مفارقة العوز في بلد الثروات.. لماذا يعيش 76 مليون مصري تحت خط الفقر؟

- ‎فيتقارير

قال الدكتور أسامة حمدي إن التعداد السكاني البالغ 106 ملايين مواطن، يمثل الشباب تحت سن الثلاثين ما نسبته 60% منهم، وهي طاقة إنتاجية هائلة وغير مستغلة إطلاقاً في مجالات التصنيع والتصدير، مقارنة بدول مثل فيتنام والفلبين اللتين تمتلكان التعداد السكاني ذاته وبلا موارد تذكر، ومع ذلك تصدر فيتنام سنوياً ما قيمته 371 مليار دولار، وتصدر الفلبين 103 مليارات دولار، بينما تقف الصادرات المصرية عند حدود 54 مليار دولار فقط، ومعظمها صادرات أولية وغير صناعية.

وأكد الأستاذ بجامعة هارفارد في تصريحات صحفية أن عبقرية الموقع الجغرافي الواصل بين قارات ثلاث، لم تُستغل لتحويل البلاد إلى مركز طيران عالمي وسياحة ترانزيت، تاركة الساحة لدبي التي تحقق عائداً اقتصادياً من الطيران يبلغ ثلاثة وخمسين مليار دولار سنوياً، ولتركيا وقطر.

كما يمر عبر قناة السويس نحو ثلث حاويات العالم، دون أن تمتلك مصر حتى الآن 1% من الحاويات التي تحمل علم دولة بنما، التي تمتلك أسطولاً يقدر بنحو 8 آلاف سفينة حاويات؛ فرغم أن دخل قناة بنما القصيرة من الرسوم يبلغ 5 مليارات دولار سنوياً ولا يشكل أكثر من 3% من دخلها القومي، فإن معظم ناتجها القومي يتأتى من عمليات التفريغ والشحن بأسطولها التجاري الذي يبلغ حالياً ضعف الأسطول الأمريكي.

وفيما يخص الطاقة، يبيّن الدكتور حمدي المفارقة الصارخة لدولة تمتلك إنتاجاً واحتياطياً كبيراً من الغاز الطبيعي، ومع ذلك يستمر انقطاع التيار الكهربائي عن مواطنيها لعدم توفر الغاز للمحطات، مع إهمال استغلال الشمس الساطعة والرياح التي تكفي لتغطية نصف الاستهلاك المحلي، ناهيك عن تدهور القطاع الزراعي في أخصب تربة زراعية ومناخ معتدل طوال العام، مما يضطر الدولة لاستيراد القمح والذرة والسكر والزيوت، فضلاً عن عدم تصنيع الثروة المعدنية الضخمة وجبال الرخام والرمال الغنية بالسيلكا، والاعتماد التام على الاستيراد.

ويعزو الدكتور أسامة حمدي هذا التراجع المتكامل بالأرقام الموثقة إلى تدني البنية التحتية المعرفية، حيث تحتل مصر المرتبة 90 من بين 133 دولة في فهرس المعرفة العالمي نتيجة إهمال التعليم الحكومي المجاني ذي الجودة، والوقوع في المرتبة 24 من بين 28 دولة في معدل التنمية البشرية، والانحدار الشديد في مدركات الفساد من الترتيب 46 عام 1996 إلى الترتيب 108 من بين 180 دولة عام 2023 مما يطرد أي مستثمر جاد ويحول البلاد إلى دولة مدينة وفقيرة تركز على ممارسات توصف بأنها "حرث في البحر" بدلاً من الاستثمار في الإنسان.

 

76 مليون مواطن تحت خط الفقر

ينعكس هذا الهدر البنيوي مباشرة على الواقع المعيشي والطبقي للمواطنين، وهو ما وثقه المغرد @saif11112006 الذي يكتب تحت مسمى "من غير اسم"، مؤكداً أن الحكومة المصرية قد اعترفت، دون أن تشعر، بوصول ستة وسبعين مليون مواطن مصري إلى ما تحت خط الفقر من أصل إجمالي عدد السكان البالغ مائة وعشرة ملايين نسمة.

ويعتبر @saif11112006 أن الأرقام تتحدث بوضوح وبدون مبالغات عند مقارنة النسبة المئوية لمن كانوا تحت خط الفقر في عام ثلاثة عشر وألفين بالوضع الحالي بعد مرور أكثر من اثني عشر عاماً من حكم السيسي، وهو ما يمثل المعيار الحقيقي والمباشر للحكم على طبيعة الإنجازات القائمة ومدى إخفاقها في حماية الطبقات الكادحة والبسيطة.

ويتوافق هذا المنظور النقدي مع الأطروحات الشعبية التي تداولها النشطاء على منصة إكس، حيث يشير الحساب المعرف باسم "ثورة شعب" تحت المعرف @ThawretShaaab إلى أن السياسات الاقتصادية الراهنة تتمحور حول التوسع المفرط في القروض والديون، وبيع الأصول العامة، وفرض الضرائب والرسوم الباهظة على كل المعاملات اليومية، مما أدى لانتشار الفساد وتصاعد الغلاء الفاحش.

ويصف حساب @ThawretShaaab هذا النهج الإداري بأنه عملية إنتاج مستمرة لليأس والألم، وتلذذ بقهر الفئات الضعيفة كأصحاب المعاشات من كبار السن والمرضى والأيتام، مما شكل طعنة حقيقية في كرامة ومعيشة المواطن المصري.

ومن جانبه، يقدم الناشط @AmmarFayez صياغة تعريفية حادة للواقع الطبقي، مشيراً إلى أن أكثر من خمسة وتسعين بالمائة من المصريين قد دخلوا بالفعل في دائرة الفقر، محدداً الفقر بأنه الحالة الاقتصادية التي يكون فيها إنفاق الفرد وحاجياته الأساسية أكبر بكثير من دخله الفعلي، وموضحاً أن الفقر لا يعني بالضرورة العوز التام الذي يندرج تحت مفهوم "المسكنة"، بل هو عجز هيكلي عن الموازنة المعيشية.

 

الفقر كمنتج وطني

من جهة أخرى، يرى المدون @Aserasorat15 أن "الفقر" بات يمثل المنتج الوطني الوحيد الذي نجحت الحكومات المصرية المتعاقبة في صناعته وتطويره بكفاءة على مدار أكثر من نصف قرن، معتبراً أن الإنجاز الوحيد يتلخص في إنتاج هذا الفقر وتوزيعه بعدالة مطلقة لتبلغ نسبته أكثر من 70% من المجتمع، حيث يتأثر الجميع به كلٌ حسب مستواه الطبقي والاجتماعي.

ويربط حساب "تميم الخير" تحت المعرف @ashrafSaei97832 هذا التردي بطبيعة النظم السياسية، موضحاً أن الفقر والجهل يمثلان الأدوات الأساسية التي يعتمد عليها أي حكم عسكري لضمان استمراره، مستشهداً بالتجربة التركية التاريخية التي لم تشهد نهوضاً أو تقدماً أو مكانة عالمية إلا بعد الخلاص من الحكم العسكري وعودة الجيوش إلى الحدود لممارسة مهمتها الطبيعية في الحماية، وترك السياسة لرجالها المدنيين.

وفي المقابل، يشن حساب "حدث بالفعل" تحت المعرف @7adasBelfe3l هجوماً على الإنتاج الفني والثقافي الذي يعيد تمثيل دور المواطن المطحون، مؤكداً أن تجسيد الموظف أو العامل أو الشاب المطحون يمثل الواقع الحقيقي والوحيد السائد في المجتمع نظراً لأن 75% من الشعب باتوا رسمياً تحت خط الفقر، مستثنياً من هذه المعاناة سكان المجمعات السكنية الفاخرة وضباط الشرطة والداخلية ورجال الأعمال وأصحاب السلطة والنفوذ.

 

إنفاق الحكومة وضغط الديون حقة مفرغة

وفيما يتعلق بآليات التخطيط الحكومي وإدارة الأزمات، يحلل الخبير والمغرد محمد الشريف تحت المعرف @MhdElsherif هذه الدائرة الاقتصادية المغلقة المعقدة، مبيناً أنها حلقة مفرغة تبدأ من الإنفاق الحكومي الضخم غير المدروس، الذي يؤدي بدوره إلى عجز مالي متفاقم وتراكم مستمر للديون، يتبعه انهيار متتالٍ في قيمة العملة المحلية وتضخم قياسي أسفر عن موجات متلاحقة من تخفيض الدعم الحكومي وتراجع حاد في القدرة الشرائية للمواطنين.

ويرى @MhdElsherif أن هذا التدهور قاد مباشرة إلى ركود اقتصادي واسع، وانخفاض ملموس في الإنتاج، وعجز كامل في قدرة الاقتصاد الوطني على رفع الأجور ليتناسب مع الغلاء، مما تسبب في زيادة معدلات الفقر وانكماش السوق وعجز الدولة عن خلق وظائف جديدة للشباب.

وينتقد @MhdElsherif التناقض الصارخ في الخطاب الرسمي للحكومة التي تخرج بعد عشر سنوات من إدارة المشهد لتتحدث عن بدء إنشاء مناطق اقتصادية لجذب المستثمرين وتطوير الإنتاج والتصدير وبناء الصوامع، وكأنها تبدأ من الصفر بعد أن قامت بخفض العملة بأضعاف قيمتها وتسببت في تضخم قياسي وزيادة معدلات الفقر وتراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي، وفي ظل استمرار نمو اقتصاد موازي ضخم تابع للجيش والجهات السيادية والصناديق الخاصة.

 

غياب الجدول الزمني للإنقاذ

ويستشهد حساب @MhdElsherif بلقاء إعلامي سأل فيه الإعلامي عمرو أديب وزيرة التخطيط رانيا المشاط أكثر من 5 مرات عن وجود خطة حكومية واضحة بأهداف ومواعيد محددة لإحداث خفض لمعدلات التضخم وتوفير العملة الصعبة وخفض الديون وزيادة الصادرات، دون أن تتمكن الوزيرة من تحديد هدف واحد أو إطار زمني ملموس أو الإشارة حتى إلى "رؤية مصر 2030"، مما يثبت أن الحكومة تعمل بطريقة عشوائية "يوم بيوم" وترفض وضع نفسها موضع المساءلة والمحاسبة.

وتنعكس هذه العشوائية الإدارية على الخطاب الإعلامي الموجه للجمهور، حيث تنتقد المغردة رانيا الخطيب تحت المعرف @ElkhateebRania تعمد المسئولين الخروج في المناسبات العامة والأعياد لنشر الإحباط وبث خطاب الفقر والكرب والخراب الاقتصادي، كما جرى في تصريحات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، مؤكدة أن المسئولين قد أمنوا مستقبل أنفسهم وعائلاتهم بينما يتركون المواطن الكادح لمواجهة المجهول.

وهو ما يتلاقى مع الطرح الأخلاقي الذي قدمه "حسن أحمد" عبر المعرف @snmd17337، موجهاً انتقاداً لاذعاً لكل مسئول يعتلي منصة الحكم باسم الدين دون الاهتمام بأمور الناس المعيشية وخاصة الكادحين والبسطاء، في وقت يعيش فيه هؤلاء المسئولون في رغد وإسراف وبذخ مستمدين من موارد الوطن الأساسية ومن قوت دماء وعرق الفئات المطحونة.

وفي النهاية، يلخص محد الشريف @MhdElsherif المشهد بالتأكيد على أن أقصى ما يستطيع الخطاب الرسمي التنبؤ به بعد اثني عشر عاماً من الحكم هو العودة التدريجية للمواطن إلى وضعه الاقتصادي السابق دون تحديد سقف زمني، مما يعكس تدميراً كاملاً للاقتصاد القومي وإفقاراً متعمداً للشعب لن ينتهي إلا بزوال هذه العقلية الإدارية.

وشهدت الحالة المصرية على مدار العقدين الأخيرين تحولات اقتصادية واجتماعية بالغة التعقيد، تبلورت بشكل حاد وجعلت من النقاش حول الأوضاع المعيشية مادة يومية مستمرة. وتحت وطأة هذه المتغيرات المتسارعة، يتناول هذا التقرير تفكيك ظاهرة الفقر وبنية التردي الاقتصادي الراهن، بالاستناد الحصري والكامل إلى قراءات وإحصاءات وبيانات أوردتها شخصيات أكاديمية وإعلامية ونشطاء بارزون عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وتبدأ جذور الأزمة ومظاهرها البنيوية في التشخيص المعرفي الشامل الذي قدمه الدكتور أسامة حمدي، أستاذ الطب بجامعة هارفارد بالولايات المتحدة، الذي انطلق من تساؤل استنكاري محوري حيال أحقية مصر بالمعاناة من العوز الاقتصادي في ظل ما تمتلكه من مقومات طبيعية وبشرية وجغرافية فريدة. يوضح الدكتور حمدي بالأرقام أن مصر، وفق كافة المقاييس العلمية، لا يمكن ولا ينبغي لها أن تكون دولة فقيرة؛ إذ تضم 145 منطقة أثرية مسجلة لدى منظمة اليونسكو، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف أكثر دول العالم ثراءً بالآثار، ويمتد سياقها التاريخي إلى أعرق حضارات العالم، فضلاً عن امتلاكها 3 آلاف و200 كيلومتر من الشواطئ الدافئة الممتدة على بحرين رئيسيين.

ورغم هذه العوامل الجاذبة التي تجعل العالم يتوق لزيارتها، يقبع قطاع السياحة المصري في الترتيب 34 أو 26 عالمياً، بعدد سياح لا يتجاوز 15 مليون سائح فقط، وهو رقم يقل عن زوار فيتنام أو جزيرة ماكاو الصغيرتين، مما يبرز العجز التام عن ترجمة هذا الإرث الثقافي والطبيعي إلى ثروة قومية حقيقية.