توقيف رجال القانون مسلسل لا يتوقف .. اعتقال المحامي محمد إبراهيم بعد عصام رفعت وعلي أيوب والششتاوي

- ‎فيحريات

يتصاعد القلق الحقوقي في مصر مع اتساع دائرة الانتهاكات التي تطال المحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان، بالتوازي مع موجة من الإضرابات العمالية التي تكشف هشاشة بيئة العمل وتراجع الضمانات القانونية، ويأتي هذا في سياق عام يتسم بتشديد القبضة الأمنية، وتزايد استخدام أدوات الحبس الاحتياطي، وتنامي الضغوط على الأصوات المهنية المستقلة، وعلى رأسها المحامون الذين يُفترض أن يكونوا خط الدفاع الأول عن سيادة القانون.

 

في هذا المناخ، تنظر نيابة أمن الدولة العليا أمر تجديد حبس المحامي أسامة الششتاوي فتحي، المحامي بالنقض وعضو نقابة المحامين، والمحبوس على ذمة القضية رقم 4884 لسنة 2025، وكان الششتاوي قد اعتُقل تعسفيًا في 10 نوفمبر 2025، قبل أن يُعرض على نيابة أمن الدولة التي وجهت إليه اتهامات بالانضمام إلى جماعة أُسست على خلاف القانون ونشر أخبار كاذبة. وتشير شهادات حقوقية إلى أن سبب استهدافه قد يرتبط بمنشور على “فيسبوك” دعا فيه إلى التضامن مع محامٍ مصري تعرض لاعتداء في السعودية، وهو ما اعتبرته الشبكة المصرية لحقوق الإنسان تعبيرًا مشروعًا عن الرأي لا يبرر الملاحقة. وتؤكد الشبكة أن ما جرى يمثل امتدادًا لسياسات التضييق على المحامين، وتطالب بالإفراج الفوري عنه واحترام استقلال المهنة.

 

ولا يختلف الوضع كثيرًا بالنسبة للمحامي محمد إبراهيم سليمان (49 عامًا)، الذي قررت نيابة أمن الدولة في 23 فبراير 2026 استمرار حبسه خمسة عشر يومًا على ذمة القضية رقم 764 لسنة 2026. وكان قد اعتُقل من منزله في 10 فبراير، واقتيد إلى مقر الأمن الوطني بالإسكندرية، على خلفية حملة إلكترونية أطلقها بعنوان “امسك ضابط شمال” تناول فيها اتهامات لعدد من ضباط قسم الدخيلة بالرشوة وتلفيق القضايا، وبعد التحقيق، وُجهت إليه اتهامات بالانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة وإساءة استخدام وسائل التواصل، ويؤكد مركز الشهاب لحقوق الإنسان أن هذه الملاحقات تمثل اعتداءً مباشرًا على حرية الدفاع، مطالبًا النائب العام بالانحياز للقانون وعدم الاعتماد على محاضر الأمن الوطني التي تفتقر إلى الأدلة الجدية.

 

وتتسع دائرة الاستهداف لتشمل المستشار عصام رفعت، القاضي السابق والمحامي بالنقض، الذي اعتُقل فجرًا من منزله في الطالبية بالجيزة بعد اقتحام مسكنه وتفتيشه، دون إعلان عن مكان احتجازه أو أسباب القبض عليه، ويأتي هذا الاعتقال بعد سنوات من التضييق على القضاة والمحامين الذين يعبّرون عن آرائهم أو يتولون قضايا حساسة، كما اعتُقل المحامي علي أيوب، المحتجز حاليًا بقسم حدائق القبة تنفيذًا لأمر ضبط وإحضار في بلاغ تقدمت به وزيرة الثقافة على خلفية منشورات وبلاغات قانونية قدمها ضدها، وتشير إفادة محاميه عمرو عبد السلام إلى أن قوة أمنية داهمت منزله ومكتبه فجرًا، في خطوة تعكس استخدام أدوات جنائية للانتقام من محامٍ يمارس حقه في التقاضي.

 

ولا تزال المحامية هدى عبد المنعم، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان سابقًا، نموذجًا صارخًا لمعاناة المحامين المحتجزين، فقد اعتُقلت عام 2018، وأُخفيت قسريًا لمدة 21 يومًا، ثم ظهرت على ذمة قضية ملفقة، قبل أن تُدوّر على قضايا جديدة كل فترة، وتعاني هدى من تدهور صحي خطير وسط تعنت في علاجها، رغم أنها جدة في السبعينيات من عمرها، ما يجعل استمرار احتجازها انتهاكًا مضاعفًا للمعايير الإنسانية والقانونية.

 

ويبرز كذلك ملف المحامي الحقوقي عزت غنيم، المدير التنفيذي للتنسيقية المصرية للحقوق والحريات، الذي اعتُقل في مارس 2018، ثم اختفى قسريًا رغم إعلان الشرطة الإفراج عنه، قبل أن يظهر مجددًا أمام محكمة طرة في فبراير 2019. وفي مارس 2023 صدر بحقه حكم بالسجن 15 عامًا من محكمة أمن دولة طوارئ. وتطالب منظمات مثل “صحفيات بلا قيود” بالإفراج عنه وعن جميع المعتقلين على خلفية قضايا سياسية.

 

وتؤكد منظمة عدالة لحقوق الإنسان أن ملاحقة المحامين، بسبب آرائهم القانونية أو البلاغات التي يقدمونها تمثل مساسًا خطيرًا باستقلال المحاماة، وتطالب بضمان حقوق المحامي علي أيوب القانونية، واحترام ضمانات المحاكمة العادلة، والتوقف عن تحويل ممارسة الحق في التقاضي إلى سبب للعقاب.

 

هذه الوقائع تأتي في سياق أوسع من الانتهاكات التي تطال العمال أيضًا، كما يظهر في إضرابات مصانع الملابس في العاشر من رمضان والإسماعيلية، وإضراب عمال العامرية للغزل والنسيج، وإضراب شركة مصر للألومنيوم الذي فُض بالقوة مع فصل 350 عاملًا. وتكشف هذه الأحداث عن بيئة عامة تتراجع فيها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالتوازي مع الحقوق المدنية والسياسية، في ظل غياب آليات فعالة للمساءلة.

 

وتشير منظمات دولية مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية في تقاريرها السنوية إلى أن استهداف المحامين في مصر أصبح نمطًا ممنهجًا، وأن الحبس الاحتياطي يُستخدم كأداة عقابية، وأن المحامين الذين يتولون قضايا حقوقية أو يوجّهون انتقادات للسلطات يواجهون خطر الاعتقال التعسفي، والمنع من التواصل مع أسرهم، والحرمان من الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.