في الوقت الذي تُلقى فيه مسئولية موجات الغلاء المتلاحقة على “عروة” زراعية هنا أو “موسم” هناك، وذلك بعد تصريح محمد الحمصاني المتحدث باسم الحكومة الذي يقول فيه إن "الارتفاعات المفاجئة في أسعار بعض السلع ترتبط غالبًا بالفترات الانتقالية بين العروات الزراعية المختلفة، ما يؤدي إلى زيادات مؤقتة في الأسعار"!
ووعود منذ أبريل من رئيس حكومة السيسي؛ مصطفى مدبولي "الطماطم هترخص" وقال نصا "يتم احتواء أزمة سلعة ”الطماطم” التي نجمت عن ظروف طارئة في محصول بعض محافظات الصعيد" في 20 أبريل الماضي. ومنذ ذلك الحين سعر سلعة أو خضار الطماطم يزيد وفي أوقات الذروة (المواسم والأعياد) لارتباطها بالتصدير.
وخرجت تحليلات بحثية جديدة لتؤكد أن الأزمة أعمق بكثير من سعر البامية أو البطيخ أو الطماطم. فالمعادلة – كما تشير البحوث– لا تتعلق فقط بتقلبات الإنتاج الزراعي، بل بتوجهات حكومية تجعل دولار التصدير أهم من قدرة المواطن على الشراء، وتسمح بمرور زيادات سعرية لا يمكن تفسيرها بمنطق العرض والطلب وحده.
وتكشف البيانات أن ما يُقدَّم للرأي العام باعتباره “ظروفاً موسمية” يخفي وراءه اختلالات هيكلية في إدارة الأسواق، وتفضيلاً واضحاً لتدفقات العملة الصعبة على حساب استقرار الأسعار المحلية، ما يجعل المواطن الحلقة الأضعف في سلسلة لا يتحكم في أي من مفاصلها.
الحلقات الوسيطة
وكشفت دراسات تتبع حركة تداول السلع عن فجوة سعرية حادة بين أسواق الجملة والتجزئة ناتجة عن تعدد الحلقات الوسيطة؛ فعلى سبيل المثال، يسجل محصول الطماطم في أسواق الجملة مثل سوق العبور سعراً يتراوح بين 30 إلى 40 جنيهاً للكيلو، في حين يقفز السعر في أسواق التجزئة وسلاسل المتاجر إلى 70 جنيهاً للكيلو بفعل هوامش ربح الوسطاء وتكاليف الهدر التي تزيد على 15% بسبب غياب مبردات النقل المتطورة.
التدفق التصديري
وتتفاقم الأزمة السعرية مع زيادة التدفقات التصديرية؛ حيث صدرت مصر 1.3 مليون طن من البطاطس بقيمة تقارب نصف مليار دولار، مما حافظ على استقرار البطاطس محلياً بين 8 إلى 14 جنيهاً، بينما أدت تعاقدات تصدير الطماطم والبصل لدول الخليج إلى قلة المعروض المحلي ورفع الأسعار داخلياً.
وفيما يتعلق بالمحاصيل الموسمية الأكثر اشتعالاً، فقد رصد (المزاد الصباحي) لسوق العبور مستويات غير مسبوقة مدفوعة بظاهرة الإجهاد الحراري وتأخر العروات.
وسجلت البامية سعراً بالجملة يتراوح بين 30 إلى 60 جنيهاً للكيلو بعد موجة تصحيح طفيفة انخفضت بها بمقدار 20 جنيهاً مع بدء تدفق بشائر الإنتاج.
أما الليمون البلدي، فيتراوح سعره بالجملة بين 24 إلى 30 جنيهاً للكيلو بينما يرتفع في المتاجر الكبرى ليتجاوز 125 جنيهاً للكيلو بسبب فجوة الربط وشح المعروض المعتاد نهاية الربيع.
وبالمثل، حقق البطيخ (وزن 8 إلى 10 كيلو للثمرة من الدرجة الأولى) سعراً بالجملة يتراوح بين 96 إلى 120 جنيهاً، في حين تباع الثمرة للمستهلك بأسعار تتراوح بين 150 إلى 250 جنيهاً ووصلت لـ200 جنيها نتيجة تلف مساحات من العقد الزهري للمحصول جراء موجات الطقس المتقلبة.
البطاطس بين 8 و14 جنيهاً للكيلو، مدعومة بإنتاج ضخم يقترب من سبعة ملايين طن سنوياً. أما البصل الأبيض فقد شهد انخفاضاً ملحوظاً، حيث تراوح سعره بين 5 و9 جنيهات، نتيجة وفرة المعروض وتراجع الطلب التصديري.
وتراوحت أسعار الكوسة بين 16 و20 جنيهاً للكيلو، متأثرة بتذبذب حجم الحصاد اليومي وتقلبات الطقس.
والفلفل البلدي بين 20 و35 جنيهاً، مدعوماً بانتشار الزراعات المحمية والصوب الزراعية التي توفر إنتاجاً أكثر انتظاماً.
معهد البحوث الزراعية
وتُعزي الدراسات الاقتصادية والتقارير الصادرة عن معهد بحوث الاقتصاد الزراعي وشعبة الخضراوات بالغرف التجارية المصرية أسباب الارتفاع المتكرر لأسعار الخضراوات في مصر (لا سيما محاصيل مثل الطماطم والبطاطس والبصل) إلى خمسة عوامل رئيسية تتداخل بين المتغيرات المناخية، وحلقات التداول، والسياسات التصديرية.
الدراسات لا تنكر أن التغيرات المناخية أصبحت المسبب الأول لاضطراب إنتاج العروات الزراعية المفتوحة، حيث أدت موجات الحرارة الشديدة والصقيع المفاجئ إلى تراجع إنتاجية محاصيل رئيسية مثل الطماطم، التي تتأثر مباشرة بعملية “عقد الثمار” الحساسة للحرارة إلا أن انتشار الآفات الزراعية، وعلى رأسها “السوسة”، ساهم في خفض المعروض داخل الأسواق بنسب كبيرة، وهو ما انعكس فوراً على الأسعار.
وتلعب السياسات التصديرية دوراً محورياً في تشكيل الأسعار المحلية، إذ أدى التوسع في تصدير محاصيل مثل البطاطس والبصل والطماطم إلى دول الخليج إلى تقليص الكميات المتاحة للسوق المحلي، خاصة في فترات ذروة الطلب. ويؤكد محللون أن هذه السياسة، رغم أهميتها في توفير العملة الصعبة، تخلق ضغطاً إضافياً على الأسعار الداخلية، خصوصاً عندما تتزامن مع فترات نقص المعروض المحلي.
التفسير الاقتصادي واتجاهات السوق
تُرجع نقابة الفلاحين وخبراء الاقتصاد الزراعي هذه الارتفاعات إلى ثلاثة عوامل رئيسية: أولها ارتفاع تكاليف المدخلات الزراعية، بما في ذلك التقاوي المستوردة والأسمدة والمبيدات، التي شهدت زيادات كبيرة خلال العام. وثانيها الإجهاد الحراري المفاجئ الذي أثر على حجم زهور البامية وعقد ثمار البطيخ في الأراضي المكشوفة. أما العامل الثالث فهو التوقعات المستقبلية للأسواق، حيث تشير التقارير إلى أن الأسعار ستشهد انفراجة تدريجية مع دخول شهر يونيو، نتيجة زيادة تدفق حصاد العروات الصيفية الأساسية من مختلف المحافظات.
وتتوافق هذه التحليلات مع بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء والبنك المركزي المصري، التي تشير إلى أن معدل التضخم السنوي العام استقر عند 13.4%، بينما ارتفعت تكلفة الغذاء والمشروبات بنسبة 6.70%. ورغم التراجع الطفيف في التضخم الشهري في الحضر إلى 1.1%، فإن قطاع الخضراوات شهد قفزات شهرية استثنائية بلغت 21.8% خلال الربع الأول من العام، مدفوعة بتحريك أسعار الوقود بنسبة تصل إلى 17%، مما رفع تكاليف النقل اللوجستي بنسبة 8%.
اتجاهات الحلول المقترحة
توصي الدراسات البحثية ووزارة الزراعة بتبني حلول استباقية، أبرزها التوسع في الزراعات المحمية لتقليل تأثر المحاصيل بالتقلبات الجوية، وتفعيل أنظمة الإنذار المبكر لمواجهة الآفات، وتقليص حلقات التداول عبر التوسع في المنافذ الحكومية المباشرة وأسواق اليوم الواحد. كما تشير الأبحاث المنشورة في المجلة الإسكندرية للتبادل العلمي إلى ضرورة تحليل الفجوات السعرية بدقة، وربطها بسلاسل الإمداد من الحقل إلى المستهلك.