يواصل نظام السيسي انتهاج سياسات مالية كارثية قائمة على الإسراف في الاقتراض الخارجي، دون أي اعتبار لحقوق المواطنين الاقتصادية والاجتماعية، أو لمخاطر ارتهان الدولة للدائنين الأجانب. فبينما تتراجع مصادر النقد الأجنبي، تتضخم الديون بوتيرة غير مسبوقة، ويتحوّل الدين العام إلى أداة قهر اقتصادي تُدفع كلفتها من جيوب الفقراء ومحدودي الدخل.
أرقام مفزعة… وحقوق تُستنزف
تشير تقارير دولية حديثة إلى أن الدين الخارجي لمصر تجاوز 155 مليار دولار بنهاية العام المالي 2024/2025، قبل أن يرتفع فعليًا إلى نحو 161 مليار دولار في خريف 2025، مع توقعات ببلوغه قرابة 200 مليار دولار بحلول عام 2027. غير أن خطورة هذه الأرقام لا تكمن في حجمها فقط، بل في طبيعة القروض التي يعتمد عليها النظام، والتي تتسم بارتفاع الفوائد وقِصر آجال السداد.
وتكشف البيانات أن نحو 49% من عوائد الصادرات المصرية تُهدر في سداد أقساط وفوائد الديون، أي أن ما يقرب من نصف العملة الصعبة التي تدخل البلاد لا يُعاد توظيفه في تحسين معيشة المواطنين أو دعم الخدمات العامة، بل يذهب مباشرة إلى جيوب الدائنين، بينما يواجه المصريون موجات غير مسبوقة من الغلاء، وتراجع القدرة الشرائية، وتدهور مستوى الخدمات الأساسية.
الحرب على غزة… اختبار الفشل
جاءت الحرب على غزة لتفضح هشاشة النموذج الاقتصادي القائم، إذ انعكست الاضطرابات الإقليمية فورًا على إيرادات قناة السويس، والسياحة، وحركة التجارة، ما عمّق أزمة العملة الصعبة. وبدلًا من مراجعة السياسات المالية الخاطئة، لجأ النظام إلى مزيد من القروض والأموال الساخنة، في مقامرة جديدة بمستقبل البلاد.
ويرى خبراء وحقوقيون أن استمرار هذا النهج في ظل حرب إقليمية وانكشاف اقتصادي يشكل انتهاكًا مباشرًا لحق الشعب في الأمن الاقتصادي، ويجعل حياة ملايين المصريين رهينة لتقلبات الأسواق وقرارات المؤسسات المالية الدولية.
دائرة جهنمية وغياب العدالة الاجتماعية
يدخل الاقتصاد المصري، وفق توصيف اقتصاديين، في “دائرة جهنمية” من الاقتراض لسداد ديون سابقة، دون تحقيق أي نمو إنتاجي حقيقي. وقد أدت هذه السياسة إلى ابتلاع خدمة الدين معظم إيرادات الموازنة العامة، على حساب الإنفاق على التعليم والصحة والدعم الاجتماعي.
ومع تقلص دور الدولة الاجتماعي، اتجه النظام إلى خصخصة الخدمات الأساسية، وتحويلها من حقوق دستورية إلى سلع تُباع لمن يستطيع الدفع، في تكريس فجّ لغياب العدالة الاجتماعية وتوسيع الفجوة بين الأغنياء والفقراء.
ديون مخفية… وعبء على الأجيال القادمة
تثير سياسة تحميل الهيئات الاقتصادية والشركات التابعة للمؤسسات السيادية ديونًا ضخمة بضمان الخزانة العامة مخاوف متزايدة بشأن ديون غير معلنة لا تخضع لرقابة برلمانية حقيقية. ورغم أنها لا تظهر كاملة في التقارير الرسمية، فإنها تبقى التزامًا مباشرًا على الدولة، يُسدد من المال العام، ويقيد مستقبل الأجيال القادمة.
صندوق النقد وبيع السيادة
في هذا السياق، تتصاعد ضغوط صندوق النقد الدولي والدائنين الدوليين، بفرض وصفات تقشفية تشمل بيع الأصول العامة، وتقليص الدعم، وتفكيك ما تبقى من دور الدولة الاجتماعي. ويرى معارضون أن هذه السياسات تمثل تفريطًا في السيادة الاقتصادية، واستكمالًا لمسار تحميل الفقراء ثمن أزمة لم يكونوا طرفًا في صناعتها.
ورغم ذلك، تواصل الحكومة خطابها المتفائل، متجاهلة واقع التضخم، واتساع رقعة الفقر، وتدهور مستويات المعيشة، في انفصال واضح عن معاناة الشارع المصري.
أزمة ديون… وقضية حقوق إنسان
لم تعد أزمة الديون في مصر مسألة أرقام أو حسابات مالية، بل تحولت إلى قضية حقوق إنسان بامتياز، تمس الحق في التعليم، والصحة، والعمل، والحياة الكريمة. ومع استمرار النظام في سياساته الحالية، تتجه البلاد نحو مزيد من الارتهان والتجويع المنهجي، في ظل صمت رسمي عن الكلفة الإنسانية والاجتماعية المتصاعدة.
إن استمرار هذا المسار، بالتوازي مع حرب إقليمية واضطرابات دولية، ينذر بتداعيات كارثية على المجتمع المصري، ويضع مستقبل البلاد بأكمله على المحك، ما لم تُفرض مراجعة جذرية للسياسات المالية، وتُربط أي عملية اقتراض بإنتاج حقيقي يخدم الشعب، لا شبكة المصالح الضيقة المحيطة بالسلطة.