لا تزال منطقة الشرق الأوسط تعيش على وقع زلازل جيوسياسية متلاحقة، من شأنها أن تعيد رسم مواقع النفوذ والسياسات داخل الإقليم، وتعيد تشكيل خريطة الاستقطابات الدولية، في ظل صراعات مفتوحة وحسابات انتخابية داخل دولتين تملكان تأثيرًا مباشرًا في مجريات المنطقة، هما الولايات المتحدة وإسرائيل.
ومع اقتراب نهاية العام، تبدو المنطقة أمام استحقاقات سياسية وانتخابية قد تكون لها انعكاسات واسعة على ملفات الحرب والسلام والتحالفات الإقليمية، خصوصًا في ظل الضغوط التي يواجهها كل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو.
وفي المشهد الحالي، يبدو أن الرجلين يواجهان معضلة مشتركة: أزمات داخلية وضغوط انتخابية قد تدفعهما إلى خيارات خارجية أكثر خطورة، خصوصًا إذا اعتقد أي منهما أن التصعيد العسكري يمكن أن يحسن موقعه السياسي أو يؤجل استحقاقات داخلية صعبة.
ترامب.. الانتخابات تضغط على القرار الأميركي
لم يشهد البيت الأبيض خلال العقود الأخيرة رئيسًا أثار هذا القدر من الجدل والانقسام مثل دونالد ترامب، الذي جعل من السياسة الخارجية، والتهديد باستخدام القوة، والصفقات المباشرة، أدوات أساسية في إدارته.
ومع اقتراب الانتخابات النصفية الأميركية، وما قد تحمله من تداعيات على وضع الحزب الجمهوري، تزداد الضغوط على الإدارة الأميركية لإظهار قدرتها على تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وأمنية يستطيع ترامب تقديمها للناخبين.
وفي هذا السياق، برزت وعود انتخابية مثيرة للجدل، من بينها الحديث عن تقديم مبالغ مالية مباشرة للأميركيين، وهي وعود تفتح الباب أمام انتقادات تتعلق بتكلفتها على الخزانة الأميركية، خصوصًا في ظل وصول الدين العام الأميركي إلى مستويات قياسية.
لكن الأهم من الحسابات الاقتصادية المباشرة هو تأثير الضغوط الانتخابية على السياسة الخارجية، إذ قد يجد ترامب نفسه أمام إغراء العودة إلى سياسة التصعيد العسكري، خصوصًا تجاه إيران، إذا رأى أن استعراض القوة يمكن أن يعزز صورته لدى قاعدته الانتخابية.
ويستند هذا الاحتمال إلى سجل ترامب نفسه في التعامل مع أزمات المنطقة، حيث يميل إلى استخدام التهديد والضغط الأقصى، قبل الانتقال إلى التفاوض أو التراجع عندما تتغير حساباته.
إيران.. بوابة التصعيد الأخطر
تظل إيران في قلب الحسابات الأميركية والإسرائيلية، خصوصًا مع استمرار الجدل حول برنامجها النووي وقدرتها على إعادة بناء ما تضرر من منشآتها خلال المواجهات السابقة.
وكان ترامب ونتنياهو قد قدّما الضربات التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية باعتبارها حققت أهدافًا كبيرة، بينما استمر نتنياهو في التأكيد على أن منع إيران من امتلاك سلاح نووي يمثل أحد أهدافه الأساسية.
غير أن الملف النووي لا ينفصل عن هدف إسرائيلي أوسع يتعلق بإضعاف النظام الإيراني نفسه.
فنتنياهو تحدث أكثر من مرة عن ضرورة التخلص من النظام الإيراني، بما يجعل أي تصعيد جديد يتجاوز في أهدافه مجرد تعطيل البرنامج النووي إلى محاولة إحداث تغيير استراتيجي في موازين القوى داخل المنطقة.
وهنا تكمن الخطورة؛ فإعادة فتح الحرب مع إيران لن تكون مواجهة محدودة، بل يمكن أن تتحول سريعًا إلى صراع إقليمي واسع، بالنظر إلى تعدد ساحات المواجهة وتشابك المصالح الأميركية والإسرائيلية والإيرانية مع القوى الإقليمية.
الحليف الأميركي.. وحدود الحماية
أعادت الحرب التي اندلعت في المنطقة بعد عملية "طوفان الأقصى" طرح سؤال قديم جديد أمام دول الشرق الأوسط: إلى أي مدى يمكن الاعتماد على المظلة الأمنية الأميركية؟
فوجود القواعد والقوات الأميركية في عدد من دول المنطقة لم يمنع اتساع نطاق الصراعات، كما أن الأولويات العسكرية الأميركية ظلت مرتبطة بدرجة كبيرة بحماية القوات والمصالح الأميركية، إلى جانب الدعم العسكري والأمني لإسرائيل.
وهذا الواقع يدفع بعض دول المنطقة إلى إعادة النظر في مفهوم الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة، والبحث عن بدائل أمنية وسياسية تمنحها هامشًا أكبر من الاستقلال في مواجهة الأزمات.
وتبرز في هذا السياق الاتصالات التي يُقال إنها جرت بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وترامب بشأن طلب دعم أميركي في مواجهة جماعة أنصار الله، في وقت تتصاعد فيه المخاطر المرتبطة بأمن البحر الأحمر وباب المندب.
ورفض واشنطن التدخل المباشر، أياً كانت أسبابه العسكرية أو السياسية، يمكن أن يعزز لدى بعض العواصم الخليجية قناعة مفادها أن شراء السلاح وعقد التحالفات الأمنية مع الولايات المتحدة لا يعني بالضرورة الحصول على تدخل عسكري أميركي في كل أزمة.
وقد يكون هذا أحد أهم التحولات الاستراتيجية التي خلفتها سنوات الحرب في المنطقة: انتقال عدد من الدول من سؤال "هل الولايات المتحدة معنا؟" إلى سؤال أكثر واقعية حول ما الذي تستطيع واشنطن فعله فعلًا عندما تتعارض مصالحها مع مصالح حلفائها؟
نتنياهو.. حرب أخرى لتأجيل السقوط؟
على الجانب الإسرائيلي، يواجه بنيامين نتنياهو أزمة سياسية لا تقل تعقيدًا.
فنتنياهو يخوض معركة داخلية للحفاظ على ائتلافه اليميني، في ظل استطلاعات متتالية تشير إلى صعوبة احتفاظه بالقوة السياسية نفسها، وتزايد احتمالات أن يواجه ائتلافه منافسة قوية من أحزاب المعارضة.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح الملف الأمني عنصرًا حاسمًا في الحسابات السياسية الإسرائيلية.
فالحرب في غزة، والتوتر مع لبنان، والتصعيد في الضفة الغربية، والعمليات الإسرائيلية في سورية، إضافة إلى المواجهة مع إيران، كلها ملفات يمكن أن يستخدمها نتنياهو لتأكيد صورته باعتباره السياسي القادر على إدارة "المخاطر الأمنية" التي تواجه إسرائيل.
ولهذا السبب، فإن أي تصعيد جديد لا يمكن قراءته بمعزل عن الوضع السياسي الداخلي الإسرائيلي.
إيران في قلب الحسابات الانتخابية الإسرائيلية
يقدم نتنياهو نفسه باعتباره صاحب المشروع الأكثر تشددًا في مواجهة إيران، ويؤكد أن إسرائيل لن تسمح لطهران بامتلاك سلاح نووي.
كما يكرر أن إعادة بناء البرنامج النووي الإيراني تمثل خطرًا لا يمكن لإسرائيل تجاهله، رغم التصريحات السابقة التي تحدثت عن تدمير المنشآت النووية الإيرانية أو إلحاق أضرار بالغة بها.
لكن المشكلة التي تواجه نتنياهو أن أي حرب جديدة مع إيران قد تحمل مخاطر هائلة على إسرائيل نفسها، اقتصاديًا وأمنيًا وعسكريًا، فضلًا عن احتمال اتساع نطاق المواجهة إلى جبهات أخرى.
ومع ذلك، فإن الحساب السياسي الداخلي قد يجعل خيار التصعيد أكثر إغراءً بالنسبة إلى حكومة تعاني من ضغوط متزايدة.
المعارضة الإسرائيلية.. انتصار انتخابي لا يعني حكومة جديدة
حتى في حال تفوق المعارضة الإسرائيلية على ائتلاف نتنياهو في الانتخابات، فإن تشكيل حكومة بديلة لن يكون بالضرورة أمرًا سهلًا.
فالانقسام السياسي الحاد داخل إسرائيل يجعل بناء أغلبية مستقرة مهمة معقدة، خصوصًا في ظل رفض بعض القوى التعاون مع أحزاب أو قوائم من المعسكر الآخر.
وتبرز في هذا السياق الأحزاب والقوائم العربية باعتبارها إحدى العقد الأساسية أمام تشكيل ائتلاف جديد.
كما أن إمكانية انضمام القائمة الموحدة، برئاسة منصور عباس، إلى أي ائتلاف حكومي تظل محل خلاف داخل المعسكرين، في وقت يحاول فيه نتنياهو استباق هذه الاحتمالات عبر مهاجمة خصومه وربطهم بقوى سياسية يرفضها معسكره اليميني.
ومن ثم، فإن فوز المعارضة بعدد أكبر من المقاعد لا يعني تلقائيًا قدرتها على تشكيل حكومة، وهو ما يفتح الباب أمام فترة طويلة من المفاوضات السياسية، وربما استمرار نتنياهو في رئاسة حكومة انتقالية أو تصريف أعمال إلى حين التوصل إلى صيغة ائتلافية.
غزة ولبنان وسورية والضفة.. ساحات جاهزة للتصعيد
ولا تقتصر خيارات التصعيد أمام نتنياهو على إيران، فهناك غزة ولبنان وسورية والضفة الغربية، وهي جبهات يمكن أن تشهد موجات جديدة من التصعيد، وإن كانت لكل جبهة حساباتها وظروفها الخاصة.
وتظل الضفة الغربية أكثر الساحات قابلية للتصعيد المستمر، في ظل العمليات العسكرية والاعتداءات الاستيطانية والإجراءات الإسرائيلية المتصاعدة، بينما يمكن أن يتحول أي تطور في لبنان أو سورية إلى أزمة أوسع إذا قررت إسرائيل توسيع عملياتها العسكرية.
لكن العقبة الأساسية أمام نتنياهو تتمثل في الموقف الأميركي. فواشنطن قد لا تكون مستعدة لمنح إسرائيل حرية الحركة نفسها في جميع الجبهات، خصوصًا إذا رأت الإدارة الأميركية أن حربًا جديدة ستضع القوات والمصالح الأميركية في المنطقة أمام مخاطر لا ترغب في تحملها.
هل يجر نتنياهو ترامب إلى حرب جديدة؟
هنا تتقاطع حسابات الرجلين، فنتيناهو يحتاج إلى إنجاز أمني كبير يستطيع تقديمه للإسرائيليين، بينما يواجه ترامب استحقاقات سياسية وانتخابية داخلية وضغوطًا متزايدة على إدارته.
وفي المقابل، قد لا يكون ترامب راغبًا في الانجرار إلى حرب مفتوحة جديدة في الشرق الأوسط، خصوصًا بعد التجربة الأميركية الطويلة في حروب المنطقة.
لكن نتنياهو قد يحاول استثمار المخاوف الأميركية من إيران لإقناع ترامب بأن العودة إلى التصعيد العسكري ضرورية لمنع طهران من إعادة بناء قدراتها النووية والعسكرية.
وهنا تصبح تصريحات نتنياهو المتكررة بشأن إيران أكثر من مجرد رسائل أمنية؛ إذ يمكن قراءتها أيضًا باعتبارها محاولة لتهيئة الرأي العام الإسرائيلي والأميركي لاحتمال جولة جديدة من المواجهة.
الشرق الأوسط أمام اختبار جديد
المشهد الإقليمي، إذن، لا يتحرك فقط بفعل الصراعات بين الدول، وإنما أيضًا بفعل الأزمات السياسية الداخلية لقادة الدول الأكثر تأثيرًا فيه.
ترامب يواجه حسابات انتخابية وضغوطًا داخلية، ونتنياهو يخوض معركة سياسية للحفاظ على مستقبله ومستقبل ائتلافه، فيما تبقى إيران في مركز المواجهة، وتظل غزة ولبنان وسورية والضفة الغربية ساحات قابلة للاشتعال.
وفي المقابل، بدأت دول عربية تعيد حساباتها بشأن مدى الاعتماد على الولايات المتحدة باعتبارها الضامن الأمني الوحيد، خصوصًا بعد سنوات كشفت أن المصالح الأميركية لا تتطابق دائمًا مع مصالح حلفائها الإقليميين.
وبين هذه الحسابات المتشابكة، يبدو الشرق الأوسط أمام مرحلة شديدة الحساسية؛ إذ قد لا يكون التصعيد المقبل مجرد جولة أخرى من جولات الصراع، بل نقطة تحول تعيد رسم خريطة التحالفات وموازين القوى في المنطقة لسنوات طويلة.
ويبقى السؤال الأكثر خطورة: هل يتجه ترامب ونتنياهو إلى مواجهة جديدة مع إيران باعتبارها خيارًا استراتيجيًا، أم أن الحسابات الانتخابية والسياسية للرجلين قد تدفعهما إلى مغامرة عسكرية تتجاوز قدرتهما على التحكم في نتائجها؟