كشفت منصات ومراقبون عن تآكل رئة أحياء القاهرة الكبرى والجيزة، لاسيما في شوارع الدقي وجامعة الدول العربية وأحياء العاصمة المختلفة، تتكشف فصول خطيرة من إزالة آلاف الأمتار المربعة من المساحات الخضراء واقتلاع الأشجار المعمرة تحت ذريعة "التطوير والنفع العام".
وتتوارى خلف الخطابات الرسمية دوافع اقتصادية خفية تحول الفراغات العامة إلى أصول استثمارية وتسليع للأشجار كأخشاب للبيع، وسط غياب شبه تام للتنسيق البيئي، وتخبط إداري يعتمد العشوائية في تنفيذ قرارات الإزالة والتقليم الجائر.
وتوثق بيانات الأقمار الصناعية تراجعًا مأساويًا في الغطاء الأخضر لـ 95% من أحياء القاهرة – لتترك ملايين السكان تحت نصيب بائس لا يتجاوز سنتيمترات معدودة من الخضرة – تظل الحكايات الإنسانية الفردية، كقصة شجرة "البونسيانا" التي قتلت حزنًا على جَمالها المفقود، المرآة الحية التي تعكس تكلفة التخلي عن جودة الحياة اليومية لصالح اقتصاد الأسمنت على حساب قدرة المدينة على التنفس.
"البونسيانا" وتدهور المساحات الخضراء
طرح إنساني مؤثر يعكس البعد النفسي والاجتماعي لفقدان الغطاء النباتي، من خلال قصة الفتاة "أمنية" وجدتها الستينية التي ارتبطت حياتها اليومية بشجرة "بونسيانا" وارفة الظل أمام منزلهم في أحد أحياء جنوب القاهرة.
كان الشارع ترابيًا وممهدًا ويستظل فيه العابرون، لكن قرار مسؤولي الحي برصف الشارع ترافق مع قرار آخر يقضي بقطع الأشجار، ورغم توسلات الجدة وبكائها الشديد الذي انتهى بسقوطها مغشيًا عليها، نفذ رجال الحي القرار واقتلعوا الشجرة، لم تفلح محاولات الابن لتخفيف الصدمة برصف المكان بالسيراميك وتجديد طلاء الواجهة، إذ دخلت الجدة في حالة اكتئاب وترافق ذلك مع شكواها المستمرة من حرارة الأسفلت المرتفعة، لتفارق الحياة بعد أشهر قليلة حزنًا على شجرتها.
وينتقل تقرير منصة "صحيح مصر" من قصة الشجرة والفتاة من هذه الحالة الفردية إلى إطار عام مدعوم بالبيانات والأرقام بالاعتماد على بيانات الأقمار الصناعية (ولا سيما القمر الصناعي Sentinel-2 التابع لوكالة الفضاء الأوروبية)، رصد التحقيق مسار التغير في المساحات الخضراء عبر مسح امتد لثماني سنوات (2017 – 2024)، وتوصل إلى نتائج منها:
تراجع واسع النطاق، حيث كشفت المقارنة بين عام 2024 والعام الذي سجل أعلى مساحة خضراء لكل حي، أن 95% من أحياء القاهرة شهدت تراجعًا في غطائها الأخضر، بينما سجل حيان فقط زيادة من بين 41 حيًا.
ونسب خضرة متدهورة، بعدما فقدت 54% من الأحياء ما يعادل 40% أو أكثر من غطائها الأخضر الإجمالي. بل إن هناك 9 أحياء كاملة (من بينها الجمالية، وحدائق القبة، وطرة، والساحل) فقدت 50% أو أكثر من مساحاتها الخضراء.
عوضا عن تأثيرات ديموغرافية حادة، ويبلغ عدد سكان العاصمة نحو 10.3 مليون نسمة؛ ويعاني ما يقرب من 3.27 مليون مواطن (32% من السكان يتوزعون على 10 أحياء) من تدني نصيبهم من المساحات الخضراء إلى أقل من 75 سنتيمترًا مربعًا فقط للفرد، كما يتراوح نصيب 31% آخرين (حوالي 3.23 مليون مواطن في 9 أحياء) بين متر ومترين مربعين لكل فرد، وهو ما يعكس حرمان الأغلبية العظمى من بيئة صحية متوازنة.
مذبحة أشجار الدقي واستنزاف رئة العاصمة
وعبر منصة الاشتراكيون الثوريون نشر حسن السعيد مقالة تتناول الأبعاد التخطيطية والبيئية والاقتصادية لما يوصف بإزالة الغطاء النباتي في العاصمة ومحافظة الجيزة، تبدأ المقالة برصد أصوات المناشير الآلية في شوارع حي الدقي والجيزة (مثل شوارع إيران، ومصدق، ونادي الصيد، وجامعة الدول العربية)، وتوضح التحليلات الجغرافية اقتلاع نحو 25,500 متر مربع من المساحات الخضراء بالجزيرة الوسطى لشارع جامعة الدول العربية وحده، رغم أنه خضع لتطوير قريب بالتزامن مع افتتاحات المترو، ورغم تبرير محافظة الجيزة لعمليات التقليم والإزالة بدواعي "السلامة العامة" إثر حادثة سقوط شجرة بشارع مصدق، إلا أن المقال يرى في ذلك ذريعة للتوسع العمراني الخرساني.
وتستعرض المقالة التاريخ القريب لهذه الظاهرة وتداعياتها الاقتصادية والبيئية من بداية سلسلة الاقتلاع التراثي عبر نهج ظهر بوضوح بين عامي 2017 و2020 تحت شعار "الاستغلال الأمثل لأصول الدولة"، ففي مصر الجديدة قُطعت نحو 2500 شجرة معمرة وخسر الحي 397 ألف متر مربع من خضرته، بينما خسرت شرق مدينة نصر 311 ألف متر مربع.
وأدى إلى تدني نصيب الفرد بسبب التوسع الأسمنتي الذي أدى إلى هبوط نصيب الفرد من الخضرة في القاهرة إلى 0.74 متر مربع، وهو رقم ضئيل جدًا مقارنة بـ 9 أمتار مربعة تنصح بها منظمة الصحة العالمية.
ويشير إلى تسليع الحدائق التراثية بعدما شمل الزحف حدائق تاريخية؛ مثل الميريلاند التي تحول جزء منها لمجمع تجاري (The Lake District)، والحديقة الدولية، وحديقة الطفل، وفي الزمالك استهدفت مخططات استثمارية "حديقة الزهرية" التراثية (تأسست 1868) لبناء فندق ومطاعم رغم اعتراضات الخبراء، كما سلمت إدارة حديقتي "الأورمان والحيوان" (112 فدانًا تضم 3000 شجرة نادرة) لتحالف استثماري برئاسة شركة الإنتاج الحربي بداعي التطوير التجاري.
ويبرز المقال الفجوة بين الواقع ومبادرة "100 مليون شجرة" (ميزانيتها 3 مليارات جنيه) التي انتقدها البيئيون لأنها ركزت على شتلات صغيرة بالطرق الصحراوية لا تعوض الأشجار الضخمة المقتلعة، ويكشف المقال عن بعد اقتصادي يتمثل في تحويل الفراغات العامة لمقاهٍ ومواقف سيارات تدر عوائد للمحليات، فضلاً عن تصدير الخشب والفحم كسلعة؛ حيث ارتفعت صادرات مصر منها بنسبة 75% عام 2023 لتصل إلى 42 مليون دولار.
الجوانب القانونية والإدارية لعمليات إزالة وتقليم الأشجار
وبحثًا عن آليات اتخاذ القرار والجهات المسؤولة عن قطع وتقليم الأشجار في مصر، بالتزامن مع أعمال توسعة شارع جامعة الدول العربية وإزالة آلاف الأمتار الخضراء، ناقشت منصات التشريعات المنظمة وثغرات التطبيق الإداري، وذلك من خلال مقابلات مع مسؤولين بيئيين ومحليين.
وتُحظر التعديات على الأشجار بموجب قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994 وتعديلاته، والمادة 162 من قانون العقوبات (إتلاف الممتلكات العامة)، وقانون الموارد المائية رقم 147 لسنة 2021 بالنسبة للمجاري المائية، وتختص المحليات (المحافظات والأحياء وأجهزة المدن) بمنح التصاريح اللازمة للتعامل مع الأشجار باعتبارها جزءًا من المجال العام.
ويكشف مسؤول بقطاع التشجير بوزارة البيئة أن نصوص حظر القطع تتوقف تمامًا عندما يرتبط الأمر بقرارات "النفع العام" كالتوسع في الطرق، وتصادق على ذلك شهادة قيادي سابق بهيئة نظافة وتجميل القاهرة (2021-2025)، أكد فيها أن 80% من عمليات الإزالة ينفذها الحي للهيئة بهدف توسعة الطرق أو إقامة كباري وخطوط غاز وكهرباء، حيث تصدر القرارات دون تحديد للمساحة المطلوب إزالتها بدقة، فيتم تجريف المساحة المتاحة بالكامل.
ويؤكد مسؤول البيئة أن عمليات القطع تجري بغير تخطيط بيئي، وأن المحليات لا تُخطر وزارة البيئة مسبقًا. وطوال 9 سنوات لم تصدر الوزارة موافقة رسمية واحدة على القطع، بل يقتصر دورها على التحرك عقب شكاوى المواطنين، ويستشهد التقرير بـ "واقعة مستشفى الخانكة" عام 2021، حيث أرادت الإدارة إزالة 300 شجرة بدعوى الخوف من سقوطها، لكن بعد معاينة لجنة بيئية تبين أن 30 شجرة فقط هي التي تستوجب الإزالة، مما يعكس استسهال الحلول الكلية.
ويعود ثمن بيع أخشاب الأشجار المقطوعة -بعد طرحها في مزادات علنية- إلى موازنة هيئة النظافة والتجميل التابعة للمحافظة، أما عن التقليم الجائر، فيرجعه المسؤول السابق لعدة أسباب: إما لعلاج أشجار مريضة، أو إزالة فروع متداخلة مع أسلاك الكهرباء ورادعة للحشرات عن المنازل، أو لدواعٍ أمنية تهدف إلى تحسين مدى رؤية كاميرات المراقبة في الشوارع.