قمع عابر للحدود.. حالات الترحيل القسري لمصريين: هدايا الخليج للسيسي

- ‎فيحريات

تُعد قضية الشاب المصري علي عبد الونيس واحدة من أكثر الحالات دلالة على تعقيد عمليات الترحيل العابر للحدود. بدأت القصة بضغوط دفعته لمغادرة تركيا، قبل أن يُحتجز في نيجيريا، ثم يُسلّم سرًا إلى السلطات المصرية. منذ أغسطس 2025، اختفى عبد الونيس قسريًا لمدة سبعة أشهر كاملة، دون إعلان رسمي عن مكان احتجازه أو وضعه القانوني، في مخالفة واضحة لالتزامات مصر المتعلقة بالإخطار الفوري وتمكين المحتجز من التواصل مع محامٍ. لاحقًا، ظهر في مقطع متلفز بدا مُعدًا مسبقًا، يعترف فيه بجرائم لا توجد أدلة عليها، وهو نمط وثّقته منظمات حقوقية في حالات مشابهة. في هذه الواقعة، تتحمل نيجيريا مسئولية انتهاك مبدأ عدم الإعادة القسرية، نظرًا لعلمها المسبق بالمخاطر التي قد يتعرض لها عبد الونيس عند تسليمه.

وفتحت قضية على ونيس ظاهرة تزايدت خلال الأعوام الأخيرة لاستهداف عابر للحدود لمواطنين مصريين معارضين أو مطلوبين على خلفيات سياسية أو أمنية، حيث شهدت عدة دول عمليات توقيف أو ترحيل أو تسليم لأشخاص يحملون مخاوف جدية من التعرض لانتهاكات جسيمة داخل مصر.

وهو ما وثّقته منظمات حقوقية مثل "هيومن رايتس إيجيبت"، يثير أسئلة عميقة حول مدى التزام الدول بمبدأ عدم الإعادة القسرية، وهو أحد أهم المبادئ في القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي للاجئين، ويحظر نقل أي شخص إلى بلد يواجه فيه خطرًا حقيقيًا بالتعذيب أو الاختفاء القسري أو المحاكمة غير العادلة.

حتى ماليزيا

وفي 2019 طالب معارضون رئيس ماليزيا مهاتير محمد تفسير سبب ترحيل 4 محكوم عليهم بالاعدام وتبرأ منهم وتم تسليمهم للانتربول وهم محمد عبد العزيز فتحى، وعبدالله محمد هشام، وعبد الرحمن عبد العزيز أحمد، وعزمى السيد محمد.

وكانوا ضمن ستة مصريين رُحِّلوا قسرًا في عام 2019 في واحدة من أكثر القضايا شهرة، وهي القضية التي عُرفت إعلاميًا باسم “مجموعة الشباب الستة المرحّلين من ماليزيا”. هؤلاء الستة تم توقيفهم في كوالالمبور ثم ترحيلهم إلى مصر في فبراير 2019، رغم التحذيرات الحقوقية من تعرضهم للتعذيب أو الاختفاء القسري ويُضاف اليهم كل من: محمد عبدالحفيظ حسين وعبدالله محمد عبدالحليم .

هذه المجموعة كانت من أوضح الأمثلة على التسليم القسري الذي تم دون أي ضمانات قانونية، ودون السماح لهم بتقديم طلبات لجوء، رغم أن بعضهم كان يحمل إقامة قانونية في ماليزيا. بعد وصولهم إلى القاهرة، اختفى معظمهم لفترات متفاوتة قبل ظهورهم أمام جهات التحقيق، وسط تقارير عن تعرضهم لسوء المعاملة.

البحرين

ووفق تقارير حقوقية، اعتقلت السلطات البحرينية رجلين مصريين في أغسطس 2023 رغم إقامتهما القانونية في البحرين لسنوات، ثم رحّلتهما إلى مصر حيث اختفيا قسريًا بعد وصولهما. وهما: السيد محمد العاجز يبلغ من العمر 59 عامًا، وهو أب لثمانية أبناء وينحدر من محافظة الدقهلية، وكان اسمه مدرجًا على قوائم التحفظ على الأموال في مصر منذ 2014. أما محمد العراقي حسانين، 45 عامًا، فهو مهندس كمبيوتر وأب لثلاثة أبناء، ومحكوم عليه بالمؤبد في قضية فض رابعة.

الكويت

وفي 22 أكتوبر 2025 نشرت الصحافة الكويتية عن تسليم ثلاثة مصريين إلى القاهرة بعد توقيفهم بتهم تتعلق بـ"التحريض" على الدولة، والانتماء إلى جماعة الإخوان واستخدام وسائل التواصل لنشر محتوى اعتبرته الكويت “مسيئًا” أو “محرضًا” وهذه العملية جاءت امتدادًا لسياسة كويتية بدأت منذ 2017 بتسليم مطلوبين مصريين في قضايا سياسية.

وفي 12 أكتوبر 2020 ، نقلت صحف كويتية أن الكويت سلمت 3 من جماعة الإخوان ويقيمون في منطقة الفروانية وأطلقوا حملة مكثَّفة لتحريض المصريين على "الفوضى" والخروج عن النظام؟!

وفي 8 سبتمبر 2019 أعلنت الكويت تسليم القاهرة قائمة تضم أسماء 15 معتقلا من الإخوان، وذلك ضمن حملة بدأت في ذلك العام بشهر يوليو وتسليم الكويت 8 مصريين بدعوى ارتباطهم بـ"الإخوان"!

ومن سلمتهم الكويت صدرت بحقهم أحكام بالسجن لمدد تصل إلى 15 عاماً من محاكم مصرية؛ وكان لا يزال التحقيق في قضاياهم مستمراً.

وقالت :" المعتقلون لم يشكلوا أي خلية إرهابية، بل إن بعضهم لا يعرف بعضهم الآخر، لكنهم مطلوبون أمنياً لدى القضاء المصري بسبب انتمائهم لجماعة الإخوان"

غير أنّ "الإخوان المسلمين" تعلن أن "المعتقلين لم يشكلوا أي خلية إرهابية، بل إن بعضهم لا يعرف بعضهم الآخر، لكنهم مطلوبون أمنياً لدى القضاء المصري بسبب انتمائهم لجماعة الإخوان المسلمين والجميع يعرف التزوير والافتراء الذي يحدث داخل القضاء المصري للمعتقلين السياسيين والنشطاء".

وأن "جميع المعتقلين مقيمون صالحون يعملون في شركات ومؤسسات داخل الكويت منذ ثلاث وأربع سنوات وكانوا يدخلون ويخرجون إلى الكويت بصفة منتظمة، لكن ما حدث هو تنسيق أمني بين الكويت والقاهرة لتسليم بعض المطلوبين بطلب من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي".

 

وفي أغسطس 2017، سلمت السلطات الكويتية مصر، عبر القنوات الدبلوماسية، كلاً من أحمد عبد الموجود خضيري محمد، وعلي حمودة حسن عبد العال، تحت ذريعة انتمائهما إلى جماعة "الإخوان"، وذلك لتنفيذ حكم قضائي صادر ضدهما بالسجن المشدد لمدة 10 سنوات، بتهمة "الانضمام إلى جماعة أسست على خلاف أحكام القانون".

حالات فردية

وضاح هشام نور الدين الأودن

وتكشف حالة وضاح هشام نور الدين الأودن، المقيم في السودان، عن تعاون أمني واسع بين الخرطوم والقاهرة. اعتُقل الأودن في مطلع 2022 تمهيدًا لتسليمه، رغم تحذيرات حقوقية من احتمال تعرضه للتعذيب أو المحاكمة الجائرة في مصر. تشير التقارير إلى أن السلطات السودانية لم توفر أي ضمانات حقيقية، وأن عملية التسليم جاءت ضمن سلسلة أوسع من عمليات مشابهة استهدفت معارضين آخرين.

حسام منوفي محمود سلام

تُعد قضية حسام منوفي محمود سلام من أكثر الوقائع إثارة للجدل، إذ استقل رحلة من الخرطوم إلى إسطنبول في يناير 2022، قبل أن تهبط الطائرة بشكل مفاجئ في مطار الأقصر. تم توقيفه فورًا ونقله إلى جهة غير معلومة، ثم أعلنت السلطات لاحقًا أنه مطلوب على خلفية اتهامات تتعلق بالانتماء إلى تنظيم مصنف إرهابي. منظمات حقوقية دولية شككت في الرواية الرسمية، مشيرة إلى غياب الشفافية، وإلى أن طريقة إنزاله من الطائرة واحتجازه تثير شبهات قوية بوقوع انتهاكات لمعايير الاحتجاز العادل واحتمال تعرضه للتعذيب.

محمد عبد الحفيظ حسين

في يناير 2019، رُحّل محمد عبد الحفيظ حسين من تركيا إلى مصر بعد وصوله من الصومال، رغم إفادات بأنه كان ينوي طلب اللجوء. وثّقت منظمات دولية، بينها هيومن رايتس ووتش، اختفاءه لفترة بعد الترحيل، قبل ظهوره أمام محكمة في القاهرة. محاموه أكدوا تعرضه لتعذيب شديد خلال فترة احتجازه، ما يجعل القضية مثالًا واضحًا على الإعادة القسرية رغم وجود مخاطر مؤكدة.

فرج محمد محمد عبد الله طه

وتُظهر حالة فرج محمد محمد عبد الله طه فجوة مقلقة في استجابة دولة أوروبية لالتزاماتها الحقوقية، إذ رُحّل من ألمانيا إلى مصر رغم صدور حكم غيابي بحقه بالسجن المؤبد. اختفى طه قسريًا بعد وصوله، ولم تكشف السلطات المصرية عن مكانه أو وضعه القانوني. الاعتماد على حكم غيابي في نظام قضائي متهم بانتهاك الضمانات الأساسية لا يبرر قانونيًا عملية التسليم، وفقًا للمعايير الدولية.

تكشف الحالات المذكورة عن نمط متكرر من التعاون الأمني بين دول مختلفة والسلطات المصرية، يتم خلاله تسليم أو ترحيل أشخاص مطلوبين في قضايا ذات طابع سياسي أو أمني دون مراعاة كافية لمبدأ عدم الإعادة القسرية. الترحيل غالبًا لا يكون نهاية الانتهاكات، بل بدايتها، إذ يتبعه في كثير من الأحيان اختفاء قسري، أو تعذيب، أو محاكمات تفتقر إلى الحد الأدنى من معايير العدالة. هذا النمط يثير قلقًا حقوقيًا بالغًا، ويؤكد الحاجة إلى مراجعة شاملة لالتزام الدول بالقانون الدولي، وضمان حماية الأفراد من الإعادة إلى أماكن قد يتعرضون فيها لانتهاكات جسيمة.

وتكمن أهمية هذه الحالات في أنها تكشف عن البيئة التي يُعاد إليها المرحَّلون من الخارج، وهي بيئة تتسم بانتهاكات جسيمة للحقوق الأساسية، ما يجعل أي عملية تسليم أو ترحيل إلى مصر محاطة بمخاطر حقيقية. كما أن نمط الإخفاء القسري الذي يتعرضون له  يتطابق مع كل حالة حيث يبدأ المسار بالاحتجاز غير القانوني وينتهي باعترافات تُنتزع تحت الإكراه أو بمحاكمات تفتقر إلى الحد الأدنى من الضمانات.