د. فادى شعيشع يكتب: هل سيعود الرئيس المنتخب إلى قصره؟

- ‎فييوميات الثورة

لم تلبث مصر وشعبها الطيب أن يهنئا برئيس منتخب، وبتجربة ديمقراطية وليدة حتى انقلب الأمر رأسًا على عقب، فماتت التجربة الوليدة، وأُخرج الرئيس من قصره بعد عام واحد من بداية حكمه.. نعم عامٌ واحدٌ فقط من الديمقراطية التى لم نشم ريحها من قبل، والتى لم تكَد تتحرك عجلتها حتى دُفنت، وفى جنازتها تكاد تُدفن أحلام المصريين وآمالهم.

وبعد ما جرى فى مصر وعليها فى الثلاثين من يونيو وفى الثالث من يوليو هل لنا أن نتساءل -فى ظل مُجريات الأحداث وتطورها- عن مدى إمكانية عودة الرئيس المنتخب إلى قصره، وبعث التجربة الديمقراطية المصرية المدفونة من قبرها لاستئنافها وتصحيح مسارها؟

إن مجرد طرح هذا التساؤل يتنازعه رأيان متناقضان:

أحدهما: يجزم بملء الفم، بل يُقسم على استحالة عودة الرئيس إلى القصر من جديد، ويرى ذلك ضربًا من ضروب الخيال، بعيدًا هو بُعد السماء عن الأرض.. أَفِقْ يا من تتوهم -هكذا يصرخون- يا من تحومُ حول حُلمٍ كاذب.. ماتت التجربة الأولى، وخرج الرجل من القصر، وذهب إلى غير رجعة، كل الشواهد تُثبت ذلك، وواقع مصر الآن ومجريات أحداثها تنطق به، لن تدور العجلة للخلف أبدًا. تجربته القصيرة فى الحكم مريرة، وأخطاؤه كبيرة، تعقدت الأمور فى عهده، وتضاعفت مشكلات وأزمات التموين والبترول والكهرباء والأسعار وضعف القوة الشرائية للجنيه المصرى.. عطل القانون بإعلاناته الدستورية، وافتأت على القضاء.. تحصَّن بجماعته دون بقية الشعب، واستأثر وفصيله بإدارة دولة كبيرة دون أدنى مشاركة لفصائل وقوى سياسية أخرى.. تجاوز شركاء الثورة وشبابها، وسكت عن العسكر، بل مالأهم، حتى اكتوى بنارهم، وها هو الشعب قد ثار عليه، وأخرجه من قصر الحكم، ولن يعود إليه أبدًا.

لا وألف لا، أنتم من تحومون حول حلم كاذب، غدا تعود الأمور إلى نصابها، وتسترد مصر ثورتها بسواعد ثوارها الشرفاء، وحتمًا سيعود الرئيس المنتخب إلى قصره.. هكذا صدح وأجاب أنصار الشرعية.. سيعود الصامدُ المحتسِب الأسيرُ إلى قصره منتصرًا على البغاة الغادرين.. ولماذا لا يعود وقد صبر وصمد، واستأسد بمفرده فى محبسه فى مواجهة العسكر الغادرين به ممن يُرهِبونه تارة، ويفاوضونه بلطف تارة أخرى ليعلن تنازله؟.. ولماذا لا يعود وأنصاره وأنصار شرعيته يملئون الشوارع والميادين؟

ولماذا أُخرج الرجل ابتداءً من القصر؟ لماذا عُزل وحُبِس وقد انتُخب بإرادة شعبية حرة، فى ممارسة ديمقراطية, حقيقة كانت الأروع فى تاريخ مصر، وما كان يتعين إخراجه من سُدة الحكم إلا بتجربة انتخابية جديدة مماثلة.. لا جريمة ولا جريرة تُنسب للرجل الصالح، فقد أوفى وما قصر، واجتهد كثيرًا، فأصاب كثيرًا، وإن أخطأ فى بعض ما اجتهد فمن منا لا يخطئ!!.. تعيبون على الرجل استعمال حقه الدستورى فى إدارة الدولة، وتشكيل الحكومة والاستعانة بعدد من الوزراء من حزبه لا يتجاوز سبعة وزراء فقط من بين أكثر من خمسة وثلاثين وزيرًا، ناهيك عن حرب الإشاعات المغرضة التى حمل لواءها -وسط دهشة الجميع- حزب النور الذى روج بهتانا دون أى دليل لدعوى أخونة الدولة، ثم ما لبثت قياداته أن بادرت بالاعتذار والتمويه حين طولبت بتقديم أدلة دعواها هذه.

نعم حرب شائعات مغرضة تَعَرض لها الرجل خلال عام حكمه هذا، قادها إعلام مأجور، ظهر فجوره، وتأكد انحرافه للجميع من خلال تباين مواقفه من مهاجمة الرئيس المنتخب دومًا وفى كل حال، فى حين يتلمسون الآن الأعذار للإدارة المؤقتة بصدد نفس المشكلات التى كانت، والتى تفاقمت وتضاعفت الآن أكثر وأكثر بسبب سوء إدارتهم… بل إن الكثير من هذه المشكلات التى تعلقت بالتموين أو البترول أو الكهرباء وغيرها كانت مفتعلة بدليل زوالها فورًا بمجرد إخراج الرجل من قصره بعد الانقلاب عليه… وقفات احتجاجية، ومطالب فئوية، ومليونيات ليس لها نهاية كانت تُدبر بليل كعقبات كئود قُصد منها إفشال أى جهد إصلاحى إيجابى يقوم به الرئيس المنتخب.. ثم حشدٌ وتجييشٌ وانفاقٌ لمال الرِشى الحرام لتجميع البلطجية، والحانقين على الثورة، والموتورين من التغيير حتى انعقد لواء المؤامرة بقيادة المؤسسة الأمنية بفرعيها، وأُخرِج الرجل من قصره غيلة وغدرًا..

وللأسف الشديد لم يخرج الرئيس وحده من القصر، ولكن خرجت مصر وشعبها المسكين أيضًا.. نعم خرجت مصر من قصرها، من مسارها الثورى الإصلاحى، من حال الاستقرار والانطلاق إلى حال الفوضى والتناحر وسفك الدم الحرام.

أَمَا كان ينبغى احترام الدستور بدلًا من تعطيله؟ أما كان ينبغى إعمال القانون وإنفاذه بدلًا من سحقه بالأحذية الغليظة؟ أما كان ينبغى استكمال التجربة الديمقراطية الوليدة، وإعلاء إرادة الشعب، واستنفاد المدة الدستورية للحكم ثم تأتى بعد ذلك مرحلة التقييم والمحاسبة؟

ولأن الحكم على الشىء فرع عن تصوره، ولأن مصر المحروسة لا شىء فيها بات مستبعدًا الآن، فكل الخيارات باتت أيضًا مفتوحة، وبخاصة أن الانقلابيين لا يُحْكِمون السيطرة الكاملة على مقدرات الأمور كما يحاولون إيهام الناس بذلك فى الداخل، أو إظهار هذه الصورة فى الخارج أمام مجتمع المصالح الدولى المتواطئ، أضف إلى ذلك خوف قيادة الانقلاب العسكرية من مغادرة مصر خوفًا من التعرض لمحاكمة جنائية دولية هددهم بها البعض، الأمر الذى يحملهم على الاستئساد وعدم التضحية خوفًا من الهروب والملاحقة دوليًا، وخوفًا من المحاسبة والمعاقبة داخليًا إن قُدِرَ عليهم. ورغم ذلك يتمنع الانقلابيون ويتدللون على مبادرات الحل السياسى التى يرحب بها الطرف الآخر المناصر للشرعية، صاحب الوجود الدائم فى الشارع، وولى الدم الحرام الذى أُهدر دون جريرة، فى ظل ثبات لا نظير له، وتضحيات لا مثيل لها، وصمود يحمل لواءه الآن شباب الجامعات والحرائر بل الأطفال، وذلك فى ظل إيمان راسخ بحتمية عودة الشرعية إلى مصر، وعودة رمز الشرعية إلى القصر.

فمن يدرى كيف تسير الأمور، وكيف تجرى الوقائع…

وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ