750  حالة يوميًا.. الطلاق يهدد بانهيار المجتمع المصري

- ‎فيتقارير

يُعانى المجتمع المصرى فى زمن الانقلاب من أزمات اجتماعية واقتصادية وحقوقية أبرزها ارتفاع معدلات الطلاق بصورة غير مسبوقة.. هذه الظاهرة بمثابة إنذار مبكر يكشف حالة التصدع التى تهدد الأسر المصرية، بسبب عدة عوامل على رأسها الضغوط الاقتصادية، إلى جانب عالم افتراضي يلتهم ما تبقى من الحوار الإنساني، واختلال منظومة القيم، وجميعها عوامل أعادت تشكيل خريطة الزواج والطلاق في مصر.

 

بين ريف لا يزال يتمسك ببقايا تقاليده، وحضر تغرق أسره في صراعات يومية، يتراجع الزواج ويصعد الطلاق بوتيرة مقلقة، في مشهد يعكس أزمة مركبة تتجاوز العلاقة بين زوجين، لتطال الأطفال، والتعليم، والاقتصاد، والأمن الاجتماعي.

 

 

جهاز الإحصاء

 

 

كان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء قد كشف في بيانه السنوي عن تراجع عدد عقود الزواج إلى 936 ألفًا و 739 عقدًا فى عام 2024، مقابل 961 ألفًا و220 عقدًا في عام 2023، بنسبة انخفاض بلغت 2.5%.

 

وأكد الجهاز أن حالات الطلاق ارتفعت إلى 273 ألفًا و892 حالة، بزيادة 3.1% عن العام السابق، وهو ما يعادل نحو 750 حالة طلاق يوميًا، في رقم غير مسبوق يعكس حجم التصدع الذي أصاب البنية الأسرية المصرية.

 

وأشار إلى وجود تباين جغرافي واضح في خريطة الزواج، حيث استحوذت المناطق الريفية على 57.4% من إجمالي عقود الزواج بعدد 541 ألفًا و524 عقدًا، مقابل 42.2% للمناطق الحضرية بعدد 395 ألفًا و215 عقدًا.

 

وتصدرت محافظة أسوان أعلى معدلات الزواج بواقع 14 عقدًا لكل ألف نسمة، بينما سجلت محافظة الجيزة أدنى معدل بـ5.9 عقد لكل ألف، بما يعكس فروقًا اجتماعية واقتصادية وثقافية حادة بين المحافظات.

 

 

المؤهلات المتوسطة

 

 

على النقيض، تركزت حالات الطلاق في الحضر بنسبة 57.8% (158 ألفًا و201 حالة)، مقابل 42.2% في الريف (115 ألفًا و691 حالة)، في دلالة على أن الحياة المدنية، رغم مظاهرها الحديثة، باتت أكثر هشاشة على مستوى الاستقرار الأسري.

 

وأوضح أن الطلاق، بلغ ذروته بين الرجال في الفئة العمرية 35 إلى أقل من 40 عامًا بعدد 47 ألفًا و367 حالة، وبين النساء في الفئة 25 إلى أقل من 30 عامًا بعدد 45 ألفًا و636 حالة، بما يشير إلى أن سنوات الزواج الأولى لم تعد منطقة أمان كما كانت سابقًا.

 

وأكد الجهاز أن الخلع تصدر قائمة أسباب الطلاق بعدد 11 ألفًا و906 أحكام، في حين جاء الطلاق بسبب تغيير الديانة في ذيل القائمة بعدد 5 حالات فقط.

 

وكشف أن الحاصلين على المؤهلات المتوسطة تصدروا معدلات الزواج والطلاق معًا، حيث سجلوا 369 ألفًا و622 عقد زواج للذكور، و318 ألفًا و563 عقدًا للإناث، إلى جانب 91 ألفًا و328 حالة طلاق بين الرجال، و85 ألفًا و 851 حالة بين النساء.

 

 

مواقع التواصل

 

 

من جانبها، أكدت استشاري العلاقات الأسرية والإرشاد النفسي، نادية جمال، أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت أحد أخطر العوامل الخفية في تفكك الأسرة، مشيرة إلى أنها خلقت حالة من التباعد العاطفي بين الزوجين، وألغت الحوار الحقيقي داخل البيوت.

 

وقالت نادية جمال في تصريحات صحفية إن انشغال كل طرف بعالمه الافتراضي، وغياب لغة الحوار مع الأبناء، أدى إلى تفريغ الأسرة من مضمونها الإنساني، وتحويل العلاقة الزوجية إلى تعايش شكلي بلا تواصل.

 

وكشفت أن من أبرز أسباب الطلاق: تدخل أطراف خارجية في الحياة الزوجية، وعدم تحمل المسئولية، والفوارق الاجتماعية والثقافية، إلى جانب الخيانة الفكرية أو العاطفية، مؤكدة أن الكثير من الزيجات تُبنى على أسس هشة لا تصمد أمام أول اختبار.

 

 

صورة مزيفة

 

 

وحذر الدكتور أسامة قابيل، أحد علماء الأزهر الشريف، من خطورة الاستهانة بالزواج وتحويله إلى تجربة عاطفية مؤقتة، مؤكدًا أن الشريعة الإسلامية جعلته ميثاقًا غليظًا قائمًا على المسئولية والرحمة، لا على النزوة والاندفاع.

 

وأوضح قابيل في تصريحات صحفية أن الزواج قد يكون محرمًا شرعًا في حق من يعلم من نفسه العجز عن أداء حقوق الزوجية أو يتعمد ظلم الطرف الآخر، سواء بالإهمال أو الخيانة أو الإيذاء النفسي أو الجسدي.

 

وشدّد على أن الكذب أو إخفاء العيوب الجوهرية قبل الزواج يُعد خيانة للأمانة، وأن الكثير من حالات الطلاق الحالية هي نتيجة زيجات بنيت على وهم وصورة مزيفة.

 

 

ثقافة مقلقة

 

 

وأكدت الدكتورة فتحية الحنفي أستاذ الفقه بجامعة الأزهر، أن تصاعد معدلات الطلاق يضرب النواة الأولى لبناء المجتمع، مشددة على أن غياب الوعي بالحقوق والواجبات المتبادلة بين الزوجين يقف خلف جزء كبير من الأزمة. 

 

ودعت فتحية الحنفي في تصريحات صحفية إلى تفعيل دور الإعلام والمؤسسات الدينية والتعليمية في تأهيل المقبلين على الزواج، وإعادة الاعتبار لقيم المودة والرحمة، محذرة من أن اختزال الحل في الطلاق أصبح ثقافة مقلقة تهدد مستقبل الأجيال.