تراجع الجنيه من 7 إلى قرابة 50 أمام الدولار.. وصغار المودعين يدفعون الثمن
في سياق اقتصادي بدأ عقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي في 2013، شهدت مصر تحولات مالية كبرى رافقتها موجات متتالية من الاقتراض وطرح أوعية ادخارية، بدأت بشهادات واستثمارات مرتبطة بمشروع قناة السويس، مرورًا بتمويل مشروعات كبرى مثل العاصمة الإدارية الجديدة، وصولًا إلى سياسات نقدية متقلبة أثرت بشكل مباشر على مدخرات المواطنين.
من 7 جنيهات إلى نحو 50 جنيهًا للدولار
خلال هذه السنوات، تراجع سعر صرف الجنيه المصري من نحو 7 جنيهات مقابل الدولار إلى ما يقارب 50 جنيهًا في السوق، ما أدى إلى فقدان المدخرات لقيمتها الحقيقية، حتى مع ارتفاع أسعار الفائدة لفترات مؤقتة.
ومع اتجاه البنك المركزي إلى خفض سعر الفائدة مؤخرًا إلى 19% بعد أن بلغ 27.25% في مارس 2024، تلقى صغار المودعين ضربة جديدة، مع تراجع العائد الشهري الذي يعتمد عليه كثير من كبار السن وأصحاب المعاشات في تلبية احتياجاتهم الأساسية من غذاء ودواء وإيجار وفواتير.
صدمة الشهادات.. من 2200 إلى 500 جنيه
عدد من المودعين فوجئوا بإلغاء الشهادات السنوية مرتفعة العائد، واستبدالها بشهادات ثلاثية بعائد متدرج يتراجع سنويًا، أو ترك الأموال في حسابات بعائد منخفض لا يتجاوز 8% في بعض الحالات، ما يخفض العائد الشهري إلى قرابة 500 جنيه فقط لكل 100 ألف جنيه مودعة.
في المقابل، تطرح بعض البنوك أوعية ادخارية بعوائد أعلى موجهة لأصحاب الأرصدة الكبيرة التي تبدأ من عدة ملايين جنيه، ما يثير تساؤلات حول اتساع الفجوة بين صغار المدخرين وكبار المستثمرين.
"سند المواطن".. حل أم اقتراض جديد؟
وفي محاولة لجذب السيولة، طرحت وزارة المالية أداة دين جديدة تحت مسمى "سند المواطن" بعائد سنوي 17.75% لمدة 18 شهرًا عبر مكاتب البريد. إلا أن الإقبال عليها ما يزال محدودًا، وسط مخاوف من استمرار تآكل القوة الشرائية للجنيه، خاصة مع ارتفاع الأسعار قبيل شهر رمضان.
ويرى مراقبون أن الطروحات المتكررة للأدوات الادخارية تعكس احتياجًا متزايدًا للتمويل الداخلي، في ظل أعباء ديون متراكمة، بينما يؤكد اقتصاديون أن خفض الفائدة لا ينعكس بالضرورة انخفاضًا في أسعار السلع، ما يجعل العائد الحقيقي على المدخرات سالبًا في كثير من الأحيان.
الذهب والعقار.. ملاذ بديل
في ظل هذه التطورات، اتجه بعض المودعين إلى شراء الذهب أو المشاركة في استثمارات عقارية صغيرة باعتبارها أدوات تحوط تحفظ القيمة نسبياً مع انخفاض الجنيه، مقارنة بالأموال المودعة بالبنوك التي تتآكل قيمتها بمرور الوقت.
وبينما تؤكد الحكومة أن خفض الفائدة يستهدف دعم الاستثمار وتقليل تكلفة الاقتراض وتحفيز النمو، يرى متضررون أن السياسات المتعاقبة منذ 2013 أدت إلى استنزاف مدخرات الطبقة المتوسطة، مع استمرار الضغوط المعيشية وارتفاع تكاليف الحياة.
وبذلك يجد صغار المودعين أنفسهم أمام خيارات محدودة: عائد مصرفي متراجع، أو مخاطر استثمارية لا تناسب طبيعة مدخراتهم، في مشهد يعكس تحولات عميقة في هيكل الادخار والقدرة الشرائية داخل الاقتصاد المصري.