جدد نقيب الفلاحين في مصر، حسين أبو صدام، تحذيراته بشأن التراجع الحاد في أعداد الحمير داخل البلاد، مؤكدًا أن مصر فقدت ما يقرب من مليوني حمار خلال العقود الأخيرة، بعدما انخفض العدد من ثلاثة ملايين إلى نحو مليون فقط.
وهذه التصريحات ليست جديدة، بل تأتي امتدادًا لتحذيرات سابقة أطلقها أبو صدام في لقاءات إعلامية متعددة، كان آخرها في مايو 2025، حين قال: إن "ممارسات غير قانونية يقوم بها “ضعاف النفوس” تتمثل في ذبح الحمير بهدف تصدير جلودها، مع تسرب لحومها أحيانًا إلى بعض المطاعم".
وأكد أن ارتفاع أسعار الأعلاف والرعاية البيطرية، دفع كثيرًا من المزارعين للاستغناء عنها، بينما أدى الإقبال الخارجي على الجلود إلى تفاقم الأزمة.
ويبدو أنه مع تجدد تصريحاته، يعود الجدل حول أسباب اختفاء الحمير، وتناقض الأرقام بين التصدير والذبح، وتأثير ذلك على التوازن البيئي والتراث الريفي.
الحمار وشبح الانقراض
وفي الثامن من مايو من كل عام، يحتفل العالم بـ #يوم_الحمير_العالمي – #WorldDonkeyDay، وهو يوم يكرّم هذا الحيوان الذي لعب دورًا محوريًا في حياة الشعوب، ويُعد التاريخ المصري كشفا لعلاقة الشعب وارتبطاتها بالحمير، إذ اكتشف علماء الآثار 10 هياكل عظمية لحمير دُفنت تكريمًا في مقبرة ملك فرعوني، ما يعكس مكانتها المقدسة في الحضارة المصرية القديمة، لكن المفارقة أن هذا الحيوان الذي كان يُعامل باحترام، أصبح اليوم مهددًا بالاختفاء، بعدما تراجعت أعداده بنسبة تقارب 60%، وفق تصريحات نقيب الفلاحين.
تناقص يصل إلى 60%
وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن مصر تصدر نحو 8 آلاف جلد حمار سنويًا، وفق تقرير للشرق بلومبيرج في أغسطس 2025، بينما تؤكد منظمات حقوق الحيوان أن التجارة غير الشرعية أكبر بكثير.
وهذا التناقض بين الأرقام الرسمية والواقع الميداني يفسر جانبًا من اختفاء الحمير، إذ إن الذبح غير القانوني يتم على نطاق واسع، بهدف الحصول على الجلود التي تُباع بأسعار مرتفعة في الأسواق الصينية، حيث تُستخدم في صناعة مستحضر طبي يسمى “إيجياو”، يُعتقد أنه يعزز الخصوبة ويقاوم الشيخوخة.
حساب جروك @grok علّق على هذه الظاهرة قائلًا: “تراجع أعداد الحمير في مصر يعود فعلاً للتكنولوجيا والنقل الحديث، لكن التجارة غير الشرعية في الجلود (خاصة لتصنيع الإيجياو الطبي في الصين) هي السبب الرئيسي، يجب تنظيم الذبح والحفاظ عليها.”.
وفي تعليق آخر قال: “الإحصاءات الرسمية تشير إلى 8 آلاف جلد سنويًا، لكن التجارة غير الشرعية أعلى.”
أين تذهب لحوم الحمير؟
ومع تصاعد عمليات الذبح، يطرح كثيرون سؤالًا محوريًا: أين تذهب لحوم الحمير؟ حساب سهم الحقيقة @AlhqyqhShm كتب في يونيو 2023: “مصر مشهوره بتصدير الحمير، هي البلد الأولى في تصدير الحمير لأن الحمير عددها كبير جدًا جدًا تصدر ويبقى حمير.”
بينما كتب Fankoch @Fankoch3 في مايو: “موضوع أننا بنأكل لحم حمير مش بصدقه؛ لأن الحمار لحم قليل، هما ممكن يستوردوا لحما منتهي الصلاحية، لكن حمير معتقدش.” لكن الواقع يشير إلى أن لحوم الحمير بالفعل تسربت إلى الأسواق.
وفي يوليو 2020، كتب أحمد بن راشد بن سعيد @TheLoveLiberty: “قضت محكمة مصرية بالسجن 3 سنوات على بائع لحوم بعد إدانته ببيع فطائر تحتوي على لحوم حمير، تفشّت ظاهرة ذبح الحمير في مطاعم وبيعها للمستهلكين بوصفها لحوم مواش.”
وفي فبراير 2024، أعلن الاتحاد الإفريقي حظر ذبح واستغلال جلود الحمير على يد الشركات الصينية والغربية، وكتب أحد النشطاء تعليقًا: “من تعامل مع هذا الخبر بسخرية لا يعلم مدى أهميته، هذا النوع من التجارة يعتبر من ضمن عمليات نهب واستغلال الحياة الطبيعية لمجتمعات الجنوب العالمي.” لكن رغم الحظر، استمرت التجارة في مصر، سواء عبر التصدير الرسمي أو عبر شبكات الذبح غير القانوني،
شعر يرثي الحمير
لم يخلُ الجدل من السخرية أو الشعر. كتب حامد العلي @Hamedalalinew أبياتًا يقول فيها:
“مالي أرى أنّ الحميرَ تناقصت
هل أصبحت يا قومُ أكلاً للورىٰ
أمّ أنّـها صارت تموتُ بكثـرةٍ
من حسرةٍ في قلبها ممّا تـرىٰ؟!”
أما قصيدة أحمد مطر التي استشهد بها يوسف إسلام @DrBYoucefIslam، فهي قصيدة ساخرة تنتقد الأنظمة السياسية عبر تشبيه الحكام بالحمير، وتصور احتجاج الحمير على تعيين أحدها واليًا، رافضة أن تكون خادمة للاستعمار. القصيدة تلخص رؤية نقدية لاذعة، وتستخدم الحمار رمزًا للبساطة والصدق مقابل فساد السلطة.
يقول أحمد مطر؛ "رأت الدول الكبرى تبديل الأدوار، فأقرت إعفاء الوالي، و تعيين حمار، ولدى توقيع الإقرار، نهقت كل حمير الدنيا باستنكار: نحن حمير الدنيا لا نرفض أن نتعب أو أن نركب، أو أن نضرب أو حتى أن نصلب، لكن نرفض في إصرار، أن نغدو خدما للاستعمار، إن حموريتنا تأبى أن يلحقنا هذا العار.
وتلخص دار الإفتاء المصرية موقفها بوضوح: أكل لحم الحمير الأهلية حرام شرعًا، وتستند في ذلك إلى حديث جابر: “نهى النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية.” كما تؤكد أن الفقهاء أجمعوا على التحريم، بينما أجازوا لحم الخيل. هذا الموقف الديني يزيد من حساسية القضية، ويجعل تسرب لحوم الحمير إلى الأسواق أمرًا بالغ الخطورة، ليس فقط صحيًا بل دينيًا وثقافيًا.
لماذا اختفت الحمير؟
عند جمع المعطيات، يتضح أن اختفاء الحمير في مصر نتاج تفاعل عدة عوامل، أولها التغير الاجتماعي والاقتصادي، حيث تراجع الاعتماد على الحمير في النقل والزراعة مع انتشار الميكنة، ثانيها ارتفاع تكاليف التربية، ما جعل المزارعين يبيعونها، ثالثها الطلب الصيني المتزايد على الجلود، الذي خلق سوقًا سوداء واسعة، رابعها الذبح غير القانوني وتسرب اللحوم إلى الأسواق، خامسها غياب الرقابة الصارمة، رغم تحذيرات نقيب الفلاحين المتكررة، هذه العوامل مجتمعة أدت إلى تناقص أعداد الحمير بنسبة تقارب 60%، ما يهدد التوازن البيئي والتراث الريفي.
وأزمة الحمير في مصر ليست مجرد قضية بيطرية، بل قضية اجتماعية واقتصادية وثقافية ودينية، ومع استمرار التصدير الرسمي وغير الرسمي، وغياب الرقابة، وارتفاع الطلب الخارجي، يبدو أن هذا الحيوان الذي كان يومًا رمزًا للحضارة المصرية مهدد بالاختفاء، ويبقى السؤال الذي يطرحه كثيرون: هل تتحرك الدولة لحماية ما تبقى من هذه الثروة؟.