خفض جديد لدعم الوقود والكهرباء..مشروع الموازنة يكشف أكذوبة “التعافىٍ الاقتصادي” ؟!

- ‎فيتقارير

في وقت تتحدث فيه الحكومة عن "تعافٍ اقتصادي" وتحسن غير مسبوق في المؤشرات الكلية، تمضي السلطة في القاهرة برئاسة المنقلب  عبد الفتاح السيسي نحو خفض جديد لدعم الوقود والكهرباء ضمن مشروع موازنة 2026/2027، في خطوة يراها معارضون استمرارًا لسياسات تحميل كلفة الإصلاح المالي للغالبية من المواطنين، مقابل التوسع في إنفاق ضخم على مشروعات كبرى مثيرة للجدل، على رأسها المرحلة الثانية من العاصمة الإدارية الجديدة.

 

الحكومة أنهت إعداد المخطط الأولي للموازنة تمهيدًا لعرضه على البرلمان في مارس، مع توجه واضح لتقليص مخصصات دعم الطاقة، وزيادة الإيرادات الضريبية، وتوسيع القاعدة الخاضعة للضرائب، في إطار خطة تستهدف خفض العجز إلى 4.9% خلال العام المالي 2026/2027، مقارنة بـ7.3% في العام الجاري.

 

ورغم أن مجلس الوزراء يروّج لارتفاع الاحتياطي النقدي إلى 52.6 مليار دولار في يناير 2026، وإشادات من صندوق النقد الدولي ووكالة فيتش بتحسن المركز الخارجي، فإن مشروع الموازنة يعكس تشددًا ماليًا أكبر، يتضمن خفضًا إضافيًا لدعم المحروقات والكهرباء، وزيادة الحصيلة الضريبية إلى نحو 2.8 تريليون جنيه من إجمالي إيرادات مستهدفة تتجاوز 3.5 تريليونات جنيه.

 

وتقول مصادر برلمانية إن الحكومة ماضية في تحويل منظومة الدعم من دعم عيني واسع إلى دعم نقدي موجَّه عبر بطاقات خاصة، تُستخدم في شراء السلع من سلاسل تابعة لجهات سيادية، في توجه يعمّق – بحسب منتقدين – حضور المؤسسة العسكرية في النشاط الاقتصادي المدني، بدلًا من تخفيف الأعباء عن المواطنين.

 

ويرى معارضون أن المفارقة تكمن في أن السلطة تبرر خفض دعم الطاقة بضرورة توجيه الموارد إلى "الإنفاق التنموي"، بينما تستمر في ضخ مليارات الجنيهات في استكمال مشروعات ضخمة، خصوصًا في العاصمة الإدارية، التي يعتبرها منتقدوها مشروعًا يخدم شرائح محدودة، ولا ينعكس أثره المباشر على تحسين معيشة ملايين المصريين الذين يواجهون تضخمًا مرتفعًا وتآكلًا مستمرًا في القدرة الشرائية.

 

وتخشى الحكومة من ارتفاع أسعار النفط العالمية في ظل توترات الشرق الأوسط، ما قد يزيد الضغوط على فاتورة الاستيراد وبنود الدعم، إلا أن خبراء اقتصاديين يرون أن الأزمة الأعمق تتمثل في تضخم خدمة الدين العام، التي تلتهم جزءًا كبيرًا من الإنفاق، وتفرض قيودًا حادة على أي توسع اجتماعي حقيقي.

 

الخبير الاقتصادي مدحت نافع اعتبر أن إعادة هيكلة الدين قد تخفف أعباء خدمته مؤقتًا، لكنها لا تمثل حلًا جذريًا، مطالبًا بوقف "الثقوب السوداء" في المصروفات، وترشيد الإنفاق على المشروعات الاستثمارية الكبرى، ووضع إطار حاكم لأولويات الإنفاق العام.

 

وفي خلفية المشهد، يتساءل مراقبون عمّا إذا كانت السلطة تراهن على غياب الحراك الشعبي الواسع، في ظل القبضة الأمنية المشددة منذ أحداث فض اعتصامي رابعة والنهضة في أغسطس 2013، باعتبار أن أي تحركات احتجاجية واسعة قد تُقابل بإجراءات حاسمة من أجهزة الدولة.

 

وبينما تتعافى المؤشرات الكلية على الورق، يبقى السؤال المطروح في الشارع المصري: لماذا لا ينعكس هذا "التعافي" على حياة المواطنين اليومية؟ ولماذا تأتي كل موازنة جديدة بمزيد من التقشف ورفع الأسعار، بينما تستمر الدولة في تبني مشروعات مرتفعة الكلفة وعائدها الاجتماعي محل جدل واسع؟

 

المعادلة، كما يراها منتقدو السياسات الحالية، لم تعد بين إصلاح اقتصادي وأعباء مؤقتة، بل بين أولويات إنفاق تُمنح للمشروعات الكبرى ومؤسسات بعينها، وغالبية شعب تتحمل فاتورة الإصلاح عامًا بعد عام.