رسالة “واتس آب” بالخطأ.. تفضح سرقة العسكر لآثار مصر (فيديو)

- ‎فيتقارير

فى واقعة غريبة وكارثية ومثيرة تظهر مدى ما وصلت إليه دولة العسكر بمصر من جرائم، أثار فيديو لتسويق قطع أثرية قام بإرساله عضو مجلس نواب بمحافظة أسيوط على جروب واتس آب، لقيادات محافظة أسيوط وأعضاء مجلس النواب للمطالبة بتسويقه وبيعه!.

ففي الوقت الذى تروج فيه مصر عن نفسها بامتلاكها أكبر عدد من القطع الأثرية في العالم ولكنها في الوقت نفسه تتركها فريسة للنهب والسرقة تارة، وللإهمال تارات أخرى، حيث يُقدر عدد القطع الأثرية في مصر ما بين 750 – 800 ألف قطعة أثرية بين المواقع الأثرية والمتاحف والمخازن، عدد المعروض منها للجمهور يُقدر بأقل من 40% من إجمالي هذا العدد.

كان "مديح عمار الزناتى"، عضو مجلس النواب عن دائرة مركزي البداري وساحل سليم، قد قام بإرسال مقطع فيديو على جروب الواتس آب الخاص بمحافظة أسيوط "بنحبك يا مصر"، يدعو فيه لترويج غرفة آثار فرعونية كاملة قام بالحصول عليها، الأمر الذى دفع النواب بالمحافظة والمسئولين إلى الاستفسار عنها .

https://youtu.be/e8s10bNaE2Y

6 مليارات جنيه قيمة الآثار المسروقة

الباحث أحمد لطفى يتحدث عن ملف الثأر والنهب، قائلا: "الميزانية العامة المصرية كانت في السابق تخصص قرابة 15 مليون جنيه للتنقيب عن الآثار، لكن مع مرور الوقت ظل هذا الرقم يتضاءل حتى وصل إلى مليون جنيه فقط في بلد يُفترض أن يعمل على جذب مزيد من السياحة، كونها أحد مصادر الدخل القومي، ولكن الواقع يقول إن الوزارة المسئولة عن هذا القطاع بلغت مديونيتها قرابة 5 مليارات جنيه، لتترك الدولة الساحة إلى منقبي الآثار غير الشرعيين الذين يعملون في السر لتهريب تراث بلد بأكمله على مرأى ومسمع من حكوماتها المتعاقبة".

ويضيف: إذا ما فتحنا ملف سرقة الآثار في مصر فإنه حافل بالحوادث؛ لأن عمليات سرقة الآثار في مصر والتنقيب عنها تزايدت في الفترة الأخيرة بشكل ملحوظ، خاصة بين الراغبين في الثراء السريع وبين هواة جمع القطع الأثرية التاريخية، إذ تشكلت مجموعات من مافيا تهريب الآثار متخصصة في التنقيب عن الآثار في الأماكن التاريخية، وهو ما يُظهر مسألة غياب الرقابة الأمنية على المواقع الأثرية المهمة مع ظهور دلائل على اشتراك بعض أفراد الأمن في هذه العمليات، ناهيك عن مسألة التنقيب العشوائي التي تتم من بعض المواطنين.

ويتابع الباحث لطفي وفق حديث أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة الأزهر، الدكتور محمد عبد التواب، بأن 40% من مخازن الآثار يتم سرقتها بشكل شبه يومي في مصر، كما صرحت ديبورا ليهر، رئيسة التحالف الدولي لحماية الآثار لجريدة الأهرام، بأن قيمة الآثار المسروقة تتراوح ما بين 3 و6 مليارات دولار، دون أن تحرك الدولة ساكنًا.

أنا بريء

وفى محاولة لإخفاء الفضيحة، علق مديح الزناتي، عضو مجلس النواب، على هذا الحديث المتداول ومقطع الفيديو قائلا، إن هذا الفيديو متداول جدا داخل محافظة أسيوط التي ينتمي إليها، وهناك الكثير من المواطنين الذين يقعون في فخ هذه العملية الاحتيالية.

وادعى الزناتي أنه كان يقصد إرسال هذه المقطع لعدد من مجموعات المحادثة وللصحفيين، بغرض توعية المواطنين، وبمجرد أن أرسل هذا المقطع تلقى اتصالات عديدة حول حقيقة هذا المقطع، مؤكدا أنه بعدما أرسل هذا المقطع كتب تعليقا عليه بتوعية المواطنين من مثل هذه الفيديوهات التي يكون غرضها استقطاب المواطنين واستغلالهم أو الاحتيال عليهم.

وأشار إلى أن أي شخص يعمل في المجال السياسي يوجد لديه خصوم يستغلون أي فعل له للتشكيك فيه، "مثلا لو عملت صرف صحي يقولوا الحكومة اللي عملت، لو رصفت شارع يقولوا مش أنت اللي عملت دا الحكومة، أي حاجة بتعلمها ممكن يتشكك فيها".

https://youtu.be/e8s10bNaE2Y

 360مليارا سنويا

وقدرت أوساط موالية للانقلاب حجم عمليات تهريب الآثار المصرية بحوالي "20" مليار دولار، ما يساوي "360" مليار جنيه سنويًا.

وبعد انقلاب 03 يوليو 2013م، وخلال السنتين الماضيتين فقط، تفجرت عدة حوادث  لتهريب الآثار  تكشف عمق الأزمة والنفوذ الواسع الذي تتمتع به مافيا تهريب الآثار المصرية، وتورط مسئولين كبار في نظام العسكر في نهب كنوز مصر وثرواتها لحساب مصالحهم الخاصة وأطماعهم الواسعة في نهب واغتصاب واحتكار كل شيء.

الأولى: عندما فجَّر بيان منسوب للمركز الإعلامي بوزارة الآثار المصرية، مفاجأة كبرى بإعلانه اختفاء 33 ألف قطعة أثرية، خلال عملية جرد قامت بها الوزارة بشكل ذاتي، لبحث حالة المخازن وما طرأ عليها خلال الـ50 عامًا الماضية، وشكل عدد الآثار المختفية صدمة كبرى، خصوصًا أن البعض تعامل مع الرقم وكأن الآثار كانت تخرج في "علب البيبسي" مع عمال البوفيه، ولم تر هذا العدد الضخم أجهزة الوزارة. مع تتبع التصريحات المكثفة والشد والجذب ومحاولات التملص من المسئولية، ظهر من بين ثنايا رد خالد العناني وزير الآثار الحاليّ المعنى الحقيقي للكارثة، بعدما أوضح الرجل في تصريحات لتهدئة الرأي العام، أن الوزارة كانت تسمح للأشخاص العاديين بحيازة القطع الأثرية، وبرر الوزير ما كان يحدث قديمًا، بالضمانات التي كانت توقع على طالب القطع الأثرية، خصوصًا أنه لم يكن مسموحًا التصرف فيها بأي شكل من الأشكال، سواء الاتجار بها أم بإهدائها.

الثانية، في مارس 2018 من العام الماضي، فوجئ المصريون بإعلان الإدارة الكويتية العامة للجمارك عن ضبط غطاء تابوت فرعوني بعد تهريبه داخل قطعة أثاث (كنبة) عبر مطار القاهرة، وتبين من التحقيقات في القضية رقم 3545 لسنة 2018 عقب تفريغ كاميرات المراقبة الموجودة في المطار لمعرفة خط سير الكنبة وكيفية خروجها من المطار، أن أمين الشرطة العامل على جهاز الماسح الضوئي الذي مرت قطعة الأثاث وبداخلها الأثر، كان يتحدث في التليفون ووجهه في الاتجاه الآخر بعيدا عن الجهاز حتى مرورها.

الثالثة عندما فجرت صحيفة إيمولاأوجي imolaoggi الإيطالية في مايو 2018م، فضيحة مدوية بعثور شرطة نابولي في مارس من العام ذاته على "23,700" قطعة أثرية مهربة بينها "118" أثرا مصريًّا، في حاويات دبلوماسية مصرية قادمة من ميناء الإسكندرية إلى ميناء ساليرنو جنوبي إيطاليا. الأكثر دهشة أن الجانب المصري علم بهذه الجريمة في 14 مارس من العام ذاته لكنه لم يتحرك إلا بعد أن فجرت الصحيفة الإيطالية الموضوع؛ حيث أصدرت خارجية الانقلاب بيانا تنفي فيه صفة الدبلوماسية عن الحاويات التي استخدمت في عملية التهريب الكبرى.

بيع أون لاين

الأمر  تجاوز ذلك إلى حد الإعلان عن عمليات التجارة الحرام على مواقع التواصل  الاجتماعي؛  حيث تنتشر إعلانات بيع الآثار المصرية بصورها وأثمانها على المواقع الإلكترونية مثل ebay، وinvaluable و ancientresourceوتم توثيق عمليات البيع والشراء من مصريين وعرب منتشرة على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) وحتى في تعليقات المشاهدين على تسجيلات مرئية على موقع يوتيوب بعنوان (طريقة بيع الآثار المصرية وأسعارها وأشكالها الأصلية)، إذ يعلن الباعة عما بحوزتهم ويضع بعضهم علانية لقطات فيديو لقطع أثرية فيما يرسل المشترون أرقام هواتفهم لهم لإرسال صور لما لديهم من آثار كما يعرض آخرون مقاطع لمقابر فرعونية كاملة للمشاركة في التنقيب، وتحظى تلك المقاطع بمئات آلاف المشاهدات وتبرز التعليقات اهتمام مشاهدين بالمشاركة في التجارة غير المشروعة قانونيا.

وتؤكد الدكتورة مونيكا حنا، الباحثة والناشطة المدافعة عن الآثار المصرية، أن العصابات المنظمة لتجارة الآثار العاملة في مصر، تحتاج إلى أشخاص يموّلون عمليات البحث والتنقيب باستخدام أجهزة حديثة للكشف عن المعادن الثمينة مثل "جيوسونار" الذي يستخدم للكشف عن الآثار والذهب الموجود في باطن الأرض، وهو ما يدفعهم إلى تلك الإعلانات ومحاولة الحصول على شركاء، كما يؤكد مصدر أمني يعمل في الإدارة العامة لشرطة السياحة والآثار.

الآثار وكبار الجنرالات

صحيفة "التايمز" البريطانية، اتهمت في تقرير لها نشرته في سبتمبر 2017 ضباطا نافذين بجيش العسكر المصري بالتورط في تجارة الآثار وتهريبها، ونقلت مراسلة الموقع في القاهرة بيل تروي عن أحد تجار الآثار تأكيده أن بعض أفراد الأمن المصري، بالإضافة إلى مجندين وضباط من الجيش، يقومون بمساعدة تجار الآثار على تهريب القطع الأثرية مقابل عمولة تصل إلى 10 آلاف دولار عن القطعة الواحدة.

كما أضاف تاجر الآثار الذي لم يسمه تحقيق التايمز، أن هناك أيضا بعض الدبلوماسيين الذين يساعدون هؤلاء التجار في نقل القطع الأثرية خارج مصر. وهو ما تأكد في جريمة التهريب التي كشفتها شرطة نابولي بعد التحقيق ب6 أشهر فقط. ويشير التقرير  إلى شغف المصريين بالحفر بحثا عن الآثار  سعيا وراء الثراء السريع  بعد تدهور الأوضاع الاقتصادية في أعقاب قرار تعويم الجنيه أمام باقي العملات في  نوفمبر 2016م.

وانتهى تقرير نشرته صحيفة "العربي الجديد" اللندنية في أغسطس 2018 إلى عدة حقائق نقلا عن مصادر رسمية خاصة بمطار القاهرة وبحكومة الانقلاب، تؤكد تورط جنرالات كبار بالقوات المسلحة في عمليات التهريب التي زادت بكثافة في أعقاب انقلاب 30 يونيو 2013م، منها:

أولا، الحقائب الدبلوماسية أصبحت أسهل طريقة لتهريب الآثار من مصر، عبر سفارات من دول مختلفة يعمل فيها دبلوماسيون متورطون في هذه الأعمال. وتعرف الحقيبة الدبلوماسية بأنها أي مظروف أو طرد أو صندوق أو حاوية شحن أو أي وعاء آخر يستخدم بواسطة البعثة الدبلوماسية، وليس للحقيبة الدبلوماسية حجم أو وزن أو شكل معين حتى تتمتع بالحصانة، ولا يجوز فتح أو حجز الحقيبة الدبلوماسية بحسب المادة 27 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961.

ثانيا، "بعد الثلاثين من يونيو 2013 وسيطرة الجيش بقيادة وزير الدفاع آنذاك الفريق أول عبد الفتاح السيسي على مقاليد الحكم، أصبح للقوات المسلحة نفوذ واسع داخل المنافذ الجوية والبحرية والبرية لمصر، إذ يكفي أن يقوم ضابط من رتبة كبيرة بإحضار ما يفيد بأن شحنة ما، سواء واردة أو صادرة، تابعة للقوات المسلحة، حتى يتجاوز رجال الجمارك عن تفتيشها، وبهذه الطريقة يمكن لأي شخص تهريب أي شيء، سواء من داخل مصر إلى خارجها أو العكس".

ثالثا، ينقل التقرير عن شاهد عيان يمتلك إحدى شركات التخليص الجمركي، أنه كان شاهداً على أكثر من صفقة تهريب، إحداها كانت عبارة عن شحنة ضخمة من الأدوية الواردة إلى مصر، وتم الاتفاق مع ضابط على أن يُحضر شهادة تفيد بأن الحاوية التي تحمل الشحنة واردة للقوات المسلحة، ثم يقوم الضابط باستلامها في مطار القاهرة وتسليمها لأصحابها خارج الدائرة الجمركية، وكضمان لصاحب الشحنة يقوم الضابط بتوقيع شيك بنكي بقيمة الصفقة لصاحبها، وعقب خروجها يقوم بإعادة ذلك الشيك مرة أخرى للضابط، وهي طريقة متعارف عليها بين المهربين.

رابعا، من يتعاملون في هذه الصفقات، يكونون على دراية واسعة بنوعية ما يتم تهريبه، الأمر الذي يمكنهم من الحصول على نسبتهم من الصفقة دون خداعهم من قبل المهربين، قائلا "تهريب الآثار لا يختلف عن تلك الطريقة ويتم إما عن طريق الحقائب الدبلوماسية، أو عن طريق إدعاء كون الشحنة تابعة للجيش، بعد أن يوقّع الضابط المتورط شيكًا بقيمة الشحنة لصاحبها كضمان على عدم ضبطها وفي المقابل يحصل على عمولته قبل تنفيذ العملية وتتراوح ما بين 10 إلى 20% من قيمة الشحنة، والعمولات تكون حسب نوع القطعة الأثرية وتاريخها"، مضيفاً أن الرصيف الخاص بالقوات المسلحة في أي منفذ بحري مصري، يعد منطقة محرمة على رجال الجمارك، ويمكن أن يتم تهريب أي شيء عبره.

خامسا، رغم أن قطاع الآثار المصرية، لديه مفتشون يعملون في وحدات أثرية بجميع المنافذ الجوية والبحرية والبرية المصرية، مسؤولة عن فحص ومعاينة البضائع الصادرة من مصر والواردة إليها، على مدار 24 ساعة طوال أيام الأسبوع، إلا أن خروج أي شحنة تابعة للقوات المسلحة لا يمر عبر تلك الوحدات منذ يونيو من عام 2013م.