تفكيك شبكة “المعلمين”.. دولة البلطجة الموازية يتزعمها نخنوخ وتضم دولار والحداد وشندي وآخرين

- ‎فيتقارير

شهدت الساحة المصرية في الأيام القليلة الماضية هزات ارتدادية عنيفة عقب الكشف عما وصفه مراقبون بـ"ماسورة معلمين" أدت إلى الإطاحة برءوس بارزة في عالم المال والبلطجة الموازية. وأعادت هذه التطورات فتح ملف "جمهورية البلطجية" أو "البالوعة" التي قُدرت في بعض الإحصاءات التاريخية بنحو 400 ألف عنصر فرضوا سيطرتهم على الشارع في فترات زمنية مختلفة. يسلّط هذا التقرير الضوء على الأسماء الصاعدة والآفلة في هذا العالم، وطبيعة الأخطاء والشبكات المعقدة التي أسقطت كبار رجال الظل.

 

صدمة "أحمد الحداد" وشبكة المصاهرات

فجّر رجل الأعمال أشرف السعد عبر حسابه الرسمي @ashraaf_alsaad مفاجأة من العيار الثقيل، كاشفاً أن أحد المحبوسين في القضية الأخيرة برفقة "المعلم" صبري نخنوخ هو من تولى شراء أصول المقاول الهارب في إسبانيا محمد علي وتحويل أمواله إلى الخارج.

وتشير التحليلات والمعلومات المتداولة، التي رصدتها الصحفية إسراء الحكيم عبر حسابها @EsraaAlhakeem23، إلى أن الشخص المقصود هو "أحمد الحداد"، وهو مهندس بسيط دخل عالم الثراء السريع من أوسع أبوابه عبر اقتناص عقارات وسيارات الأشخاص "المأزومين" بربع قيمتها وإعادة بيعها بملايين، ومنها شراؤه لفيلا المقاول محمد علي في الساحل الشمالي بنحو 10 ملايين جنيه ثم بيعها للفنان محمد رمضان بمبلغ 25 مليون جنيه، وسط شبهات تحوم حول غسيل الأموال وتهريب العملة.

وما زاد القضية تعقيداً وتشابكاً هو تداخلها مع طبقة "النخبة" والمصاهرات السياسية والفنية؛ فالحداد هو زوج الفنانة هاجر أحمد، التي تبين أن شقيقتها (هند جاد) متزوجة من ابن المستشار أحمد الزند (وزير العدل الأسبق)، بينما تبرز في كواليس هذه الزيجات أسماء مثل "سارة خليفة" المحبوسة حالياً على ذمة قضية مخدرات، مما يكشف عن شبكة عنكبوتية متصلة ظهرت فجأة عبر الثراء الفاحش والروابط المشبوهة.

 

صراع الخلافة: شندي يحيى وإمبراطورية الظل

مع غياب صبري نخنوخ خلف القضبان واختفاء القيادات التقليدية، برز اسم "شندي يحيى" كمرشح قوي لطبقة الصفوة لخلافة إدارة هذه المنظومة. ووفقاً للصحفي منير الخطير عبر حسابه @farag_nassar_، فإن فرص شندي تزايدت بشكل ملحوظ لتسيد ما يُعرف مجازاً بـ"نقابة المعلمين" (مصطلح دارج يطلق على كبار المجموعات المنظمة)، مستغلاً غياب أسماء حديدية مثل "أسد الصحراوي" و"يحيى الصعيدي" وهروب أغلب قيادات الصعيد.

ويعتمد شندي في نفوذه على تحالفات وثيقة مع رجال مال وفنانين وأعمال، حيث تحول حفل عيد ميلاده الأخير إلى ملتقى لطبقة النخبة وأثرياء مصر، محاولاً حكم العائلة وبسط السيطرة في ظل غياب المعلم "جون" والمعلم "صبري". وتأتي أسماء أخرى مثل "إسماعيل دولار" و"محمد الحدود" وعشرات البودي جاردات كأدوات تنفيذية ضمن هذا الهيكل الموازي الذي يسعى لإعادة تموضع نفوذه في مناطق حيوية كالمقطم، شبرا، إمبابة، فيصل، والإسكندرية.

وقال مراقبون إن شندي يحيى مرشح الصفوة لخلافة المعلم صبري نخنوخ، وفرصته لتسيد نقابة المعلمين زادت حيث يعتمد على طبقة الصفوة من رجال المال والفن والأعمال لحكم العائلة في غياب المعلم صبري والمعلم جون، خصوصًا بعد هروب معظم معلمين الصعيدي.

 

أدوات وظيفية أم مراكز قوى موازية؟

تختلف قراءات المحللين حول مدى استقلالية وقوة هذه الإمبراطوريات؛ إذ يرى الكاتب شريف منصور عبر حسابه @Mansour74Sh أن المبالغة في تقدير سطوة ونفوذ رموز مثل العرجاني أو نخنوخ تنم عن عدم إدراك لمدى سيطرة ونفوذ "الدولة المركزية" في مصر عبر التاريخ. ويعتبر منصور أن هؤلاء ليسوا سلطة موازية بل "مجرد أدوات" تستخدمها السلطة لتحقيق أغراض محددة في وقت محدد، والتخلص منهم أو إزاحتهم أمر يسير فور انتهاء أدوارهم الوظيفية.

 

خلفاء نخنوخ

ورغم أنه جرى الكشف عن أسماء معاوني نخنوخ، أو يُطلق عليه "المعلمين" كبارالبلطجية، إلا أنه ومنذ أغسطس الماضي وصل لمنصات على السوشيال أسماء الشركاء ومنها ما نشره حساب @aishaalsayed9 في ذلك التوقيت.

وهم متهمون خلال الأشهر الأخيرة بإدارة أعمال تجارية مشبوهة حققوا من خلالها ملايين، وسط توقعات بظهورهم القريب في العلن بأدوار أكبر وأوسع. وتتكون هذه الشبكة أساساً من أربعة أفراد يرتبطون بشكل مباشر مع صبري نخنوخ، وهم: شندي يحيى، يحيى الصعيدي، بدر عياد، وإسماعيل دولار.

 

يحيى الصعيدي

يعد عصام محمود حنفي، الشهير بلقب "يحيى الصعيدي"، الشريك الأول في هذه المجموعة، حيث بدأ حياته كمقاول عشوائي واستولى على أراضٍ بطرق غير قانونية عقب ثورة 25 يناير، مما شكل بداية ثروته وشراكته مع نخنوخ. ويحيى هو شقيق عماد حنفي الصعيدي، تاجر السلاح والمخدرات المتهم في أحداث كرداسة الذي تم تصفيته عام 2016. ورغم اتهام يحيى في قضايا بناء بدون ترخيص واستيلاء على أراضٍ، إلا أنه كان يحصل على البراءة بتسهيلات من قيادات أمنية.

تزايد ظهور الصعيدي مع نخنوخ بعد حصول الأخير على عفو صحي، ليكون حلقة الوصل مع رجال المال. وأسس شركة "G.T.C" للمقاولات كشركة مساهمة احتكرت أعمال البناء في الطريق الصحراوي لصالح مشاريع استثمارية، وتوسعت أعماله لتشمل مشاريع في الساحل الشمالي. كما عمل على تعزيز علاقاته برسم شبكة مصاهرات لشركائه وأبنائه مع عائلات رجال أعمال معروفين.

 

إسماعيل دولار

يبرز إسماعيل إبراهيم، المعروف باسم "إسماعيل دولار"، كأحد الأطراف النافذة التي تعمل في تجارة المخدرات تحت غطاء الشركات الأمنية. ورغم ادعائه التخرج من كلية التربية الرياضية بجامعة القاهرة، إلا أنه حاصل على دبلوم تجارة. كون ثروته من تأسيس شركة "دولار للحراسات الخاصة والإنتاج الفني"، والتي تُستخدم كغطاء أمني وتجاري لتأمين مواقع التصوير والفنادق والكباريهات والتعامل بالعملة الأجنبية.

وارتبطت أعماله بحزب مستقبل وطن وصبري نخنوخ، وتوسعت نشاطاته لتشمل تجارة الذهب والتخليص الجمركي وتهريب الآثار، فضلاً عن الدخول في شراكات عابرة للحدود مع مستثمرين عقاريين للاستيلاء على أراضٍ وإقامة مشاريع عليها، مستفيداً من علاقاته ودعمه من قِبل لواءات سابقين لتسهيل التراخيص وتأمين المنشآت والانتخابات.

 

شندي والمعز

يرتبط اسم "شندي يحيى شندي" بمجموعة "عبد المعز" وشركة "سيفتي 5" الأمنية. فبعد الانقلاب وإصدار قانون تنظيم شركات الحراسة عام 2015 الذي قلَّص عدد الشركات العاملة، جرى تجهيز هذه المجموعة لإدارة الإمبراطورية الأمنية. ورغم صدور قرارات من لجنة حصر الأموال بالتحفظ على مجموعة المعز القابضة عام 2018، وإقامة دعاوى قضائية تتهم شندي بأنه رئيس وهمي للشركة للتغطية على الملاك الفعليين، استمرت المجموعة في العمل كنوع من إعلان الولاء.

وفي أعقاب إلغاء ترخيص مجموعة المعز من البورصة المصرية أواخر عام 2024، ظهر شندي كشريك لنخنوخ في سلسلة مطاعم فاخرة جديدة باسم "كالابريا الجديدة" تستخدم كغطاء لغسيل الأموال، وتم تقديمه لرجال أعمال بارزين للاستفادة من خدماته في الحراسات الخاصة وتأمين الكباريهات.

 

بدر عياد

يأتي بدر عياد كالشريك الأخير في هذه الشبكة، ويُصنف بأنه أقل المذكورين شأناً مقارنة بالآخرين، حيث يوصف بأنه "كبير صبيان نخنوخ". ينحدر عياد من قرية شبرامنت بمركز أبو النمرس في محافظة الجيزة، ويتولى بشكل أساسي إدارة عمليات غسيل الأموال عبر ما يُعرف بـ"النقطة" ويعمل تحته عدد كبير من المعاونين. ولإضفاء وجاهة اجتماعية على نفسه، قام بتزوير شهادة دكتوراه في الإعلام، مما أدى لاحقاً إلى فصله من نقابة الصحفيين بعد كشف حصوله بالخطأ على عضوية المنتسبين.

  https://x.com/aishaalsayed9/status/1954606957689716825/photo/1

على النقيض من ذلك، يطرح حساب "عفريتكو" @SAGER160 مقارنة مغايرة، معتبراً أن حالة "إبراهيم العرجاني" تختلف بنيوياً عن حالة نخنوخ، نظراً لامتلاكه جيشاً موازياً يقدر بنحو 30 ألف عنصر بملء عتادهم، ولا يتلقون أوامرهم إلا منه مباشرة، مما يثير تساؤلات حاسمة ومخاوف لدى المراقبين من تحول هذه القوة إلى نموذج مشابه لـ"حميدتي" في السودان إذا استمرت في النمو دون كبح جماحها.

 

بمَ أخطأ "المعلمون"؟

تتلخص خطيئة هذه الشبكات في عدة نقاط بنيوية أدت إلى تعجيل صدام السلطة معهم حيث تجاوز الخطوط الحمراء للمركز، والانتقال من أدوار الحماية الموضعية أو الـ"فردة" إلى التدخل في ملفات سياسية وأمنية حساسة (مثل تهريب الأموال للخارج، والتعامل مع أصول معارضين كمحمد علي).

وربما في التفاخر العلني والاستعراض المفرط، وتحويل حفلات المناسبات والزيجات وأعياد الميلاد إلى تجمعات تتباهى بالثراء الفاحش والنفوذ الموازي، مما أحرج أجهزة الدولة الأمنية أمام الرأي العام الذي بات يتساءل عن غياب دولة القانون.

كما هم متورطون في قضايا عابرة للحدود، بتجاوز أعمال السيطرة التقليدية إلى شبكات غسيل الأموال، وتجارة النقد الأجنبي، والاتجار بالمواد المخدرة، وهي ملفات تمس الأمن القومي والاقتصادي مباشرة.