رصد مراقبون ومحللون فجوة الثقة العميقة والتباين الحاد بين الخطاب الرسمي للنظام والواقع المعيشي والسياسي للمواطن المصري، مجمعين على انتقاد أسلوب إدارة الدولة وتوجيه الأولويات الذي تسبب في انكماش الطبقة الوسطى وتغير السلوك الاستهلاكي قسراً نتيجة الغلاء والتضخم المتصاعد، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من خطورة تبني معادلة حكم قائمة على مقايضة الأمن والتهديد بلقمة العيش، وهو ما أفرز بدوره أوهاماً حول الإنجازات الإسمنتية والمشروعات الكبرى التي لا تترجم لواقع حقيقي في ظل تدهور الاقتصاد الهيكلي المتخم بالديون، وتزامن ذلك مع غلق المجال العام وغياب العدالة الاجتماعية ومؤسسات الرقابة الحقيقية التي تحدد أولويات الإنفاق وتدافع عن مصالح الأغلبية المطحونة.
الطبقة الوسطى وتغير السلوك الاستهلاكي قسراً
وأكد المراقبون أن التضخم وغلاء الأسعار وانهيار قيمة الجنيه أدت إلى ذوبان المدخرات واتساع معدلات الفقر ورصدت التدوينات تحولاً دراماتيكياً في حياة المواطنين اليومية، مثل تقليص وجبات الطعام، الاستغناء عن الفحوصات الطبية والأدوية الشهرية، العزوف عن شراء الملابس الجديدة، وتحول العلاقات والزيارات الاجتماعية إلى عبء مالي دفع الناس إلى العزلة الموحشة.
وجسّد أحمد القاضي (@ahmedelkadyx)، بدقة متناهية انكماش الطبقة الوسطى والتحول القسري في السلوك الاستهلاكي ورصد بالتفصيل التضحيات اليومية الصغيرة والعزلة الاجتماعية التي فرضها الغلاء.
وقال: "لجأ غالبية المصريين لتقليص مشاويرهم وخروجاتهم إلا للضرورة واختزالها في مشوار واحد لتوفير النفقات، من كان يجري تحاليل وأشعات وفحوصاً دورية عند الطبيب، فوض أمر صحته إلى الله العلى الحفيظ وامتنع عنها رافعا شعار 'الجهل بالأمراض أفضل من العلم بها'، من كان يتناول أدوية شهرية لأمراضه المزمنة صار يداوم عليها يوماً ويمتنع عنها يوماً لتخفيض تكاليفها إلى النصف".
وأضاف، "كثيرون ممن كانوا يتنقلون لزيارة أهلهم مرة في الأسبوع، جعلوها مرة في الشهر، من كانوا يتزاورون مع أصدقائهم اكتشفوا أن الزيارات صارت عبئاً على الطرفين، ولذلك فإن أحد إفرازات هذه المرحلة أن تقلصت العلاقات الاجتماعية والزيارات وأصبح الكثيرون يشعرون بالوحدة الموحشة والعزلة المؤلمة".
وأشار إلى أن "الملايين ممن كانوا يذهبون للتسوق مرة أسبوعياً صاروا يتسوقون نفس الكميات مرة كل أسبوعين وربما ثلاثة…".
ولفت إلى أنه "لم يعد الكثيرون يشترون ملابس جديدة كما كانو يفعلون في السابق بصفة دورية ، ابتدعوا فكرة تحديث الملابس القديمة ذات القيمة العالية والخامة الجيدة والمنسية والمهملة بدلا من شراء الجديد ، وقس على الملابس كل المستلزمات والمقتنيات الأخرى من ساعات وأحذية وبدل وجواكت وغيرها الكثير، الملايين ممن كانوا يذهبون إلى عملهم بسيارتهم يومياً صاروا يستقلون المواصلات العامة رغم تضاعف تسعيرتها، لأن مرتباتهم تكفي فقط للتفويل مرة واحدة شهرياً وليس مرة كل 3 أيام، من كان يأكل 3 وجبات صار يأكل وجبتين، بل وصل الأمر بالبعض إلى تناول وجبة واحدة رئيسية."
"الإنجازات الإسمنتية"
ويتطابق التحليل الاقتصادي والسياسي على أن مشروعات البنية التحتية، والعواصم الجديدة، والمباني الفخمة خلف الأسوار العالية لا تمثل أولويات الشعب ولن تفيد 99% منه.
وشرح الدكتور محمد الشريف (@MhdElsherif) بدقة مفهوم "وهم الإنجازات الإسمنتية" في مقابل تصدع الاقتصاد الهيكلي وزيادة الديون، وتفكك التناقض بين الأرقام الرسمية والواقع الهيكلي.
وتناول المفارقة بين الخطاب الرسمي الذي يروج لمشروعات البنية التحتية والنمو كنجاح مطلق، وبين معاناة المواطنين اليومية مع تراجع قيمة العملة وارتفاع تكاليف المعيشة والديون التي تثقل موازنة الدولة، مما يخلق فجوة ثقة واسعة.
وبرأي الشريف أنه لم ينكر وجود المشروعات، بل قال صراحة: "أرقام معظمها حقيقية، لكنها تقدم كنجاح مطلق، وهنا يكمن الوهم؛ تحويل بناء الكباري والمحطات والمدن إلى مؤشر وحيد للنجاح الاقتصادي.
وأوضح أن هذه الإنشاءات والمشروعات ترتبط في أذهان الناس بـ "الديون التي تلتهم خدمتها النسبة الأكبر من الموازنة، والانخفاض المتكرر للعملة، وارتفاع تكلفة المعيشة"، أي إن تكلفة هذا الإنجاز الإنشائي هي السبب المباشر في إفقار المواطن.
ولخص الأزمة في أن شعوب العالم لا تقيس النجاح بالمباني، بل بسؤال بسيط: "هل حياتي أصبحت أفضل؟"، وبالتالي فإن عرض المشروعات كأولوية على حساب الدعم الاجتماعي والقطاع الخاص يبدو مجرد "دعاية في وقت يحتاج الشعب إلى اعتراف بالمعاناة وخطة للإنقاذ".
معادلة الحكم: المقايضة والتهديد بلقمة العيش
وأجمع المراقبون على أن النظام بدأ حكمه بمقايضة "الأمن مقابل الحريات"، ثم انتقل إلى طلب الصبر على الاقتصاد فدمّره وأغرق البلاد في الديون، وصولاً إلى المقايضة الحالية وهي "لقمة العيش مقابل البقاء في الحكم والتهديد بالذبح والفوضى".
وأشار الصحفي نظام المهداوي @NezamMahdawi إلى أن السيسي قايض الشعب: الأمن والأمان مقابل الحريات. وطلب منهم تفويضًا ليقاتل الإرهابيين، فذبح أهل رابعة الآمنين، وطلب منهم الصبر على الاقتصاد، فدمّره وأغرق البلاد في الديون. وزعم أنه سيحافظ على #مصر، ففرّط في نيلها وباع شواطئها. واليوم يقايضهم بلقمة العيش، بأن يجوعوا مقابل الحفظ على حكمه والبديل: الذبح..".
اما الحقوقي والسياسي د. أسامة رشدي @OsamaRushdi فتحت عنوان "جمهورية السيسي الجديدة، بين أوهام الإنجاز والفشل الذريع" أوضح أن الجمهورية الجديدة لا تبنى بالشعارات أو بالمباني الفخمة والعواصم الجديدة والمشروعات السياحية خلف الأسوار العالية، بينما يعيش تسعة وتسعون بالمئة من الشعب في جمهورية قديمة تعاني تحت وطأة الغلاء والضرائب والخدمات المنحسرة.
وأضاف أن ما يُقدَّم بوصفه إنجازات ليس سوى عالم موازٍ صُمّم لخدمة أقلية شديدة الثراء، بينما يكافح السواد الأعظم من المصريين لتوفير تكاليف التعليم والعلاج الأساسية، مستنكراً إنفاق أموال الشعب على مشروعات لا تمثل أولوياته في ظل غياب برلمان حقيقي منتخب يدافع عن مصالحه ويراقب "بلد الفرد الواحد" الذي دمر المؤسسات.
وأكد أن تعمق الأزمة يدفع النظام لتكرار الوصفة الفاشلة نفسها القائمة على رفع الأسعار، وزيادة الجباية، والاستدانة، وبيع الأصول العامة، مشدداً على أن الثمن لم يعد اقتصادياً فحسب، بل يمتد للتراجع عن استقلال القرار الوطني والقبول بدور التابع في ملفات تمس الأمن القومي مباشرة من السيادة والحدود إلى الطاقة والمياه.
ونبه إلى أن الحاجة للتغيير لم تعد مجرد خلاف سياسي أو قضية تخص المعارضة، بل باتت قضية وجود تخص الدولة المصرية التي يهدد النهج الحالي مستقبلها، لافتاً إلى أن سنوات الحكم الماضية شهدت إغلاقاً تاماً للمجال العام، وتكديساً للسجون، وتدميراً لمؤسسات الرقابة والقضاء لحماية السلطة على حساب تفاقم التهديدات الحقيقية وتعميق انقسام المجتمع.
وفي ختام مقاله حذر من أن استمرار حكم الفرد والقبول بالاستبداد لن ينتجا إلا مزيداً من الفساد والانهيار، حيث تصبح كلفة الإصلاح أكبر مع كل أصل يُباع أو مؤسسة تُضعف، مؤكداً أن معادلة الحكم الحالية قائمة على "العيش اليوم والاستدانة والتنازل للبقاء في السلطة" حتى لو دفعت مصر الثمن غداً، ومشدداً على أن إنقاذ الوطن يبدأ باستعادة حق الشعب في الحرية والمحاسبة لبناء دولة تُدار لمصلحة مواطنيها لا جمهورية من الإسمنت والديون والأوهام.
اتساع فجوة الثقة وغياب العدالة الاجتماعية
وانتقد المراقبون إصرار الحكومة على تنظيم "مؤتمرات الإنجازات" وعرض الدعاية الإسمنتية دون الاعتراف بمعاناة الشعب أو تقديم خطة إنقاذ حقيقية.
ورأى محمد الشريف @MhdElsherif مجددا أن المؤشرات الاقتصادية الكلية تصطدم بوقائع المعيشة وأعباء الديون موضحا التناقض الصارخ بين واقع المواطنين والخطاب الحكومي، مستهلاً برصد "الواقع الذي يعيشه الناس"؛ وكيف أن المصريين عانوا وما زالوا يعانون من موجات تضخم عاتية بلغت ذروتها في عام 2023، ورغم انخفاضها اللاحق إلا أنها ظلت حبيسة خانة العشرات.
وأبان أن الجنيه المصري فقد نسبة هائلة من قيمته، مما تسبب في رفع أسعار الغذاء، والطاقة، والسلع المستوردة بشكل حاد، وهو ما أدى مباشرة إلى تآكل القدرة الشرائية، وتقلص الطبقة الوسطى، وذوبان المدخرات، وارتفاع معدلات الفقر.
وشدد الشريف على أن هذا التدهور ليس مجرد شعور شخصي، بل هو واقع موثق في التقارير الدولية التي تسجل ندوباً اجتماعية شديدة ومستمرة، تمثلت في انخفاض تاريخي بمعدلات الادخار واضطرار الكثير من الأسر لخفض إنفاقها الإجباري على أساسيات الحياة كالطعام والتعليم والصحة.
وعن "الخطاب الرسمي" للدولة، أشار إلى أن الحكومة تركز على استعراض مشروعات البنية التحتية، وشبكات الطرق، والمدن الجديدة، ووحدات إسكان محدودي الدخل، بجانب الترويج لتعافي النمو الاقتصادي ووصوله إلى 4.4%، والانخفاض التدريجي للتضخم، وارتفاع الاحتياطي الأجنبي، ونمو الصادرات والسياحة، كما يرتكز الخطاب الحكومي على إشادات المؤسسات الدولية عقب الاتفاقات المبرمة مع صندوق النقد الدولي، وتطبيق مرونة سعر الصرف، وتحقيق فائض أولي، بالإضافة إلى إعلان أرقام الحصاد السنوي المتعلقة بمحطات تحلية المياه، والوحدات السكنية، وانخفاض معدلات البطالة الرسمية.
وأكد أن هذه الأرقام الرسمية ومعظمها حقيقية، إلا أن الأزمة تكمن في طريقة تقديمها كـ "نجاح مطلق"، في حين أنها ترتبط في أذهان وعقول المواطنين بالديون الضخمة التي تلتهم خدمتها النسبة الأكبر من موازنة الدولة، والانخفاض المتكرر لقيمة العملة، والارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة.
ولفت إلى أن المحصلة النهائية لهذا التعارض هي تشكّل "فجوة ثقة كبيرة"؛ فبينما يستمع المواطن لبيانات الإنجازات المتتالية، يصطدم على أرض الواقع بارتفاع أسعار كل شيء من الخبز إلى الكهرباء، مما يدفعه للاستدانة أو تقليص استهلاكه من الطعام، وسط حالة من التجاهل أو التبرير المستمر من قِبل الحكومة.
وحذر في الختام من أن إصرار السلطة على تنظيم "مؤتمر الإنجازات" سيكون أمراً مستفزاً للشارع، موضحاً أن الناس لا ينكرون وجود المشروعات الإنشائية، لكنهم يقيسون النجاح بالمعيار العالمي البسيط وهو: "هل حياتي أصبحت أفضل؟"، مؤكداً أن الاستمرار في عرض الإنجازات الحجرية والإنشائية وحدها والنظر إليها كأولوية قصوى على حساب الدعم الاجتماعي المباشر أو تمكين القطاع الخاص، يجعل الخطاب الرسمي يبدو كمجرد دعاية سياسية، في وقت يحتاج فيه الشعب بشكل عاجل إلى اعتراف حكومي صريح بالمعاناة وتقديم خطة إنقاذ حقيقية وملموسة.
https://x.com/MhdElsherif/status/2103469707047121292
تشترك الآراء في تحميل غياب البرلمان الحقيقي المنتخب وغلق المجال العام المسؤولية الكاملة عن الاستفراد بالقرار وتدمير المؤسسات الرقابية، مما جعل كلفة الإصلاح المستقبلي تتفاقم مع كل أصل عام يتم بيعه أو التنازل عنه.