع: القاهرة قد تتعاون مع الرياض، لكنها لن تتخلى بسهولة عن هامش استقلال قرارها الإقليمي.
هل يتملص السيسي؟
الإجابة الأقرب، بناءً على المعطيات الواردة، هي أن السيسي قد لا يرفض مساعدة السعودية، لكنه في الوقت نفسه ليس مضطرًا إلى قبول الصيغة التي قد ترغب بها الرياض إذا كانت تعني دخول مصر عسكريًا في حرب اليمن.
ولا يبدو أن المسألة ستكون بين «موافقة كاملة» و«رفض كامل». فالسيناريو الأكثر اتساقًا مع المصالح المصرية هو أن تقدم القاهرة دعمًا سياسيًا وأمنيًا ودبلوماسيًا لحماية البحر الأحمر والملاحة، وأن تشارك في جهود خفض التصعيد أو التسوية اليمنية، مع تجنب التورط في حرب مفتوحة.
وهذا يفسر أيضًا لماذا قد تكون زيارة بن سلمان مهمة حتى في حال عدم حصوله على تعهد مصري بإرسال قوات. فمجرد الحصول على موقف مصري واضح بشأن أمن البحر الأحمر، أو ضمان عدم ترك السعودية وحيدة سياسيًا، أو فتح باب لوساطة مصرية في اليمن، يمكن أن يمثل مكسبًا مهمًا للرياض.
المخرج الأقل كلفة
من بين السيناريوهات التي طرحها سامح عسكر @sameh_asker إمكانية أن تلعب مصر دورًا في إنهاء الحرب اليمنية أو دفع الأطراف نحو تسوية.
وهذا السيناريو، إن تطور، قد يكون أكثر ملاءمة للمصالح المصرية من المشاركة العسكرية المباشرة. فالقاهرة تستطيع أن تقدم نفسها كدولة عربية كبيرة قادرة على التواصل مع أكثر من طرف، وأن تجعل من أمن الملاحة مدخلًا لتسوية سياسية أوسع.
كما أن إنهاء الحرب سيكون، من حيث المبدأ، في مصلحة السعودية والجهات اليمنية والإقليم ككل، إذا أمكن الوصول إلى ترتيبات تضمن أمن الحدود والملاحة وتمنع استخدام اليمن منصة لتهديد دول الخليج.
اليمن والسودان
ومصر لم تتحول إلى طرف في الحرب السعودية مع الحوثيين، ومنذ تصاعد أزمة البحر الأحمر أواخر 2023، لم تدخل مصر في حرب أمريكية أو سعودية مباشرة ضد الحوثيين. وفي الوقت نفسه، تعاملت القاهرة مع الأزمة باعتبارها أزمة تهدد قناة السويس وأمن الملاحة المصرية، بحسب المعلن.
وهناك أيضًا تطور مهم في السنوات الأخيرة يتعلق بالعلاقة الثلاثية، حيث تحدثت دراسة للمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية SWP عام 2023 صراحة عن تحولات في العلاقة بين مصر والسعودية والإمارات، وعن انتهاء مرحلة كان يُنظر فيها إلى الدول الثلاث ككتلة واحدة متماسكة.
فمصر، رغم اعتمادها الكبير على السعودية والإمارات، لم تعد تتعامل معهما بالضرورة كحلفاء لهم موقف إقليمي واحد يجب على القاهرة تبنيه بالكامل. بل أصبحت المصالح المصرية الخاصة أكثر وضوحًا، خصوصًا في ملفات السودان وليبيا والقرن الأفريقي والبحر الأحمر.
وحافظت القاهرة على علاقات قوية مع الجيش السوداني ومؤسسات الدولة السودانية، بينما تبنت أبوظبي موقفًا مختلفًا، في نظر كثير من الباحثين والمراقبين، بشأن أطراف الصراع.