أعباء عاصمة الأشباح .. مراقبون يحذرون من قانون لتفكيك الدولة بدعوى الاستقلالية

- ‎فيتقارير

تواصل التكلفة السنوية للعاصمة الإدارية الجديدة إثارة الجدل، خصوصًا مع ارتفاع الأعباء التي تتحملها الخزانة العامة مقابل تشغيل الحي الحكومي وانتقال الموظفين. فوفق الحساب الختامي لعام 2024/2025، بلغت التكلفة الإجمالية 7.53 مليار جنيه، مقارنة بـ6.6 مليار في العام السابق، أي بزيادة تقارب 920 مليون جنيه خلال عام واحد فقط. ويستحوذ إيجار مباني الحي الحكومي على النصيب الأكبر بقيمة 4.16 مليار جنيه، بينما تبلغ تكلفة الصيانة والتشغيل 2.27 مليار جنيه، إضافة إلى 641 مليون جنيه بدل انتقال للموظفين و457 مليون جنيه بدل سكن. هذه الأرقام تعكس التزامات مالية متنامية، تجعل من العاصمة الإدارية بندًا ثابتًا في مصروفات الدولة، في وقت تعاني فيه البلاد من ضغوط اقتصادية متزايدة.

 

مدينة كاملة أم مدينة أشباح؟

من زاوية أخرى، أثار الأكاديمي د.محمد الشريف @MhdElsherif تساؤلات حول تصريحات المهندس شريف الشربيني، وزير الإسكان السابق، الذي قال في مقابلة تلفزيونية إنه يقيم مع أسرته في العاصمة الإدارية ويشتري احتياجاته منها، مؤكدًا أنها مدينة متكاملة وجاذبة للسكان والاستثمارات. لكن الشريف تساءل عمّا إذا كان الوزير سيبقى في المدينة بعد خروجه من الحكومة، وكم كلفه مسكنه، وكم ساهمت الدولة في انتقاله، وكم من العاملين في وزارته يقيمون هناك، وهل الوزيرة الجديدة تسكن في العاصمة أيضًا. هذه الأسئلة تعكس فجوة بين الرواية الرسمية التي تصف العاصمة بأنها "نقلة نوعية"، وبين روايات أخرى تصفها بأنها "مدينة أشباح" لا يسكنها إلا المسئولون.

 

تفكيك الدولة واستقلالية العاصمة

في سياق أكثر حساسية، نشر حزب "تكنوقراط مصر" عبر حسابه @egy_technocrats رسالة للدكتور سعيد عفيفي @SaidAfify81 يحذر فيها مما وصفه بـ"بذور التقسيم" المرتبطة بمشروع استقلال العاصمة الإدارية إداريًا. وأوضح أن استقلال العاصمة قد يكون مقبولًا في دول فيدرالية مثل الولايات المتحدة، حيث تخضع واشنطن لقانون خاص، لكنه في مصر يمثل – وفق رأيه – تفكيكًا لمركزية الدولة وخرقًا للدستور الذي يمنع تمييز أي جهة إدارية عن غيرها. ودعا الجيش، استنادًا إلى المادة 200 من الدستور، إلى "منع العبث باستقلالية الدولة"، معتبرًا أن السلطة التنفيذية لا تدرك تبعات ما تقوم به. هذه الرسالة تكشف حجم القلق لدى بعض الفاعلين من أن تتحول العاصمة الإدارية إلى كيان مستقل يخلق تفاوتًا إداريًا واقتصاديًا داخل الدولة.

 

يوتوبيا أحمد خالد توفيق

قدّمت شيرين عرفة @shirinarafah قراءة أكثر رمزية، مستعيدة أجواء رواية "يوتوبيا" لأحمد خالد توفيق، لكنها اعتبرت أن الواقع المصري "أشد بؤسًا وظلامًا". واستشهدت بتقرير لصحيفة نيويورك تايمز عام 2022 بعنوان: “عاصمة تذكّر بصعود الفراعنة في مصر، ولكن ما هو الثمن؟”، والذي قدّر تكلفة العاصمة بـ59 مليار دولار، واعتبرها مشروعًا إمبرياليًا يعكس طموحات السيسي، ومدينة تُبنى للأغنياء بقروض يدفعها الفقراء. وأشار التقرير إلى أن التكلفة الضخمة للمدينة كانت سببًا رئيسيًا في الأزمة الاقتصادية الحالية، وفي دائرة الديون التي تثقل كاهل المصريين. ومع تزايد معدلات الفقر والجريمة، ترى عرفة أن مشروع القانون الذي يناقشه البرلمان لتحويل العاصمة إلى "مقاطعة مستقلة" بصلاحيات خاصة ومجلس أمناء يعينه السيسي، يمثل ذروة "الديستوبيا". واستحضرت نبوءة أحمد خالد توفيق: "سيتركون العاصمة القديمة لتحترق بأهلها وتندثر ظلمًا وقهرًا وفقرًا ومرضًا، وسيذهبون إلى عاصمتهم الجديدة حتى لا تتأذى أعينهم بكل ذلك الدمار." 

https://x.com/shirinarafah/status/2026104493251715340

 

مشهد مركب تتداخل فيه الأبعاد الاقتصادية والسياسية والأمنية. فالعاصمة الإدارية، التي قُدمت باعتبارها مشروعًا تنمويًا ضخمًا، أصبحت محورًا لأسئلة تتعلق بعبء التكلفة، وطبيعة الإدارة، ودرجة الشفافية، وتأثيرها على مركزية الدولة. وفي الوقت نفسه، تبرز مخاوف من نفوذ خارجي متزايد، ومن تحولات اجتماعية واقتصادية قد تعمق الفجوة بين المركز والأطراف. وبين الرواية الرسمية التي تتحدث عن "مدينة المستقبل"، والروايات النقدية التي ترى فيها "مدينة للأغنياء"، يبقى المشروع محاطًا بتساؤلات مفتوحة حول جدواه، واستدامته، وتأثيره على مستقبل الدولة المصرية.

وتكلفة بناء قصر الرئاسة في العاصمة الإدارية غير معلنة رسميًا، لكن تقديرات من 2019 تشير إلى 2.25 مليار جنيه للطابق الواحد. تقدير إجمالي يصل إلى 11.2 مليار جنيه (220 مليون دولار). وسبق أن نفى السيسي تحمل الدولة التكاليف، مشيرًا إلى تمويلها من بيع الأراضي!

ومنح السيسي المؤسسة العسكرية كامل أراضي "العاصمة الإدارية الجديدة" القريبة من القاهرة، ومساحتها (215 ألف فدان)، وتعادل 966 مليون متر مربع، وقيمتها السوقية بسعر اليوم أكثر من 3 تريليونات جنيه مصري وتعادل ثلثي إيرادات الدولة المصرية بالكامل ـ دون أن تدفع المؤسسة العسكرية جنيها واحدا مقابلها.

وتذهب في ضوء الأعباء الجديدة التي كشفت عن جانب منها التقارير المركزية أن أكثر من 80 % من ميزانية الدولة المصرية ضائعة في سداد ديون تورطت فيها بسبب غشومية السلطة وسوء إدارة الدولة وترعة الفساد الواسعة وإهدار مقدرات الوطن على عمليات شراء الولاء.