تعتبر حرية الصحافة من المقاييس الأساسية على تقدم الأمم وإنسانيتها، فكلما كانت حرية الصحافة مكفولة وكرامة الصحفيين مصانة، كان ذلك دليلا على تطورها وتمسكها بالقيم الإنسانية، تواصل مصر تمركزها بين أسوأ دول العالم في حرية الصحافة مع استقرارها في مراتب متدنية للغاية، رغم تحسّن طفيف شكلي في الترتيب، وتُعد البلاد من أكبر السجون للصحفيين، في ظل بيئة إعلامية تخضع لسيطرة مباشرة من الدولة والأجهزة الأمنية، مع شبه انعدام للتعددية واستمرار حجب المنصات المستقلة. وأبرز ما يميز المشهد هو الملاحقة الممنهجة للصحفيين عبر تهم مثل نشر أخبار كاذبة والانتماء إلى تنظيمات إرهابية، إلى جانب استخدام قوانين مكافحة الإرهاب والجرائم الإلكترونية لتجريم العمل الصحفي. ورغم الإفراج عن بعض الأسماء، لا تزال الاعتقالات التعسفية والمحاكمات الصورية والتضييق الأمني حاضرة، مع فرض قيود لاحقة تشمل منع السفر والعمل، ما يكرّس بيئة قمعية مستمرة للعمل الإعلامي، وكشف
تقرير منظمة مراسلون بلا حدود لعام 2026 عن تدهور غير مسبوق في حرية الصحافة عالمياً، مع دخول أكثر من نصف دول العالم ضمن الفئات التي تُصنَّف فيها الأوضاع "صعبة" أو " "، في سابقة لم يشهدها المؤشر منذ إطلاقه قبل 25 عاماً، ويعكس هذا التراجع انخفاضاً قياسياً في المعدل العام للتقييم، في ظل تآكل تدريجي للحق في الوصول إلى المعلومات منذ عام2001، حتى داخل بعض الديمقراطيات، نتيجة توسّع القوانين المقيّدة، خصوصاً المرتبطة بالأمن القومي، وسجّل المؤشر
القانوني ضمن تصنيف منظمة مراسلون بلا حدود التراجع الأكبر هذا العام، في مؤشر إلى تصاعد تجريم العمل الصحفي، فيما شهدت منطقة الأميركتين تحولات لافتة، مع تراجع الولايات المتحدة سبع مراتب، واستمرار انزلاق عدد من دول أميركا اللاتينية في دوامة من العنف والقمع، لم يسبق أن هبط
متوسط السجل الإجمالي للبلدان التي شملها التقييم إلى هذا الحدّ من التدني، فقد بات أكثر من نصف بلدان العالم (52.2%) يندرج ضمن المنطقة التي يُوصف فيها الوضع بأنه "صعب" أو "خطير للغاية"، بينما كانت هذه المنطقة تقتصر على أقلية ضئيلة (13.7%)عام 2002 عام 2002 كان 20% من سكان العالم يعيشون في بلدان حيث كان يُعتبر وضع الصحافة "جيداً"، وبعد خمسة وعشرين عاماً لم يعد يتمتع بهذا الوضع سوى أقل من 1% من سكان العالم. في بعض البلدان، يُعزى
هذا التراجع إلى اندلاع النزاعات المسلحة بوتيرة متكررة، كما هو الحال في العراق (162) والسودان(161)، واليمن (164)، إذ من الطبيعي أن تكون الحروب الدائرة قد تركت بصمتها الواضحة هذا العام، ولا سيما الحرب التي تقودها حكومة الاحتلال على قطاع غزة ولبنان الأخطر في العالم على الصحفيين فلسطين صنّفت منظمة مراسلون بلا
حدود فلسطين أخطر مكان في العالم على الصحفيين، في ظل تصاعد غير مسبوق في جرائم الاحتلال الإسرائيلي بحق العاملين في الإعلام، فمنذ 7 أكتوبر 2023، قتل الجيش الإسرائيلي أكثر من 220صحفياً في قطاع غزة، 70في أثناء تأدية مهامهم، في مؤشر صارخ على استهداف العمل الصحفي مباشرة ترتفع الحصيلة إلى أكثر من260 شهيداً من القطاع الإعلامي، وفقاً لإحصاءات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، ويتفاقم الوضع في غزة نتيجة القصف الإسرائيلي واسع النطاق الذي دمّر أجزاء كبيرة من البنية التحتية الإعلامية والاتصالات، ما أعاق قدرة الصحفيين على العمل، فيما يُجبر كثير منهم على مواصلة التغطية في ظروف إنسانية قاسية، تشمل نقص الغذاء والماء وغياب أي حماية، ويفرض الاحتلال الإسرائيلي حصاراً
مشدداً على القطاع، ويمنع دخول الصحفيين الأجانب، ما يجعل الصحفيين المحليين المصدر شبه الوحيد لنقل الوقائع، في بيئة عالية الخطورة، حيث يتحول العمل الصحفي إلى مهمة يومية محفوفة بالقتل والاستهداف المباشر، ولا يقتصر هذا الواقع على قطاع غزة، إذ تشهد الضفة الغربية والقدس الشرقية تصعيداً موازياً في الانتهاكات، مع تزايد الاعتقالات والتضييق على الصحفيين، إلى جانب الاعتداءات المتكررة من قبل قوات الاحتلال والمستوطنين، وسط إفلات شبه كامل من العقاب، ويمتد هذا الاستهداف إلى لبنان، حيث وثّقت نقابة محرري الصحافة اللبنانية مقتل 27 صحفياً بنيران إسرائيلية منذ أكتوبر2023، واستُهدف صحفيون بغارات إسرائيلية مباشرة، فيما أُجبر آخرون على النزوح القسري، وتعرّض بعضهم لتهديدات مباشرة بالقتل من جيش الاحتلال، ويواجه الصحفيون في لبنان أيضاً أشكالاً متعددة من الترهيب والاعتداءات من جهات محلية، إلى جانب استدعاءات للاستجواب بسبب عملهم الإعلامي، في ظل استمرار الإفلات من العقاب في جرائم اغتيال الصحفيين، ما يعمّق هشاشة بيئة العمل الإعلامي في البلاد، وتراجعت دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى المرتبة.
116 (-4)، مع تصاعد القيود على العمل الصحفي، سواء عبر الرقابة العسكرية المسبقة، أو من خلال قوانين توسّع تجريم المحتوى وتتيح حظر وسائل إعلام أجنبية، إلى جانب
تضييق متزايد على الصحفيين، ولا سيما العرب منهم، وتعقيد إجراءات اعتماد الصحفيين الأجانب، في ظل هيمنة خطاب قومي متشدد. سوريا تقدمت 36 مرتبة منذ سقوط نظام بشار وبرزت سورية بوصفها الحالة الأبرز من حيث مستوى التقدّم في تصنيف حرية الصحافة لعام 2026، إذ قفزت 36 مرتبة من 177 إلى 141، عقب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، لتنهي بذلك عقوداً من القمع الشديد الذي طاول العمل الإعلامي، ويأتي هذا التحسّن في سياق مرحلة انتقال سياسي، بعد سنوات طويلة قضتها البلاد ضمن قائمة أسوأ عشرة بلدان عالمياً في حرية الصحافة، وأشارت منظمة مراسلون بلا حدود إلى أن سقوط النظام أنهى خمسة عقود من القمع الممنهج الذي مارسه الأسد وعائلته ضد الصحافة، إلا أن هذا التحسّن لا يزال هشاً، في ظل استمرار عدم الاستقرار السياسي والضغوط الاقتصادية، ما يبقي سورية ضمن الدول شديدة الخطورة على الصحفيين، وشهدت البلاد انفراجاً نسبياً منذ تشكيل الحكومة السورية في مارس 2025، تمثّلت في دخول وسائل إعلام عربية ودولية، وإتاحة عمل المراسلين، إلى جانب تخفيف القيود الأمنية وتوسيع هامش الحركة، بعدما ظلّ هذا المجال خاضعًا لرقابة مشددة من أجهزة الاستخبارات لعقود، تراجع أمريكا الي المركز 64حوّل الرئيس الأميركي ترامب استهداف الصحافة ومهاجمة الصحفيين إلى نهجٍ ممنهج، ما أفقد بلاده سبع مراتب لتتراجع إلى المركز 64 في تصنيف هذا العام. وفي السياق ذاته، يسير أبرز حلفائه في أميركا اللاتينية، ولا سيما خافيير ميليي ونايب بوكيلي، على النهج نفسه في التعامل مع وسائل الإعلام، ما انعكس تراجعاً في ترتيب بلدانهم، إذ سجّلت الأرجنتين (98؛ -11)والسلفادور (143؛ -8) انخفاضاً ملحوظاً على جدول التصنيف العالمي لحرية الصحافة، وفي بلدان أخرى، تظل الأوضاع على حالها تحت وطأة الأنظمة الدكتاتورية، كما هو الحال في كل من الصين (178) وكوريا الشمالية (179) وإريتريا. (180)وتظل أوروبا الشرقية والشرق الأوسط المنطقتين الأكثر خطورة على سلامة الصحفيين في مؤشر منظمة مراسلون بلا حدود على غرار الوضع القائم منذ ربع قرن، إذ يتجلى ذلك من خلال ترتيب روسيا، التي تواصل حربها العدوانية على أوكرانيا وتراوح مكانها بين الدول الأكثر قمعاً لحرية الصحافة(المرتبة 172 من أصل 180 بلداً)، بينما لا تزال إيران (177؛ -1) ضمن أسوأ الدول في التصنيف، وهي التي ترزح بين مطرقة القمع الذي يمارسه النظام على شعبه والحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على أراضيها.