اهتم باحثون وصحفيون عرب بمقال كتبه المفكر اليهودي (جورج فريدمان)، مؤسسة وكالة (ستراتفور) للاستخبارات والتحليل السياسي، يعد قراءة تفكيكية للمشهد الاستراتيجي المرتبط بالكيان الصهيوني، مرجعاً أزماته الوجودية إلى عوامل جغرافية وحلفاء متغيرين، مؤكدا أن معضلة الكيان الصهيوني ليست معضلة تكتيكية يمكن حلها بزيادة مؤقتة في القوة أو بقضم مساحات إضافية من الأرض.
ويؤكد فريدمان في قراءته أن المشكلة بنيوية وعميقة وأن الجغرافيا المحطية بالكيان ضعيفة في مقابل موازين قوى إقليمية وتكنولوجية متغيرة ومتحركة، بناءً عليه، يعتبر فريدمان أن الرهان على بقاء المنطقة ضعيفة أو منقسمة للأبد هو الرهان الأكثر خطورة، وأن استراتيجية الاعتماد المطلق على القوة والتحالف الأمريكي الدائم ليست قابلة للحياة على المدى البعيد.
أطروحة الكاتب الجيوسياسي الأمريكي البارز، جورج فريدمان، والتي حملت عنوان “مشكلة إسرائيل الاستراتيجية”، تضع أصبعها على الجرح الوجودي العميق للكيان: الهشاشة الجغرافية الدائمة وغياب العمق الدفاعي حيث أحدثت صدىً لافتاً وتفاعلاً حذراً داخل الأوساط النخبوية والفكرية اليهودية، لا سيما المنتمية للمدرسة الواقعية. هذا التعاطف مع قراءة فريدمان ينبع من كونه يضع “حقائق الجغرافيا الثابتة” في مواجهة “الغرور العسكري المؤقت”، محذراً من أن الرهان على تفوق عسكري دائم أو التزام أمريكي أبدي هو مقامرة غير مضمونة النتائج.
التقرير يستعرض الرؤية التحليلية التي قدمها فريدمان، وكيف تفكك أطروحته مفهوم “المناطق العازلة”، ولماذا حركت مياه النقد داخل النخب التي باتت ترى في تحذيراته الجيوسياسية طوق النجاة الأخير للهروب من كارثة حتمية.
المقال الأصلي نُشر حديثاً في (يونيو 2026) بعنوان “Israel’s Strategic Problem” عبر منصته “جيوبوليتيكال فيوتشرز”، وأثار نقاشاً بين المحللين الاستراتيجيين.
والسبب أن العديد من الخبراء العسكريين والمحللين المنتمين إلى المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية (مثل أفكار البروفيسور جون ميرشايمر أو ستيفن والت) يتفقون تماماً مع تشخيص فريدمان حول “وهم القوة المطلقة”.
ويرى هؤلاء المحللون أن أحداث ما بعد 7 أكتوبر 2023 أثبتت صحة فرضية فريدمان؛ فالاعتماد الصهيوني الكامل على “التفوق التكنولوجي” والتحصينات الذكية انهار في لحظات أمام هجوم قتامي بسيط أثبت عجز غياب العمق الجغرافي.
ويتفق مراقبون في واشنطن مع تحذير فريدمان من تآكل الالتزام الأمريكي؛ إذ يشير محللون في معاهد أبحاث أمريكية (مثل معهد كاتو أو قراءات في معهد بروكينجز) إلى أن اتساع الفجوة بين المصالح الأمريكية العليا وبين اندفاع قادة الاحتلال نحو حروب إقليمية مفتوحة (في لبنان وغزة ومواجهة إيران) بدأ يخلق عبئاً استراتيجياً حقيقياً على الإدارة الأمريكية، مما يجعل تحالفهما خاضعاً لإعادة تقييم باردة مستقبلاً.
التقاطعات الإعلامية
وحظي تقرير فريدمان الأخير بمتابعة واسعة في مراكز الدراسات العربية والمنصات الإخبارية الكبرى (مثل الجزيرة ومراكز الأبحاث السياسية في الشرق الأوسط).
واعتُبر تحليل فريدمان بمثابة “شهادة من أهلها” أو قراءة موضوعية مجردة من خبير أمريكي غير محسوب على المنطقة، ركزت التعليقات العربية المؤيدة لطرحه على أن اعتراف فريدمان بـ “حتمية تطور قوة الدول الأخرى بالمنطقة بمرور الوقت” يكسر السردية الصهيونية القائلة بأن الاحتلال يمكنه فرض إرادته العسكرية للأبد عبر “إستراتيجية المطرقة” (تدمير كل شيء دون أفق سياسي).
وفتح المقال باباً للنقاش (حتى أن فريدمان قام بنشر مادة ملحقة للرد على أسئلة القراء)، حيث جادل بعض المنتقدين لطرحه بسؤال: “كيف يطلب من الكيان السعي وراء تسويات وتفاهمات إقليمية مع أطراف ترغب أساساً في إزاحته؟”.
وكان رد “فريدمان” (الذي رصده مراقبون) المؤيد لفكرته الجيوسياسية الصارمة: أن المسألة لا تتعلق بالنوايا بل بـ “القدرة الإستراتيجية”؛ فالجغرافيا ثابتة لا ترحم، والرهان على بقاء دول الجوار ضعيفة أو ممزقة إلى الأبد هو مقامرة وجودية خاسرة بحكم منطق التاريخ والتطور التكنولوجي للمسيرات والصواريخ التي ألغت مفهوم “المناطق العازلة”.
الهشاشة الجغرافية وغياب العمق الدفاعي
ويركز مقال “فريدمان” ابتداء؛ على أن المشكلة الأساسية للكيان تكمن في الجغرافيا الضيقة؛ إذ لا يتجاوز عرضه في أضيق نقطة 9 أميال (نحو 14 كم) وفي أوسعها 71 ميلاً. هذه المساحة المحدودة تحرمه من “العمق الدفاعي” الذي يسمح بامتصاص الضربات الأولى، أو التراجع وإعادة التموضع.
ويعتبر أن هذه الهشاشة تفرض على الاحتلال تبني عقيدة عسكرية تقوم على العمل الهجومي الاستباقي، ونقل المعركة سريعاً إلى أرض الخصم لحسمها قبل أن تتأثر حدوده.
وينتقد الكاتب الافتراض الصهيوني بأن الكيان سيبقى متفوقاً عسكرياً للأبد. ويستحضر حرب أكتوبر 1973 كمثال تاريخي؛ حيث كادت التنسيقات المصرية-السورية بدعم سوفياتي أن تؤدي إلى كارثة استراتيجية للاحتلال. ويلفت فريدمان إلى أن ما أنقذ الكيان حينها لم يكن قوته الذاتية الفائقة فحسب، بل عدم توقع المخططين العرب لحجم نجاحهم الأولي وغياب خطة كاملة للاجتياح الشامل.
ويوضح فريدمان أن الدعم الأمريكي للكيان لم يكن التزاماً أخلاقياً ثابتاً، بل نشأ ضمن منطق الحرب الباردة لحجم حاجة واشنطن لأداة تردع النفوذ السوفياتي (كما ظهرت بوادره بعد أزمة السويس 1956).
ويرى الكاتب أن انتهاء الحرب الباردة وتغير المصالح القومية الأمريكية يعني بالضرورة أن واشنطن قد لا تظل ملتزمة بالدعم نفسه للأبد، رابطاً التحالفات بالمصالح المتغيرة للدول لا بأشخاص الرؤساء.
ويرى أنه بعد اتفاق السلام مع مصر عام 1978، تحول التهديد الرئيسي من الجيوش النظامية إلى جماعات مسلحة وفصائل (الفاعلين غير الدولتيين) المدعومة من إيران.
وأن من تداعيات أحداث 7 أكتوبر 2023 أن غيرت هذه الأحداث البيئة الأمنية مجدداً. ورغم أن رد الاحتلال أضعف قدرات بعض هذه الجماعات وأسهم في خلخلة المشهد الإقليمي (مثل سقوط النظام في سوريا)، إلا أن الكيان وجد نفسه يعود لمواجهة ترتيبات دولية وحروب أوسع نطاقاً.
ويحلل فريدمان محاولات الاحتلال لتوسيع هوامشه الجغرافية (عبر العمليات في غزة، واحتلال الضفة، ومحاولة دفع الحدود في لبنان إلى نهر الليطاني) كاستراتيجية لخلق عمق أمني. ويرى الكاتب أن هذه السياسة غير مجدية على المدى الطويل لسببين:
التطور التكنولوجي والعسكري (مثل سلاح المسيّرات والصواريخ) يتجاوز العوائق الجغرافية والمناطق العازلة.
السيطرة على الأرض لا تضمن بقاء التفوق العسكري ولا تضمن استمرار الدعم الأمريكي المتذبذب.
https://geopoliticalfutures.com/israels-strategic-problem/
وبعد نشر المقال، تلقى فريدمان أسئلة مشككة وجدلية من القراء، وكان أبرزها سؤال يرفض فكرة التسوية ويقول: “ما هي التسوية التي تبحث عنها دولة مع من يريدون تدميرها؟”، فنشر ردّاً تحليلياً بعنوان: “George Answers Your Questions: Israel’s Strategic Problem“.
https://geopoliticalfutures.com/george-answers-your-questions-israels-strategic-problem/
الحرص البارد على مصلحة الكيان
جورج فريدمان (George Friedman): هو مفكر وعالم سياسة أمريكي بارز متخصص في العلاقات الدولية والجيوسياسية، ولد عام 1949. يُعرف بكونه مؤسس وكالة “ستراتفور” (Stratfor) للاستخبارات والتحليل الجيوسياسي، والتي وُصفت لفترة طويلة بأنها “وكالة المخابرات المركزية الظلية”، ويرأس حالياً مؤسسة “جيوبوليتيكال فيوتشرز” (Geopolitical Futures). يتميز فريدمان بتحليلاته التي تركز على تأثير الجغرافيا والمصالح القومية الثابتة للدول في توجيه التاريخ والحروب، بعيداً عن الأيديولوجيات أو العواطف السياسية.
وتصنيف جورج فريدمان يتطلب فهماً لطبيعة المدرسة الفكرية التي ينتمي إليها؛ فهو ليس ناشطاً سياسياً ولا منظراً أيديولوجياً (صهيونياً أو مناهضاً للصهيونية)، بل هو باحث ينتمي إلى مدرسة “الواقعية الجيوسياسية الصارمة” (Geopolitical Realism).
ينحدر من عائلة يهودية مجرية نجت من الهولوكوست وهاجرت إلى الولايات المتحدة، لكن تحليلاته لا تنطلق من منطلق ديني أو عاطفي، ويمكن تفكيك موقفه تجاه الكيان كونه (ليس مدفوعاً بالصهيونية الأيديولوجية) حيث لا يدافع عن الكيان من منطلق “الحق التاريخي” أو السرديات الصهيونية التقليدية. في كتبه وتحليلاته، يتعامل مع الكيان كـ “دولة” أو “وحدة سياسية” موجودة على الخارطة، ويخضعها لنفس القوانين الجغرافية والعسكرية الباردة التي يطبقها على أمريكا، أو روسيا، أو الصين. هو يرى أن “المشاعر والأيديولوجيا” لا قيمة لها أمام حقائق الجغرافيا وحسابات القوة.
كما هو (حريص على مصلحة الكيان) حيث تحذيراته تأتي من باب “النصح الاستراتيجي البارد” وليس التعاطف الأعمى. ويرى أن القيادة السياسية والعسكرية للاحتلال تقع في فخ “الغرور العسكري” والاعتماد المفرط على التكنولوجيا والتحالف الأمريكي غير المضمون.
عندما يكتب عن الهشاشة الجغرافية وحتمية صعود قوى أخرى في المنطقة، فهو يحذر الكيان من أن استراتيجية “استخدام القوة الدائمة” (المطرقة العسكرية) هي استراتيجية انتحارية على المدى الطويل.
ويرى أن “مصلحة الكيان” (بمنطق البقاء كدولة) تتطلب الاعتراف بحدود القوة وسقوط أسطورة الجيش الذي لا يقهر، والبحث عن تفاهمات إقليمية حقيقية لأن الجغرافيا لا يمكن تغييرها.
وفي تحليلاته، لا ينظر فريدمان إلى العرب أو الفلسطينيين كأعداء “مطلقين” بالمعنى العقائدي، بل كأطراف جيوسياسية طبيعية تبحث عن مصالحها واستعادة حقوقها وأراضيها. وهو يقر في مقالاته بأن الفلسطينيين تعرضوا لظلم تاريخي متراكم من قوى متعددة (العثمانيين، البريطانيين، ثم الاحتلال)، وأن مقاومتهم وتطور قدراتهم العسكرية (كالمسيرات والصواريخ) هي نتاج طبيعي لمحاولة البقاء والتفوق على عائق المساحة.
ويمكن استخلاص هذه الفكرة عن جورج فريدمان المحلل الأمريكي الذي يضع مصلحة الأمن القومي الأمريكي أولاً، وينظر إلى الكيان كحليف تتقاطع مصالحه مع واشنطن وتفترق أحياناً.
ونصائحه وقراءاته القاسية للاحتلال لا تنبع من كونه “صهيونياً متعصباً”، بل من كونه “واقعياً يكره الأوهام”؛ ويرى أن الكيان يعيش في وهم خطير سيوصله إلى كارثة حتمية إذا لم يستوعب حقائق الجغرافيا والتاريخ المتغير.