8 ملايين يمتهنون “الدليفري”..عصابة العسكر تحوّل المصريين إلى عمال توصيل بلا حقوق؟

- ‎فيتقارير

في دول الاقتصاديات الراسخة يعمل الشباب في بيئة عمل مناسبة لقدراتهم وإمكانياتهم العلمية والثقافية، وتعمل على تدريبهم وتطوير مهارتهم وإكمال ما نقص لديهم بطرق مختلفة من التدريب والتطوير، هؤلاء يكون لديهم مؤسسات وشركات إنتاجية يعملون لديها توفر لهم التأمين الصحي والتأمين الاجتماعي، ولكن في الاقتصاديات الرخوة الدولة تترك شبابها للعمل في الفرص المتاحة أمامهم، مثل العمل على وسائل نقل الركاب الخفيفة "التوكتك" والعمل في مجال توصيل الطلبات.

تقول التقديرات: إن "هناك ما بين 6 لـ 8 ملايين مصري شغالين في مهنة "الدليفري توصيل الطلبات"، لازم نتوقف أمام الرقم، هذا معناه أن قطاعا ضخما جداً من القوة العاملة والشباب في مصر بقوا شغالين في الشارع، هذا ليس مؤشرا على أن الاقتصاد يجري، هذا مؤشر على أن الصناعة والزراعة والإنتاج متوقفون تماماً، وأن ملايين الخريجين لم يجدوا أمامهم غير أنهم يركبوا مكنة صيني ويعلقوا بوكس على ضهرهم عشان يهربوا من شبح الجوع.

وهم المدير

الشركات الكبيرة وتطبيقات التوصيل دخلت مصر وباعت للشباب وهم اسمه "اقتصاد العمل الحر". يقولون له: "أنت مدير نفسك" بس الحقيقة أن هذه "عبودية مقنعة", الشاب من هؤلاء يشتغل بالـ 12 والـ 14 ساعة في عز الحر وفي عز البرد الشديد، وإلا يقبض غير عمولة التوصيل.

 لو المكنة عطلت، هو الذي يدفع قيمة التصليح، لو البنزين غلي، هو الذي يدفع الفرق، ولو لا قدر الله عمل حادثة ومات، الشركة بكل بساطة تعمل لـ "الأكونت حسابه" "إلغاء التفعيل" وتجيب غيره في ثانية، مفيش تأمين طبي، مفيش تأمين اجتماعي، مفيش أي التزام من الشركة تجاه "الشريك" المزعوم.

الشعب ينقل الأكل

 هذه الظاهرة تكشف العوار الحقيقي في هيكل الدولة، إحنا تحولنا لاقتصاد "استهلاكي" بحت، طبقة غنية أو قادرة قاعدة في التكييف بتطلب أكل بآلاف الجنيهات، وطبقة تانية مطحونة "بتمثل ملايين الشباب اللي لديهم شهادات جامعية" تسف التراب عشان توصلهم الطلب مقابل ملاليم, أين المصانع التي تستوعب هذه الملايين ؟ فين المشاريع الإنتاجية اللي تخلق قيمة مضافة للبلد؟ البلد اللي ملايين من شبابها وظيفتهم "ينقلوا الأكل من المطعم للبيت" هي بلد تستهلك مستقبلها.

حياة على كف عفريت

في وسط هذه المفرمة، الدولة "غائبة تماماً" أو تكتفي بالتصريحات، قانون العمل متجاهل تماماً حقوق هذه الفئة، ولا يوجد أي غطاء قانوني يلزم شركات التطبيقات المليارية هذه توفر حدا أدنى من الأمان التأميني أو الصحي للعمال دول، الشاب اللي بيقع من على المكنة بيبقى عبئا على أهله، ولا يجد مستشفى تعالجه إلا لو زمايله "الطيارين" لموا من بعض عشان ينقذوه.

جيل يُستنزف على الأسفلت

الـ 6 أو 8 مليون شاب دول هما "القوة الضاربة" لأي دولة عايزة تنهض، هؤلاء المفروض يكونوا في المصانع، وفي المزارع، وفي شركات التكنولوجيا والإنتاج، لكن للأسف، السياسات الاقتصادية حاصرتهم، ورمتهم لشركات عابرة للقارات تمتص دمهم وعمرهم مقابل "عمولة التوصيل."

 

 

يبدأ يوم عمال التوصيل في ساعات مبكرة، وغالبًا ما يمتد إلى أكثر من 12 ساعة يوميًا، في سباق مفتوح مع الوقت وعدد الطلبات، هذا الجهد المضني لا يُترجم إلى دخل مستقر، بل يبقى مرهونًا بعدد الطلبات التي يُنجزها العامل، يقول مرتضى أحمد، وهو شاب يعمل في هذا المجال منذ عامين، إن يومه قد ينتهي بدخل لا يكفي احتياجاته الضرورية.

الأجر يتآكل

ما يبدو كدخل يومي يتآكل سريعًا أمام التكاليف التي يتحملها العامل بنفسه. فالأجر يُحسب على أساس كل طلب، لكنه لا يُعد صافيًا؛ فالوقود وصيانة الدراجة وأعطال الطريق، كلها تُقتطع من جيب العامل.

مصطفى إبراهيم، وهو أب لطفلين، يوضح أن ما يجمعه في يوم كامل قد لا يكفي لتغطية نفقات عائلته بعد خصم تكاليف العمل. هذا الواقع يكشف عن معادلة غير عادلة، يتحمل فيها العامل كل الأعباء، بينما تظل الشركات بعيدة عن أي التزام فعلي تجاهه.

لا تعويض عند الإصابة

في ظل ضغط الطلبات، يضطر عمال التوصيل إلى الإسراع، ما يعرّضهم لمخاطر يومية في الطرقات المزدحمة، الحوادث ليست استثناءً، بل كسر ساقه إثر حادث، ما أبعده عن العمل لشهرين دون أي تعويض أو دعم.

التقييمات ضغط غير مرئي

لا يقتصر الضغط على الجهد البدني، بل يمتد إلى الجانب النفسي أيضًا، حيث تعتمد تطبيقات التوصيل على نظام تقييم يحدد مستقبل العامل داخل المنصة، تقييم سيئ، حتى لو كان بسبب الزحام أو تأخير المطعم، قد يعني تقليل عدد الطلبات أو حتى إيقاف الحساب.

إياد علي، الذي يعمل في هذا المجال منذ ثلاث سنوات، يشير إلى أن هذا النظام يضع العامل تحت رحمة عوامل لا يملك السيطرة عليها، ويحوّل الزبون إلى جهة رقابية غير عادلة، هذا النوع من الضغط يعمّق هشاشة العامل، ويجعله في حالة توتر دائم.

خارج القانون

ورغم التوسع الكبير في قطاع التوصيل، فإن العاملين فيه ما زالوا خارج أي إطار قانوني واضح، إذ لا يُعترف بهم كموظفين، ولا يحصلون على حقوق أساسية مثل الإجازات أو الضمان الاجتماعي. العامل سعد زياد، وهو خريج جامعي، يلخّص الوضع بقوله: "نعمل من دون أي ضمان، وإذا توقف التطبيق، لا أمتلك أي بديل", هذا الفراغ القانوني ليس مجرد خلل إداري، بل يعكس تجاهلًا حكوميًا واضحًا لواقع يتسع يومًا بعد يوم، ففي الوقت الذي تتغير فيه طبيعة العمل عالميًا، لا تزال السياسات المحلية عاجزة عن مواكبة هذا التحول، تاركةً آلاف الشباب في حالة هشاشة دائمة.

بين الحاجة والكرامة

ورغم كل هذه التحديات، يواصل آلاف الشباب العمل في هذا المجال، مدفوعين بغياب البدائل،" نعرف أن الشغل متعب وليس به أمان، لكن لا يوجد غيره"، يقول عادل حسين. هذه العبارة تختصر مأزق جيل كامل، يجد نفسه بين الحاجة إلى العمل وغياب الكرامة فيه..