رأى رجل أناسا يبنون بناء ويضيّقون حجراته.
فسألهم: ما هذا الذى تبنون؟ قالوا: نبنى سجنا. قال: ولماذا تضيقون حجراته هكذا؟ قالوا لأنه سجن. قال: أوسعوها لعلكم أن تنزلوها يوما.
ويحكى فى التاريخ أن هارون الرشيد غضب على البرامكة وحبس معهم خالد بن يحيى البرمكى وولده جعفر بعد أن كانا مقربين إليه، وذات يوم قال جعفر لأبيه يحيى بن خالد وهم فى القيود والحبس: يا أبت بعد الأمر والنهى والأموال العظيمة، صار بنا الدهر إلى القيود ولبس الصوف والحبس؟ فقال له أبوه يحيى: "يا بنى لعلها دعوة مظلوم سرت بليل، غفلنا عنها ولم يغفل الله عنها" ثم أنشأ يقول:
رب قوم قد غدوا فى نعمة زمنا، والدهر ريان غدق
سكت الدهر زمانا عنهم ثم أبكاهم دما حين نطق
وهذان الموقفان -وغيرهما من المواقف- يؤكدهما الحديث الذى أورده الإمام البخارى فى الأدب المفرد (البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، اعمل ما شئت كما تدين تدان) إن الله تبارك وتعالى قد يمهل، ولكنه لا يهمل، وإن يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء، ويقول: وعزتى لأنصرنك ولو بعد حين.
وهى رسالة أوجهها إلى من تورطوا فى ظلم الناس بأى لون من الألوان، لعلهم يثوبون إلى رشدهم ويرجعون عن التمادى فى غيهم، وذلك قبل أن يأتى يوم يقول فيه المرء {رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّى أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ}. وساعتها لن ينفع الندم، وقد خاب من حمل ظلما.