شهد قطاع النقل البحري والخدمات اللوجستية في مصر تطوراً هيكلياً بارزاً، إثر تقدم شركة "بلاك كاسبيان" الإماراتية —التابعة لمجموعة موانئ أبوظبي— بعرض شراء إجباري للاستحواذ على حصة حاكمة تصل إلى 90% من أسهم شركة "الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع"، التي تعد واحدة من أكثر الشركات الحكومية ربحية وتدير عمليات حيوية في ميناءي الإسكندرية والدخيلة.
وجاء هذا التحرك ليفجر موجة عارمة من النقاشات والتحليلات الاقتصاديّة والسياسيّة عبر منصات التواصل الاجتماعي، بين مؤيد يرى في الخطوة قفزة استثمارية لتطوير الموانئ وتحويلها إلى مراكز لوجستية عالمية، وبين معارض يبدي مخاوف جادة من التفريط في أصول استراتيجية رابحة تُمثل أمنًا اقتصادياً وسيادياً للبلاد.
أرقام صفقة الاستحواذ المرتقبة
وتأتي تفاصيل العرض المالي والتشغيلي لصفقة الاستحواذ وفقاً للبيانات والإفصاحات الرسمية على النحو التالي: يتضمن العرض الاستحواذ على 90% من إجمالي أسهم الشركة بسعر 27.47 جنيه للسهم الواحد، بحد أدنى للتنفيذ يبلغ 51%، علماً بأن "الرقابة المالية" كانت قد تلقت خطاباً في ديسمبر 2025 يتضمن سعراً مبدئياً لا يقل عن 22.99 جنيه للسهم.
وتمتلك الشركة الإماراتية حالياً حصة تبلغ 19.33% من رأس مال الشركة، وهي الحصة التي استحوذت عليها مجموعة موانئ أبوظبي في نوفمبر 2025 بقيمة ناهزت 13.2 مليار جنيه (ما يعادل 279 مليون دولار).
وتسعى المجموعة للاستحواذ على حصة إضافية تُقدر بـ 36.3% عبر نقل 953.44 مليون سهم من شركة "ألفا أوريكس"، بالتوازي مع طرح عرض شراء اختياري لمساهمي التداول الحر يستهدف 127.51 مليون سهم.
ورفعت الشركة القابضة للنقل البحري والبري حصتها مؤخراً في رأسمال الإسكندرية للحاويات من 35.36% إلى 36.285% بمتوسط سعر شراء بلغ 32.27 جنيه للسهم عبر شركة "الأهلي فاروس"، في حين اختارت الإسكندرية للحاويات مكتب "بيكر تيلي" كمستشار مالي مستقل لإعداد دراسة القيمة العادلة لبيع حصتها البالغة 182.7 مليون سهم (تمثل 6.01%) في شركة "موانئ مصر البحرية" لصالح الشركة القابضة.
المسئولية الحكومية وترتيب الأولويات
تضع هذه الصفقة الكبرى الحكومة المصرية وأجهزتها التنفيذية أمام تساؤلات حتمية تدور حول كفاءة إدارة الأصول الوطنية؛ فالشركة المستهدفة بالاستحواذ تدير بوابات التجارة الخارجية لمصر على البحر المتوسط وتدر عوائد دولارية مستدامة تذهب مباشرة للخزانة العامة.
ويرى مراقبون ومشرعون أن التوسع الخليجي في قطاعات البنوك، الطاقة، والخدمات اللوجستية مثل إدارة منطقة كيزاد شرق بورسعيد ومحطات شرم الشيخ والغردقة، يعكس خللاً في ترتيب الأولويات؛ حيث تضطر الدولة للتنازل عن حصص حاكمة ومؤثرة في أدواتها السيادية لتأمين سيولة نقدية عاجلة وسداد التزامات خارجية، بدلاً من الاعتماد على تشغيل وطني يعظم الإنتاج ويحافظ على استقلالية القرار الاقتصادي للموانئ المصرية.
تفاعل وجدل
وأثارت المؤشرات الرقمية للصفقة ردود أفعال متباينة وحادة من قبل حسابات ومنظمات وهيئات تكنوقراطية على منصات التواصل الاجتماعي، ركزت في مجملها على التبعات الاستراتيجية والتسعيرية للأصول المصرية.
حيث انتقد حساب صدى مصر (@sadamisr25) التوجه الاقتصادي العام عبر تدوينة جاء فيها: "شركة بلاك كاسبيان الإماراتية تتقدم بعرض شراء إجباري للاستحواذ على 90% من أسهم «الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع»، بعدما كانت تمتلك نحو 19.3% من أسهم الشركة!! شراء إجباري علشان اللي يبيع رأس الحكمة ويتخلى عن تيران وصنافير وعن السيطرة على معبر رفح ويسلم نفسه لازم تكون ديه النتيجة!! مصر تحت السيادة والتبعية".
وفي ذات السياق، عبر حساب حزب تكنوقراط مصر (@egy_technocrats) عن مخاوفه من خسارة العوائد طويلة الأجل قائلاً: "الإمارات تواصل التوسع في الأصول الاستراتيجية المصرية.. 'بلاك كاسبيان' تسعى للسيطرة على 90% من الإسكندرية لتداول الحاويات. الصفقة تمثل حلقة جديدة في مسلسل التخارج الحكومي من الأصول الرابحة لصالح مستثمرين أجانب لتوفير سيولة دولارية سريعة، بدلاً من تطوير هذه الأصول وتعظيم عوائدها على المدى الطويل، مما يثير مخاوف تتعلق بالأمن الاقتصادي والسيادي".
بينما هاجم حساب YasBal (@YasBal1) الآليات الاستحواذية المتبعة واصفاً إياها بالاستغلالية: "الامارات تستغل وتمص دم الدول الفقيرة وشبه الدول وتأكل خيراتها طبعا بالتعاون مع الفسدة والمرتزقة ولها في مصر أكثر من سرقة ونصباية ومنها استحواذها على المصانع والشركات المنتجة والبنوك بتراب الفلوس ووصل الأمر الى حد أنها بتلعب على المكشوف".
توسعات لوجستية في البحر الأحمر
وتُكثف المجموعات الاستثمارية الإماراتية حضورها التشغيلي في الموانئ المصرية، حيث أعلنت مجموعة موانئ أبوظبي عن إطلاق التشغيل التجريبي لـ"موانئ نواتوم – محطة سفاجا" بالبحر الأحمر، بموجب اتفاقية امتياز ممتدة لـ 30 عاماً جرى توقيعها عام 2023 مع هيئة موانئ البحر الأحمر.
وتشمل المستهدفات الإنشائية والتشغيلية لمحطة سفاجا ما يلي:
تبلغ المساحة الإجمالية للمحطة 810 آلاف متر مربع بجدار رصيف يبلغ طوله 1000 متر.
وتصل القدرة الاستيعابية المستهدفة إلى مناولة 5 ملايين طن من البضائع العامة والجافة، ومليون طن من البضائع السائلة، و450 ألف حاوية نمطية، فضلاً عن استقبال 50 ألف مركبة.
واستقبلت المحطة في أبريل 2026 عدد 3 رافعات رصيف عملاقة و6 رافعات جسرية مطاطية (RTG) لبدء العمليات، بالتوازي مع استثمارات مباشرة لشركة الإسكندرية للحاويات بقيمة 24 مليون دولار لشراء 10 أوناش ساحة عملاقة حمولة 40 طناً لتطوير محطتي الإسكندرية والدخيلة.
توسع إماراتي متنامٍ
وفي سياق متصل فقد تداولت الحسابات والتقارير الاقتصادية تفاصيل عرض شركة "بلاك كاسبيان" الإماراتية للاستحواذ على 90% من أسهم شركة "الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع" بسعر 27.47 جنيه للسهم وبحد أدنى للتنفيذ 51% ، ما يعكس اتجاه التنازل عن الأصول العامة.
هذا التحرك يأتي استكمالاً لامتلاك الإمارات سابقاً حصة 19.33% عبر مجموعة موانئ أبوظبي بقيمة 13.2 مليار جنيه (نحو 279 مليون دولار)، فضلاً عن استحواذ شركة "ألفا أوريكس" التابعة لصندوق السيادي الإماراتي "ADQ" على 32% من أسهم الشركة، مما يمنح الجانب الإماراتي السيطرة الفعلية الحاكمة على واحد من أهم الشرايين اللوجستية الرابحة بميناءي الإسكندرية والدخيلة، والتي حققت أرباحاً بلغت 6.6 مليار جنيه عن العام المالي الماضي.
ولا يقتصر التغلغل الاستثماري الإماراتي في قطاع الموانئ على الإسكندرية؛ إذ أعلنت مجموعة موانئ أبوظبي عن التشغيل التجريبي لـ"موانئ نواتوم – محطة سفاجا" بالبحر الأحمر بموجب عقد امتياز يمتد لـ 30 عاماً، بمساحة تفوق 810 ألف متر مربع ورصيف بطول 1000 متر لمناولة 5 ملايين طن من البضائع و450 ألف حاوية.
ويتزامن هذا التوسع مع خطط شركة "جلفتينر" الإماراتية لضخ مليار دولار لإدارة محطات الحاويات في شرق بورسعيد ودمياط، بالإضافة إلى قيام المجموعة بتطوير منطقة "كيزاد" الصناعية واللوجستية شرق بورسعيد وتأمين خدمات السفن السياحية في محطات الغردقة وشرم الشيخ.
البنوك والبتروكيماويات ووالصحة
وتمتد خريطة الاستحواذات الإماراتية لتشمل قطاعات سيادية ومشابهة تتجاوز الموانئ اللوجستية إلى عمق الاقتصاد المصري، بهدف الحصول على عوائد دولارية سريعة لتغطية أزمات النقص النقدي والديون المتراكمة. ففي القطاع المصرفي، تسيطر المؤسسات الإماراتية على حصص حاكمة في بنوك كبرى مثل البنك التجاري الدولي (CIB) وبنك الإسكندرية، إلى جانب الاستحواذ الكامل على بنوك أخرى مثل بنك أبوظبي الأول ومصرف أبوظبي الإسلامي وبنك الإمارات دبي الوطني.
وفي قطاع البتروكيماويات والأسمدة الاستراتيجي، استحوذت الصناديق الإماراتية على حصص مؤثرة في كبرى الشركات المصدرة التي تدر مئات الملايين من الدولارات سنوياً، وعلى رأسها شركتا "أبو قير للأسمدة" و"موبكو"، مما يضطر الخزانة العامة لمقاسمة عوائد الصادرات السيادية مع المستثمر الأجنبي على المدى الطويل. كما يمتد هذا النفوذ الاستثماري بقوة إلى قطاع الرعاية الصحية الخاص، حيث يسيطر الجانب الإماراتي على ما يتراوح بين 30% و 35% من المستشفيات الخاصة الكبرى والمختبرات ومراكز الأشعة الحيوية في مصر عبر مجموعات استثمارية كبرى، مما يضع الخدمات الأساسية للمواطنين تحت وضعيات احتكار شبه أجنبية.