أهالي طُرة في مواجهة الإزالة.. مِلكيات خاصة مُهددة باسم تطوّير كورنيش النيل

- ‎فيتقارير

تصاعدت خلال الأيام الماضية احتجاجات أهالي منطقة كورنيش النيل بطرة، بالتزامن مع بدء أعمال لجنة لحصر الممتلكات في المنطقة، تمهيدًا لتحديد العقارات التي قد تخضع لإجراءات نزع الملكية للمنفعة العامة، وسط حالة من القلق بين السكان بشأن مصير منازلهم ومحالهم وملكياتهم التي استقرت فيها عائلاتهم لعقود.

وبدأت أعمال الحصر في 15 سبتمبر الجاري، بعد قرار صادر عن محافظة القاهرة في 11 أغسطس 2026 بتشكيل لجنة لحصر الممتلكات، وذلك بعد أيام من تنظيم أهالي المنطقة مسيرة احتجاجية رفضًا لما يقولون "إنه مخطط لإزالة أجزاء من منطقتهم ضمن مشروع لتطوير الواجهة النيلية، مرددين هتاف: مش هنمشي".

وتقول شهادات عدد من الأهالي: "إنهم فوجئوا خلال العام الماضي بظهور منطقتهم ضمن مخططات إعادة التخطيط، رغم وجود ملكيات خاصة مسجلة ومستقرة منذ عشرات السنين، فيما يخشى السكان من أن يتحول الحصر إلى خطوة تمهّد لإزالة منازلهم ونقلهم إلى أماكن أخرى، دون وضوح بشأن طبيعة المشروع أو قيمة التعويضات وآليات صرفها".

ملكيات عمرها عقود تظهر في مخطط التطوير

تعود جذور الأزمة، وفق روايات الأهالي والمحامين الذين تحدثوا إلى منصة «متصدقش»، إلى القرار رقم 15699 لسنة 2025، المنشور في الجريدة الرسمية "الوقائع المصرية" بالعدد 216، والمتعلق باعتماد مخطط التجديد والتطوير للواجهة النيلية للقطاع الجنوبي في القاهرة الكبرى.

ويقول سكان المنطقة: "إنهم اكتشفوا، بعد نشر القرار، أن المنطقة التي يعيشون فيها منذ عقود ظهرت ضمن المخطط باعتبارها منطقة مخصصة لـ"أبراج فندقية – إدارية – تجارية"، وهو ما أثار مخاوفهم من أن تكون الملكيات الخاصة القائمة حاليًا مهددة بالإزالة لصالح مخطط عمراني جديد".

وتضم المنطقة عائلات ارتبط وجودها بها لعشرات السنين، وبينهم أبناء وأحفاد عمال وموظفين في صناعة الأسمنت والمحاجر والأنشطة المرتبطة بالبناء، فضلًا عن أسر ارتبط أفراد منها بالعمل في المؤسسات الأمنية القريبة من المنطقة.

ويقول المحامي سيد عفيفي، أحد المتضررين: "إن منزله ومكتبه ومنازل أفراد أسرته ومحالهم التجارية موجودة في المنطقة منذ نحو نصف قرن، مشيرًا إلى أن المخطط الحالي لم يكن البداية الفعلية لفكرة التطوير".

من قرار سابق إلى "إعادة تخطيط" واسعة

بحسب عفيفي، سبق القرار المنشور في 2025 قرار آخر أصدره محافظ القاهرة السابق اللواء خالد عبد العال عام 2022، حمل رقم 3161 لسنة 2022، وكان يتعلق بتطوير المنطقة، إلا أن خطوات التنفيذ لم تبدأ على الأرض في ذلك الوقت.

ويقول عفيفي: "إن الأهالي علموا لاحقًا بأن القرار السابق لم يُستكمل، قبل أن يظهر مخطط جديد في 2025، لكنه هذه المرة لم يتعامل مع المنطقة باعتبارها نطاقًا محدودًا للتطوير، وإنما أدرج كورنيش النيل بالمعادي ودار السلام وأثر النبي ضمن نطاق "إعادة تخطيط".

وتشير الوثائق المرتبطة بالقرار، وفق المادة التي نشرتها «متصدقش»، إلى أن شركة المعادي للتنمية والتعمير تقدمت بمقترح لاستغلال قطعة أرض محددة تقع شمال مستشفى القوات المسلحة وبجوار المحكمة الدستورية العليا.

وبحسب ديباجة القرار، جرى توجيه الهيئة العامة للتخطيط العمراني لإعداد مخطط تنموي يحدّث ويطور مخطط تطوير كورنيش النيل ودار السلام وأثر النبي القديم، قبل عرض الأمر على المجلس الأعلى للتخطيط والتنمية العمرانية، الذي انعقد برئاسة رئيس مجلس الوزراء في 31 يناير 2023، وانتهى إلى الموافقة على إعلان المنطقة نطاقًا لإعادة التخطيط.

ويرى عفيفي أن ما يثير مخاوف الأهالي هو أن المخطط يتعامل مع المنطقة وكأنها أُزيلت بالفعل، إذ لا تظهر ملكيات السكان أو منطقتهم بصورة واضحة ضمن التصور النهائي للمشروع.

"العقبة" أمام مشروع عمراني موحد

يحدد عفيفي موقع المنطقة المستهدفة بين فندق اللؤلؤة ومنشأة سلاح المهمات التابعة للقوات المسلحة وفيلات تابعة للمخابرات من ناحية، وبين موقع الكوبري الجديد وسجن طرة من ناحية أخرى.

وبحسب رؤيته، فإن موقع المنطقة يجعل ملكيات الأهالي عنصرًا أساسيًا في أي تصور لتجميع الأراضي وإقامة مشروع عمراني متكامل على الواجهة النيلية.

لكن هذه الرؤية تظل، بحسب المادة، تقديرًا من أحد المتضررين، في ظل عدم وجود إعلان رسمي يوضح بصورة تفصيلية مصير كل ملكية أو طبيعة المشروع النهائي المزمع تنفيذه على الأراضي محل الحصر.

ملاحظات رقابية على الشركة المطورة

وتضيف المادة بُعدًا آخر إلى القضية، يتعلق بالشركة التي ارتبط اسمها بمقترح التطوير، وهي شركة المعادي للتنمية والتعمير.

فبحسب ما أوردته "متصدقش"، رصد الجهاز المركزي للمحاسبات خلال الربع الأول من عام 2026 عددًا من الملاحظات على القوائم المالية وأداء الشركة، شملت جوانب محاسبية ومالية، إلى جانب ملاحظات تتعلق بعدم الاستغلال الأمثل لبعض الأصول العقارية التابعة لها في مناطق مختلفة، بينها الشيخ زايد ومدينة نصر وهليوبوليس الجديدة.

ومن بين الملاحظات التي أوردها الجهاز وجود مساحات كبيرة من الأراضي غير المستغلة المملوكة للشركة في منطقة زهراء المعادي، تقدر بنحو 1.03 مليون متر مربع.

ويرى الأهالي أن وجود أراضٍ غير مستغلة تابعة للشركة يطرح تساؤلًا حول أسباب التوسع في مناطق مأهولة بالسكان، إلا أن هذا التساؤل لا يحسم وحده طبيعة المشروع أو دوافع اختيار المنطقة، وهي أمور تحتاج إلى توضيح رسمي من الجهات المعنية.

الأهالي: لا نعرف مصير منازلنا

وسط هذه التطورات، يقول سكان المنطقة إنهم لم يشاركوا في مناقشات تتعلق بمخطط التطوير، رغم أنهم الطرف الأكثر تأثرًا به.

وتنقل "متصدقش" عن أربعة من الأهالي تأكيدهم أن حياتهم ارتبطت بالمنطقة منذ الولادة، وأنهم لا يعرفون مكانًا آخر يمكن أن يمثل بديلًا حقيقيًا لمنازلهم الحالية.

ويقول أحد السكان، أحمد عمر، البالغ من العمر 28 عامًا: "الناس بتقول: يجوا يهدوها فوق دماغنا، مش هنتحرك".

ولا يعترض الأهالي، وفق شهاداتهم، على فكرة التطوير أو الحصول على تعويض عادل من حيث المبدأ، وإنما يطالبون أولًا بمعرفة طبيعة المشروع، وحدود الإزالة، ومصير كل ملكية، وقيمة التعويضات وآلية احتسابها.

"المنفعة العامة".. سؤال قانوني في قلب الأزمة

وتتركز إحدى أبرز نقاط الخلاف حول الأساس القانوني الذي تستند إليه إجراءات نزع الملكية.

ويقول المحامي عمر عيد، المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة وأحد سكان المنطقة، إن إجراءات نزع الملكية تستند إلى القانون رقم 10 لسنة 1990 بشأن نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة.

ويشير عيد إلى أن المادة الثانية من القانون تحدد صورًا للأعمال التي تعد من أعمال المنفعة العامة، ومنها إنشاء الطرق والشوارع والميادين وتوسعتها، وإنشاء أحياء جديدة، ومشروعات المياه والصرف الصحي والري والطاقة، والكباري، ومشروعات النقل والمواصلات، وأغراض التخطيط العمراني وتحسين المرافق العامة.

ويرى عيد أن استخدام نزع الملكية في مشروع ذي طبيعة استثمارية وعقارية يحتاج إلى تحديد واضح للغرض العام الذي يستند إليه القرار، موضحًا أن صاحب الملكية يجب أن يعرف طبيعة المشروع الذي تُنزع ملكيته من أجله.

أما سيد عفيفي، فيرى أن أملاك الأهالي ملكيات خاصة موثقة، وليست أراضي دولة، وبالتالي فإن وجود جانب استثماري في المشروع يثير، من وجهة نظره، تساؤلات قانونية بشأن مدى انطباق أحكام نزع الملكية للمنفعة العامة على هذه الحالات.

وتبقى هذه الرؤى القانونية محل خلاف وتحتاج إلى حسم عبر الجهات القضائية المختصة، خصوصًا مع لجوء بعض المتضررين بالفعل إلى الطعن على إجراءات الحصر.

قرار الحصر يفتح بابًا جديدًا للقلق

بحسب نسخة من قرار لجنة الحصر حصلت عليها "متصدقش"، اقتصر القرار على الإعلان عن إجراء أعمال الحصر، دون توضيح تفصيلي للغرض النهائي من الحصر في النص الذي عرضه التقرير.

ويعتبر عفيفي أن غياب التفاصيل يمثل مصدر قلق للسكان، لأنهم لا يعرفون طبيعة المشروع الذي قد تُنزع ملكياتهم من أجله، ولا المعايير التي سيجري على أساسها تحديد التعويض.

ومع استمرار أعمال الحصر لأكثر من أسبوع، يقول الأهالي إنهم تعاونوا في البداية مع اللجان، قبل أن يتغير موقفهم نتيجة عدم حصولهم على إجابات واضحة بشأن مستقبل المنطقة.

ويؤكد عفيفي أن عددًا من الأهالي بدأ بالفعل اتخاذ إجراءات قانونية للطعن على قرار الحصر، مشددًا على أن تحركاتهم لا تستهدف الصدام مع الدولة، وإنما تهدف إلى معرفة مصير أملاكهم وضمان حقوقهم القانونية.

مخاوف من تعويضات لا تواكب أسعار العقارات

تزداد المخاوف لدى الأهالي بسبب طبيعة المنطقة وتركيبتها الاجتماعية، إذ يقول عفيفي إن نسبة كبيرة من السكان تعتمد على دخل يومي محدود، بينما يعيش عدد من السكان في وحدات تخضع لنظام الإيجار القديم.

ويقدر عدد السكان المتضررين، وفق تقديرات الأهالي، بما بين 3 آلاف و5 آلاف نسمة.

ويخشى السكان من أن تتم إزالة منازلهم قبل حصولهم على تعويضات كافية تمكنهم من توفير بدائل مناسبة، خاصة في ظل ارتفاع أسعار العقارات.

ويشير المحامي عمر عيد إلى أن القانون رقم 10 لسنة 1990 وتعديلاته ينص على احتساب التعويض وفق قيمة العقار وقت نزع الملكية، مع إضافة نسبة 20% من قيمة التعويض وفق الضوابط القانونية.

كما يوضح أن تحديد القيمة يرتبط بتقدير سعر العقار وفق المعايير الرسمية المعمول بها، معتبرًا أن قيمة التعويض يجب أن تعكس القيمة الفعلية للعقار وقت نزع الملكية، وليس أسعارًا قديمة لا تتناسب مع السوق الحالية.

وتأتي هذه المخاوف في وقت أثار فيه إعلان حكومي بشأن صرف 40 ألف جنيه للغرفة لأصحاب بعض الشقق التي أزيلت في إطار توسعة الطريق الدائري تساؤلات بين سكان طرة حول ما إذا كانت التعويضات المستقبلية ستتوافق مع القيمة الفعلية لملكياتهم.

اجتماع مع المحافظ.. أسئلة بلا إجابات؟

وفي 10 سبتمبر الجاري، عقد اجتماع ضم عددًا من أهالي المنطقة ونائبها عن حزب مستقبل وطن مع محافظ القاهرة، لمناقشة تداعيات مخطط التطوير.

وبحسب أحد الحاضرين، جمع الأهالي نحو 33 سؤالًا بناءً على طلب المحافظة، على أن يتم الرد عليها خلال اللقاء، إلا أنه يقول إن الأسئلة لم تحصل على إجابات تفصيلية.

وكان من أبرز الأسئلة التي طرحها الأهالي سبب إزالة منازلهم، فيما نُقل عن المحافظ أن الهدف يتعلق بـ"توسعة الكورنيش"

لكن الأهالي طرحوا سؤالًا آخر حول سبب إزالة الصف الأول من منازلهم تحديدًا، في الوقت الذي توجد فيه مبانٍ تابعة للشرطة على امتداد المنطقة نفسها.

ووفق شهادة أحد المشاركين في الاجتماع، قيل إن الكورنيش "ضيق" في منطقة الأهالي، بينما تساءل السكان عن سبب عدم انطباق الأمر نفسه على المباني الواقعة في الجوار.

وتظل هذه الرواية منسوبة إلى المشاركين في الاجتماع، في ظل الحاجة إلى توضيح رسمي مكتوب من محافظة القاهرة بشأن حدود الإزالة والمناطق التي يشملها المشروع.

مبانٍ شرطية تثير تساؤلات الأهالي

بحسب سكان المنطقة، توجد عدة تجمعات لمبانٍ تابعة للشرطة على مستوى البناء نفسه وعلى امتداد أجزاء من الواجهة النيلية التي تقع فيها المنطقة المستهدفة.

ويقول الأهالي: "إن هذه المباني تقع في نطاقات متجاورة تبدأ من محيط سجن طرة وتمتد بالقرب من شارع معهد أمناء الشرطة وصولًا إلى مناطق أخرى بمحاذاة الكورنيش".

ويطرح السكان سؤالًا بشأن المعايير التي ستحدد المباني والأراضي الداخلة في نطاق الإزالة، وما إذا كانت الإجراءات ستطبق على جميع العقارات الواقعة ضمن نطاق المشروع بالمعايير نفسها.

لكن المادة تشير في الوقت ذاته إلى أن بعض ما يطرحه الأهالي بشأن مصير المباني الشرطية يستند إلى توقعات وشكوك، وليس إلى قرار رسمي معلن يحدد إعفاءها أو استمرارها.

ماذا يقول المخطط عن البناء على النيل؟

وتشير تفاصيل القرار إلى السماح للأراضي المطلة على الواجهة النيلية بعمق 100 متر من حد طريق الكورنيش بالبناء بارتفاع يصل إلى 140 مترًا، مع عدم تجاوز معامل الكثافة البنائية 8، وذلك بشرط الحصول على موافقة هيئة عمليات القوات المسلحة ووزارة الدفاع.

ولا يحدد هذا النص، بحسب ما ورد في المادة، عمق الإزالة بصورة مباشرة، وإنما يتناول نطاق الامتيازات والاشتراطات البنائية الجديدة.

ومن هنا يتمسك الأهالي بضرورة توضيح العلاقة بين هذه الاشتراطات وبين إجراءات الحصر والإزالة، وما إذا كان كل جزء من المنطقة المستهدفة سيخضع للإزالة أم أن هناك أجزاء ستظل قائمة ضمن المخطط الجديد.

طرة بين التطوير وحق السكان في المعرفة

تضع هذه التطورات أهالي طرة أمام حالة من عدم اليقين بشأن مستقبل منازلهم وملكياتهم، في الوقت الذي تستمر فيه أعمال الحصر تمهيدًا للخطوات التالية.

وبينما تؤكد الجهات المعنية أهمية مشروعات تطوير الواجهة النيلية وتحسين البنية العمرانية، يرى السكان أن أي تطوير لا ينبغي أن يتم بمعزل عن حقوق أصحاب الملكيات القائمة، خصوصًا أن كثيرًا من هذه الملكيات تعود إلى عقود مضت.

وفي المقابل، يظل تحديد مدى قانونية إجراءات نزع الملكية، وطبيعة المنفعة العامة من المشروع، وقيمة التعويضات المستحقة، من المسائل التي تخضع للقوانين والقرارات الرسمية ولما قد تنتهي إليه الجهات القضائية المختصة.

وفي انتظار هذه الإجابات، تستمر لجان الحصر في عملها، بينما يتمسك الأهالي بمنازلهم وملكياتهم، مطالبين بإعلان واضح عن حدود المشروع، وطبيعته، ومصير كل عقار، وقيمة التعويضات ومعايير احتسابها.

وبالنسبة لسكان طرة، لم تعد القضية مجرد مخطط لتطوير كورنيش النيل، وإنما أصبحت سؤالًا مباشرًا عن كيف يمكن أن يتم التطوير دون أن يتحول إلى فقدان لملكيات وأماكن سكن استقرت فيها عائلات لعشرات السنين، ودون أن يعرف أصحابها مسبقًا ما الذي سيحدث لهم وإلى أين سيذهبون؟