مرة أخرى، يهرب النظام الانقلابي من مواجهة جذور الأزمة الاقتصادية، ويلجأ إلى وصفة مؤقتة لا تختلف كثيرًا عن سابقاتها، تحت لافتة براقة عنوانها: مبادلة الديون الخارجية بالاستثمارات. فبدلًا من وقف الاقتراض المحموم، أو مراجعة مشروعات الخرسانة العملاقة التي لم تُطعم جائعًا ولم تُشغّل عاطلًا، أو وضع حد لسفه الإنفاق على القصور الرئاسية وطائرة “ملكة السماء” وعاصمة الخراب الإداري، يواصل النظام سياسة الهروب إلى الأمام، وبيع ما تبقى من أصول الدولة لتأجيل الانفجار لا أكثر.
مصدر حكومي كشف أن وزارة المالية حصلت على الضوء الأخضر لبدء مفاوضات موسعة مع الدائنين الأجانب لتحويل الديون إلى استثمارات، بعد موافقة مجلس الوزراء، وذلك بالتزامن مع مغادرة بعثة صندوق النقد الدولي القاهرة، في إشارة واضحة إلى أن القرار لم يكن خيارًا سياديًا بقدر ما هو استجابة مباشرة لضغوط الصندوق ومخاوفه المتصاعدة من انفلات الدين.
وبحسب المصدر، فإن التفويض الممنوح لوزارتي التخطيط والمالية يشمل التواصل مع الدائنين، بما في ذلك نادي باريس، لتحويل الديون إلى حصص ملكية طويلة الأجل في مشروعات داخل البلاد، أي ببساطة: استبدال الديون بالتنازل عن أصول وثروات، تحت مسمى “الاستثمار”.
صندوق النقد… قلق متزايد ونظام يناور
مصدر حكومي ثانٍ أقرّ، دون مواربة، بأن النشاط المكثف في ملف مبادلة الديون جاء لمعالجة مخاوف عبّر عنها صندوق النقد الدولي “خلف الكواليس”، حيث أبدى الصندوق عدم رضاه عن مؤشرات الدين الحالية، رغم التفاؤل الرسمي باجتياز المراجعتين الخامسة والسادسة للبرنامج.
التحذير الأساسي للصندوق كان واضحًا: غياب المرونة المالية، واستنزاف موارد الدولة في خدمة الدين، بما يهدد قدرة مصر على امتصاص أي صدمات اقتصادية قادمة، أو حتى تمويل الحد الأدنى من التنمية الاجتماعية. لكن بدل أن يلتقط النظام الرسالة ويفتح ملفًا حقيقيًا للإصلاح، اختار المسكن الأسهل: بيع الحصص، وتسييل الأصول، وتأجيل الحساب.
أرقام صادمة… والنتيجة واحدة
الأرقام الرسمية نفسها تكشف عمق المأزق. فإجمالي الدين العام بلغ 14.9 تريليون جنيه (نحو 313 مليار دولار) بنهاية يونيو/حزيران 2025، بزيادة تفوق 15% خلال عام واحد فقط. أما الدين الخارجي فقد تجاوز 161 مليار دولار، فيما تلتهم فوائد الدين وحدها قرابة 80% من إيرادات الدولة في العام المالي الحالي 2025/2026.
هذه ليست أزمة طارئة، بل نتيجة مباشرة لسنوات من الاقتراض بلا إنتاج، ومشروعات استعراضية بلا عائد، ونهب منظم للثروات لصالح عصابة العسكر وشبكاتها الاقتصادية، بينما يُترك المواطن لمواجهة الغلاء والضرائب ورفع الدعم.
لماذا يختار النظام “المسكنات” لا العلاج؟
الإجابة ببساطة: لأن العلاج الجذري مكلف سياسيًا للنظام، لا اقتصاديًا فقط. فوقف الاقتراض يعني الاعتراف بالفشل. ووقف المشروعات غير المجدية يعني المساس بمصالح شبكات النفوذ العسكرية. ووقف الإنفاق الباذخ على القصور والطائرات والعاصمة الجديدة يعني كسر صورة “الزعيم المنقذ” التي يروّجها الإعلام الرسمي.
أما مبادلة الديون، فهي حل سهل وسريع: تُرضي صندوق النقد، وتمنح النظام سيولة مؤقتة، وتُرحّل الأزمة إلى المستقبل، حتى لو كان الثمن هو التفريط في أصول الدولة وحقوق الأجيال القادمة.
بيع الحاضر لتأجيل السقوط
تصريحات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي عن خفض نسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 40% بحلول 2026، أو الحديث عن تحويل التزامات بقيمة 11 مليار دولار إلى استثمار مباشر، لا تغيّر من جوهر المشهد: الدولة لا تسدد، بل تستبدل الدَّين بملكية، وتحوّل الأزمة من دين مالي إلى فقدان سيادة اقتصادية.
في المحصلة، ما يقدمه النظام ليس خطة إنقاذ، بل إدارة أزمة قصيرة النفس، عنوانها العريض: بيع الأصول بدل إصلاح السياسات. مسكنات تؤجل الانهيار، لكنها لا تعالج المرض، الذي اسمه الحقيقي: نظام قائم على الاقتراض، والهدر، والنهب، وغياب أي رؤية تنموية حقيقية.