هزيمة 5 يونيو .. مراقبون: استبداد السلطة وغياب المحاسبة يبددان القوة ويسحقان همم الشعوب

- ‎فيتقارير

تظل ذكرى الخامس من يونيو 1967 نقطة تحول فارقة في الوجدان السياسي العربي، ومادة متجددة للسجال الرقمي والفكري الذي يتجاوز حدود التاريخ ليعيد تفكيك أزمات الحاضر.

وفي قراءة هذه المحطة، تتباين رؤى النخب والأكاديميين والسياسيين بين من يراها نتاجاً حتمياً لـ “عوار هيكلي داخلي”، ومن يضعها في سياق “استهداف خارجي للمشروع القومي”.

 

ويتقاطع مراقبون في التركيز على خطورة “دولة الولاء” وتجريف المؤسسات والإنكار الممنهج كأسباب رئيسية قادت للكارثة السياسية والعسكرية وتتكرر ملامحها اليوم، ويذهب آخرون إلى مدى أبعد وأكثر راديكالية؛ إذ يرى في الحقبة الناصرية بأكملها تدميراً عسكرياً وفكرياً ممنهجاً للأمة قاده إعلام الدجل وصناعة الوهم.

مقابل من يرى تبسيط الهزيمة واختزالها في أخطاء القيادة، ومسلطاً الضوء على شبكة التآمر والدعم الدولي والاستخباراتي الهائل الذي أحاط بالكيان لصدمة المشروع العربي، معيداً الاعتبار لبطولات الجيش وصموده على الأرض.

استبداد الحنجوري

يريد الأكاديمي والسياسي المصري أسامة رشدي @OsamaRushdi من خلال هذه التدوينة تقديم قراءة نقدية واستراتيجية لنكسة 5 يونيو 1967، والربط بين أسبابها التاريخية والواقع السياسي الحالي في مصر والمنطقة، ويمكن تلخيص الرسائل الأساسية التي يهدف إلى إيصالها في النقاط التالية:

1. تفسير الهزيمة بـ”استبداد السلطة” لا بفارق القوة

حيث يؤكد “رشدي” أن السبب الرئيسي لانهيار النظام العسكري في 1967 خلال أيام معدودة لم يكن مجرد تفوق عسكري للخصم، بل يعود إلى طبيعة نظام الحكم نفسه. ويوضح أن انشغال القيادة العسكرية بالسلطة، والنفوذ، والمكاسب السياسية، وقمع المجتمع ومصادرة الحياة السياسية، هو ما خلق بيئة هشّة عجزت عن الصمود في لحظة المواجهة الحقيقية، رغم امتلاك الجيش لعتاد وجنود كان بإمكانهم تحقيق صمود أكبر.

2. غياب المحاسبة التاريخية والسياسية

وينتقد عدم خضوع المسؤولين الحقيقيين عن الكارثة لمحاسبة جادة؛ حيث جرى تحميل المسؤولية شكلياً لعدد محدود من الضباط، بينما تم إعفاء رأس النظام السياسي من المساءلة، مما سمح باستمرار ذات البيئة السياسية التي أنتجت الإخفاق.

3. التبعات الاستراتيجية الممتدة (اتفاقيات السلام والمقاومة)

ويربط رشدي بين نتائج 1967 والواقع الحالي من زاويتين:

الأولى: أن حرب أكتوبر 1973، رغم الجهد العسكري الكبير فيها، انتهت باتفاقيات سياسية (كامب ديفيد) أخرجت مصر من ميزان القوى الإقليمي وشرعنت الاحتلال، مما أطلق يد الكيان الصهيوني في المنطقة.

الثانية: يعقد مقارنة بين عجز الأنظمة النظامية الكبرى في 1967 عن الصمود لأيام، وبين قدرة حركات المقاومة المعاصرة (جماعات من دون دولة) على الصمود لسنوات أمام ذات الآلة العسكرية، مستنتجاً أن الإرادة الشعبية والمؤسسية هي الفارق.

4. إسقاط التاريخ على الواقع الحالي (“الجمهورية الجديدة”)

ووجه رشدي نقدًا مباشرًا للنظام الحالي في مصر عبر استخدام مصطلح “الجمهورية الجديدة”، معتبرًا أن الشعارات المعاصرة لا تبني قوة حقيقية ولا تحقق استقرارًا إذا استمرت نفس السياسات القائمة على قمع الشعوب وغياب المراجعة الفكرية والسياسية.

ويخلص السياسي المصري إلى أن احترام كرامة المواطنين، وإتاحة الاختيار الحر والشعبية الحقيقية للحكام، والمراجعة الصادقة لأخطاء الماضي، هي السبل الوحيدة لبناء مستقبل قوي وقادر على الصمود والاستقرار، مؤكدًا أن القوى الدولية لا تحترم الأنظمة المستبدة حتى وإن أظهرت غير ذلك.

https://x.com/OsamaRushdi/status/2062845631454961948

المؤامرة الدولية

وينقل سعيد محمد @thejournalist68 عن الكاتب عمرو صابح في مقاله “غيض من فيض خفايا حرب 5 يونيو 1967” التأكيد والتشديد على عدة أفكار ومحاور رئيسية تسعى إلى إعادة قراءة أحداث الهزيمة بنظرة أكثر شمولية وإنصافاً تاريخياً، ويمكن تلخيص مقاله في رفضه اختزال الهزيمة في مجرد “أخطاء القيادة المصرية” أو “التفوق “الإسرائيلي” المنفرد” معتبرا أنها رواية قاصرة جرى ترويجها وتبسيطها بمرور السنوات، بينما تكشف الوثائق والشهادات أن المشهد كان شديد التعقيد ويمتد لأبعاد دولية وإقليمية.

ويرى المقال أن حرب 1967 لم تكن مواجهة ثنائية بين مصر و”إسرائيل” فحسب، بل كانت معركة استراتيجية كبرى استهدفت “المشروع القومي العربي” الذي كان يقوده جمال عبد الناصر، وتكتلت فيها قوى دولية وإقليمية رأت في هذا المشروع تهديداً مباشراً لمصالحها ونفوذها في الشرق الأوسط.

ويركز على إثبات أن “إسرائيل” لم تكن وحدها في الميدان، بل كانت مدعومة بشبكة لوجستية وعسكرية معقدة، ويشدد على: مشاركة طائرات وطيارين من الولايات المتحدة (من قواعد في ليبيا)، وفرنسا، وجنوب إفريقيا العنصرية في الضربة الجوية الأولى لشل سلاح الجو المصري.

وعن الدعم اللوجستي والمادي، بتأمين الاحتياجات البترولية ل”إسرائيل” عبر شاه إيران، والحصول على طائرات ودبابات بتمويل ورعاية من المخابرات المركزية الأمريكية (CIA)، واستخدام خطط بريطانية والحواسب الإلكترونية الفرنسية لاختبار خطة الحرب.

وعن التفوق الاستخباراتي والتكنولوجي فأشار إلى قيام طائرات استطلاع أمريكية بمسح سيناء وتقديم الصور ل”إسرائيل”، وفك الشفرات العربية وتزييف الرسائل المتبادلة بين القادة العرب لتضليلهم، فضلاً عن توفير مظلة جوية أمريكية فوق “إسرائيل” عبر حاملة الطائرات “ساراتوجا”.

ويشدد المقال على التورط الأمريكي المباشر في رصد المعركة والتجسس على مجرياتها من خلال تواجد المدمرة “ليبرتي” والغواصة الذرية “أندرو جاكسون” في شرق المتوسط، معرجاً على واقعة ضرب “إسرائيل” للمدمرة كإحدى الوقائع المثيرة للجدل في الحرب.

ومع تأكيد الكاتب على أن المقال لا يهدف إلى تبرئة جمال عبد الناصر من المسؤولية السياسية والعسكرية (التي اعترف بها شخصياً)، إلا أنه يشدد في الختام على عدم إغفال تضحيات وبطولات الجنود والوحدات المدرعة والمشاة المصرية التي استمرت في القتال والصمود بوسط سيناء حتى 9 يونيو، والتشديد على حجم الخسائر التي تكبدتها إسرائيل والتي بلغت 20% من قوتها الجوية و15% من طياريها.

نبش الدفاتر

ومقابل هذه الرؤية يستعرض مراقبون كيف أنه في نكسة 1967 خاض الكيان الصهيوني الحرب ( ب 4 فرق عسكرية ) لمدة 6 أيام فقط واحتلت: سيناء بالكامل وهضبة الجولان السورية وقطاع غزة كانت إدارته مصرية والضفة الغربية كانت إدارتها الأردنية.

حساب  سياسي مخضرم  @Veteran_Politc اعتبر أن الذكرى #5يونيو لا تحتاج إلى نبش الدفاتر لنعرف ما هي النكسة، فآثار ذلك اليوم ما زالت محفورة في تفاصيل الجغرافيا التي نعيشها، وفي وعينا الجماعي الذي تشكّل على وقع الصدمة.

​ويتفق بشكل كامل ومباشر مع (أسامة رشدي)، بينما يختلف جوهرياً مع أطروحة الكاتب الثاني (عمرو صابح)، حيث يلتقي مع رشدي في تبني “التحليل الهيكلي والداخلي للهزيمة”. كلاهما يرى أن الهزيمة لم تكن مجرد حدث عسكري عابر أو بسبب تفوق العدو، بل كانت نتيجة حتمية لـ: غياب المؤسسية والمحاسبة.. تقديم الولاء على الكفاءة..     قمع وتهميش المؤسسات المدنية والمجتمع.. إسقاط هذه العيوب الهيكلية على الواقع المصري الحالي (سياسات الإدارة، الديون، وتهميش التكنوقراط).

ويختلف مع عمرو صابح الذي ركز على “العوامل الخارجية” والدعم الدولي والإقليمي ل”إسرائيل” والمؤامرة ضد المشروع القومي. ليرفض هذه الرواية الضمنية ويرى أن القيادة كانت تعرف الحقائق لكنها اختارت “الإنكار الممنهج وصناعة الوهم”، وأن الأزمة في عمقها هي أزمة بنية وإدارة داخلية وليست عسكرية أو خارجية.

التشابه مع الإدارة الحالية

ويؤكد على أن آليات الإدارة الحالية في مصر تفضي إلى نفس مقدمات نكسة 1967، ويشدد على ثلاثة محاور رئيسية:

1. خطورة “دولة الولاء قبل الكفاءة”

يؤكد أن انحراف المؤسسة العسكرية في الستينيات وتحولها إلى إقطاعية سياسية تدار بالشللية والولاء للمشير هو ما تسبب في الكارثة، ويحذر من تكرار ذلك اليوم عبر “ابتلاع مؤسسة واحدة للمجال العام” وإدارتها للاقتصاد والإعلام والمشروعات المدنية بعقلية الأمر العسكري، مؤكداً أن هذه العقلية “قد تبني معسكرات لكنها لا تبني اقتصاداً مستداماً”.

2. التحذير من “ثقافة التعامي والعناد السياسي”

 

يشدد على أن السلطة في 1967 واليوم لا تجهل الحقائق؛ فالتقارير والتحذيرات الاقتصادية والسياسية موجودة على المكاتب، لكن الأزمة تكمن في “العناد السياسي” والإنكار الممنهج من قمة الهرم برؤية أحادية ترفض الاعتراف بفشل الخيارات الاستراتيجية، وتصر على المضي قدماً حتى يصطدم المجتمع بالجدار.

3. كلفة تجريف المؤسسات المدنية والرقابية

ينبه إلى أن اختلال التوازن وتضخم الأجهزة الأمنية والسيادية جعل بقية مؤسسات الدولة (البرلمان، القضاء، التكنوقراط) مجرد “سكرتارية” أو جهات تنفيذية تابعة، مما يحرم الدولة من المرونة ومن العقول المتخصصة، ويجعل الأخطاء كارثية وغير قابلة للاستدراك لغياب الرقابة والمحاسبة.

ويريد الكاتب القول: إن “مصر تواجه اليوم حصاراً استراتيجياً حقيقياً (في غزة، السودان، وسد النهضة)، لكن تحصين الدولة لا يكون بترسانة السلاح وحده، بل بـ”المواطن والجبهة الداخلية”، ويختم بأن خطر السقوط في “نكسات جديدة” (اقتصادية أو سياسية) سيظل قائماً وممتداً ما دامت نفس آليات الإدارة والتعامي وتزييف الوعي تعمل دون تغيير”.

https://x.com/Veteran_Politc/status/2062913920176730207

التيار القومي والناصريين

ويرى د. يحيى غنيم @YahyaGhoniem في تغريداته حول ذكرى نكسة 5 يونيو 1967 في نقد سياسي وفكري لاذع للحقبة الناصرية ولتيار القومية العربية، ويُمكن تحديد الركائز الأساسية لرؤيته ومواقفه في النقاط التالية:

1. تحميل جمال عبد الناصر المسؤولية المباشرة

يرى غنيم أن الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر هو المسؤول الأول عن “تدمير الجيش المصري” وإلحاق هزيمة استراتيجية كبرى بالأمة العربية لا تزال آثارها ممتدة حتى اليوم. ويعتبر أن الدوافع وراء القرارات العسكرية آنذاك كانت غارقة في الصراعات الشخصية على السلطة والنفوذ بين عبد الناصر وقائد الجيش عبد الحكيم عامر، مما أدى إلى مقتل الآلاف من الشباب المصري، واحتلال سيناء، وخسارة أراضٍ ومنافذ استراتيجية.

2. الهجوم الحاد على التيارين القومي والناصري

يتبنى الكاتب موقفاً إيديولوجياً مضاداً بالكامل للمشروع القومي والناصري، حيث يصف المنتمين لهذين التيارين بأوصاف قاسية، معتبراً إياهم “بيادق للاستعمار الغربي” ساهموا في تزيين الأخطاء للجمهور. كما يتهم عبد الناصر بتأسيس ما وصفه بـ”العمالة للمشروع الصهيوني” من خلال توجيه العداء الداخلي نحو التيار الإسلامي بدلاً من التركيز على العدو الخارجي.

3. إدانة المنظومة الإعلامية والدعائية (صناعة الوهم)

ينتقد غنيم بشدة الأداء الإعلامي المصاحب للحرب وما تلاها، واصفاً إياه بـ”إعلام الدجل العسكري” و”سحرة فرعون”. ويرى أن هذا الإعلام مارس تزييفاً متعمداً للوعي عبر ادعاء الانتصارات والوصول إلى تل أبيب في الوقت الذي كان فيه الجيش يتعرض للهزيمة، معتبراً أن هذه المدرسة الإعلامية ورّثت أدواتها للأجيال اللاحقة للاستمرار في “استحمار الشعوب” وتبرير بقاء الأنظمة الحاكمة.

4. نقد النخبة الثقافية (موقف محمد حسنين هيكل)

يوجه الكاتب نقداً لاذعاً للنخبة الثقافية والسياسية التي عاصرت الحرب وبررت الهزيمة، ويخص بالذكر الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل، منتقداً السردية التي روجت آنذاك بأن خسارة الأرض (سيناء) لا قيمة لها ما دام النظام والزعيم قد بقيا في السلطة، معتبراً هذا الطرح قمة الدجل والمسخ للعقلية والمجتمع.

ويريد الدكتور يحيى غنيم القول: إن “نكسة 1967 لم تكن مجرد إخفاق عسكري طارئ، بل هي نتاج طبيعي لنظام حكم فاشل تداخلت فيه الصراعات الشخصية مع الاستبداد السياسي، ودعمته منظومة إعلامية وثقافية زيفت وعي الجماهير وحولت الهزائم التاريخية إلى انتصارات وهمية للحفاظ على كراسي الحكم”.